السبت 01 . 08 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف*
تتضمن علاقة الكتاب بالقرآن الكريم الفقرات التالية: المقدمة، استحباب الزيارة، العدد أربعين، المشي في القرآن، المشي الممدوح، فوائد الزيارة، الاعتزاز بالانتماء، الوقوف امام الأعداء، تعرف الناس ولقائهم، الفوائد الاقتصادية، التحمل والصبر، العلاج برياضة المشي، تجسيد مبدأ الولاية، التسليم والطاعة لاهل البيت وعصمتهم، تأكيد الهوية، المبايعة خلال الزيارة، المهرجان السنوي، شبهات وردود، آداب الزائر، واقتراحات.
جاء في کتاب الاربعين وفلسفة المشي الى الحسين عليه السلام للشيخ حيدر الصمياني: المشي: المشي معناه الانتقال من مكان إلى مكان، وكما يقول ابن منظور: (المشي معروف مشى يمشي مشياً). والمشي بهذا الاعتبار ليس فيه ما يدعوا إلى الذم أو المدح، ولكنه قد يتحول إلى عبادة يحصل عليه الإنسان على أجر وثواب ضمن شروط معينة ذكرتها النصوص الإسلامية. وأجمل ما في ديننا أنه دين واقعي يعيش مع الإنسان في كل حركاته وسكناته، ولا يتركه حتى في الخلاء ومخدع الزوجية، فهو الملتزم الموجب والمانع الناهي له في بعض الأحايين والمرشد والناصح في أحايين أخرى في الكثير من الجزئيات التي قد يمرُّ بها مثل هذا الإنسان. ومن جملة هذه الجزئيات المرتبطة بحياة الإنسان هي جزئية المشي والذي يرتبط بالإنسان من أول يوم يضع فيه قدمه على الأرض، وبما أن الله عز وجل قد كلف الإنسان بإعمار الأرض والسير فيها كما في الآية الكريمة: “هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود 61)، وقوله: “قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” (الانعام 11)، فإن مثل هذا الإعمار يقتضي من الإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان ويسير ويمشي من جهة إلى جهة أخرى، فاقتضى ذلك وضع مجموعة من القواعد والإرشادات لهذا الإنسان تبين له آداب وسنن هذا المشي والسير في الأرض، وفي هذا الفصل نحاول أن نسلط الأضواء على النصوص الإسلامية قرآناً وسنة التي تناولت هذه الجزئية من جوانبها المتعددة وذلك لارتباط هذا الأمر بشكل كبير في طاعات الإنسان وعبادته بشكل عام وبالإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته بشكل خاص من خلال زيارتهم والسعي والمشي إليهم في هذا الطريق.
وعن المشي في القرآن الكريم يقول الشيخ الصمياني في كتابه: تحدث القرآن عن المشي من جوانب متعددة، فمن جهة ذكر أن هذه الظاهرة وهي المشي تمثل نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان وغيره حيث أشار في بعض آياته إلى أن هذا الأمر غير مختص بالإنسان، يقول تعالى “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (النور 45)، حيث أشار إلى أن بعض الموجودات تمشي على بطنها كالثعابين وبعضها يمشي على رجلين كالإنسان وبعضها يمشي على أربع كما عند الحيوانات كالأسد وغيره. ومن جهة ثانية: أشار إلى أن هذا المشي بعضه مذموم وبعضه ممدوح نقلاً عن لقمان في وصيته لولده: “وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” (لقمان 18-19). ولا شك ولا ريب أن هذا اللون من المشي مذموم أي أن يكون مشي الإنسان على نحو التبختر والاختيال أو على نحو شدة الفرح أو على نحو الأشر والبطر على اختلاف المعاني المفسرة لكلمة (مرح). يقول ابن منظور في لسان العرب: (مرح: المرح: شدة الفرح والنشاط حتى يجاوزه قدره، وقد أمرحه غيره، والاسم المراح وقيل: المرح التبختر والاختيال وفي التنزيل “وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا” (لقمان 18) أي متبختراً وقيل: المرح: الأشر والبطر ومنه قوله تعالى: “بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ” (غافر 75)). ومنه قوله تعالى: “وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً” (النساء 37)، وهذا ردّ عنيف وقاسٍ من الله عز وجل على ذلك المتكبر الماشي مشية المختال الفخور، حيث يقول له مهما دببت برجلك فلن تستطيع أن تشق الأرض تحت قدمك وإن كان دبيبك قوياً، ومهما تمطيت بعنقك فإنك لن تبلغ الجبال طولاً أي إنك لن تطول أكثر مما أنت عليه.
