أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / تداعيات الضربات الإيرانية تهزّ الأردن.. مئات الشخصيات توقّع رسالة تطالب بانسحاب القوات الأميركية
حقوق النشر AP Photo

تداعيات الضربات الإيرانية تهزّ الأردن.. مئات الشخصيات توقّع رسالة تطالب بانسحاب القوات الأميركية

الجمعة 31 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

وقّعت مئات الشخصيات الأردنية رسالة تطالب بانسحاب القوات الأجنبية ومراجعة الاتفاقية العسكرية مع واشنطن، محذّرة من جرّ المملكة إلى الحرب الإقليمية.

تضع الضربات الإيرانية المتكررة ضد القوات والمنشآت الأميركية في الأردن المملكة أمام تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية متصاعدة، بعدما أوقعت خسائر بشرية وأضراراً عسكرية، وأطلقت صفارات الإنذار في أنحاء البلاد، وفتحت نقاشاً داخلياً حاداً بشأن ما إذا كان الوجود العسكري الأميركي قد حوّل الأردن إلى هدف في مواجهة إقليمية لم يكن يريد أن يكون طرفاً فيها.

تحرّك غير مسبوق

وفي مؤشر على تصاعد الجدل، وقّعت مئات الشخصيات السياسية والأكاديمية والثقافية والقانونية والنقابية والعشائرية الأردنية رسالة مفتوحة، طالبت فيها بانسحاب القوات الأجنبية من المملكة وإلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة أو تقييدها، في خطوة وصفتها صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها تحدٍّ علني نادر للحكومة الأردنية.

وجاءت الرسالة في وقت كثّفت فيه إيران هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع تستضيف قوات أميركية في الأردن، رداً على الضربات التي توجهها الولايات المتحدة ضد إيران. وأدت الهجمات إلى سقوط خسائر بشرية أميركية وتضرر أصول عسكرية، كما زادت المخاوف من انجراف الأردن إلى الحرب المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

رسالة تحذّر من جرّ الأردن إلى الحرب

وقال الموقّعون في رسالتهم: “انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، وإدراكاً لحجم المخاطر التي تواجه المنطقة نتيجة التصعيد العسكري المتسارع، نطالب بانسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي الأردنية”.

وأكدوا أن وجود القوات الأجنبية “يعرّض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم أي مصلحة وطنية، ويزيد احتمال انخراط بلدنا في صراع إقليمي ليس طرفاً فيه”.

وقال أشخاص وقّعوا الرسالة إن تحركهم نابع من شعور بالمسؤولية الوطنية، ومن خشيتهم من أن يعرّض وجود القوات الأجنبية السيادة الأردنية للخطر.

وطالب الموقّعون الحكومة باتخاذ “خطوات فورية وعملية” لحماية سيادة الأردن وأمنه واستقراره واستقلال قراره، وتجنيب المملكة “مخاطر الاصطفاف تحت العباءة الأميركية”.

ولم يرد متحدث باسم الحكومة الأردنية على طلبات “نيويورك تايمز” للتعليق بشأن الرسالة المفتوحة أو الاتهامات بتقييد حرية التعبير.

أربعة آلاف جندي واتفاقية مثيرة للجدل

يستضيف الأردن نحو أربعة آلاف جندي أميركي في قواعده، كما يشكّل مركزاً للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

ويستند هذا الوجود إلى اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقّعها الأردن والولايات المتحدة عام 2021، والتي تمنح القوات والطائرات والمركبات الأميركية حرية واسعة في الدخول إلى المملكة والتنقل داخلها، وتسمح للقوات الأميركية بحمل الأسلحة ونقل المعدات العسكرية وتخزينها.

وكان منتقدون قد اعترضوا عند إقرار الاتفاقية على موافقة الحكومة عليها من دون إحالتها إلى مجلس الأمة. ودعا موقّعو الرسالة الحكومة إلى سحب الاتفاقية الأمنية والعسكرية المبرمة مع واشنطن وإحالتها إلى المجلس لإخضاعها للتدقيق اللازم.

واعتبروا أن من حق الأردنيين وممثليهم المنتخبين ومؤسسات المجتمع المدني الاطلاع على الالتزامات التي “قد تؤثر في سيادة الدولة وأمنها الوطني”.

وطالبوا مجلس الأمة بمناقشة إلغاء الاتفاقية أو تقييدها، إلى جانب توفير مزيد من الشفافية للرأي العام بشأن بنودها.

تحييد المطارات والقواعد العسكرية

لم تقتصر مطالب الشخصيات الأردنية على انسحاب القوات الأجنبية ومراجعة الاتفاقية، بل شملت أيضاً منع استخدام مطارات المملكة وموانئها وقواعدها العسكرية وغيرها من منشآتها الاستراتيجية في أي عمليات مرتبطة بالصراع الإقليمي.