ويستطرد الشيخ حيدر الصمياني عن المشي في القرآن الكريم قائلا: ومنه قوله تعالى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ” (الملك 22). يقول ابن منظور: كبب: كب الشيء يكبه، وكبكبه: قلبه، ورجل مكب ومكباب: كثير النظر إلى الأرض، وفي التنزيل العزيز: “أَفَمَنْ يَمْشِي” (الملك 22) الخ. ولا شك أن الإنسان الذي يمشي وهو مكبوب الوجه مقلوب إلى الأرض سوف لا يرى من أمامه ولا من حوله وبالتالي سوف يتعرض إلى ألوان من المهالك والمزالق. ومنه قوله تعالى: “وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ” (النور 31)، وذلك حينما تمشي المرأة وهي تضرب بقدمها الأرض حتى تسمع من إلى جانبها ما تحمل أرجلها من أساور وغيرها. ومنه قوله تعالى: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا” (المائدة 33) الخ، حيث أشار إلى أن هذه العقوبة وهي (عقوبة الحرابة) تترتب على أولئك الساعين إلى الفساد في الأرض ومن جملة مصاديق هذا السعي المشي إلى هذا الفساد.
وعن المشي الممدوح يقول الشيخ الصمياني في كتابه الاربعين وفلسفة المشي الى الحسين عليه السلام: فمنه قوله تعالى: “وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا” (الفرقان 63)، حيث أشار إلى أن هذا المشي المعبر عنه بالهون هو الناشئ من التواضع والدال على النفس العالية. قال الخليل الفراهيدي: (الهَوْن: مصدر الهين في معنى السكينة والوقار). وقطعاً ليس المراد بالهون هنا أن يكون مشي الإنسان كالمريض يرفع قدماً ويضع أخرى بهدوء تصنعاً ورياءً بحيث تراهم كأنهم يمثلون هذا الأمر أمام الناس تمثيلاً وهم أكثر الناس استعلاءً وتكبراً في طبيعتهم وتعاملاتهم. لا ليس المراد بالهَوْن هذا بلا أدنى ريب، وإنما المراد به أن يكون مثل هذا الوقار وهذه السكينة نابعة حقيقة من إحساسهم بالتواضع أمام الناس لأجل الله عز وجل من دون جبر ولا فرض وإنما هي الطبيعة التي جبلَ عليها هؤلاء. ومنه قوله تعالى: “أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ” (الانعام 22). والمراد به ذلك الإنسان الذي يتحرك ضمن رؤية واضحة وطريق مستقيم لا يحيد عنها ولا يزيغ لأنه على بينةِ من ربّه، فهو من خلال هذا النور يسمع ويبصر وينطق بإذن الله وتوفيقاته. ومن جهة ثالثة: أشار إلى آداب المشي ومنه قوله تعالى: “وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا” (الاسراء 37)، يعني لا تمشِ مشية الخيلاء متكبراً جباراً عنيداً، فإن فعلت ذلك فإن الله سوف يبغضك لأنه يقول: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ” (لقمان 18). ومنه قوله تعالى: “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ” (لقمان 19)، يعني أجعل مشيك مقتصداً ليس بالبطيء المثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلاً وسطاً بين بين، ومما يؤيد ذلك ما ذكره العلماء من أن أفضل أنواع المشي هو الوسط وهو أن لا تسرع كثيراً ولا تبطئ كثيراً كما قال الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة. ومنه قوله تعالى في أدب مشي النساء: “فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ” (القصص 25)، ووصف الله عز وجل مشية هذه البنت بهذا الوصف دليل على طيب خلقها وتدينها وأدبها حتى صارت مثالاً وقدوة تستحق الذكر في القرآن الكريم. ومن جهة رابعة: تحدث عن أغراض المشي: كطلب الرزق أو التفكر في أحوال الماضين أو مجادلة المجادلين بالحق أو قضاء حاجة أو ما شاكل ذلك، من الجهات التي تعرّض لها القرآن الكريم.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل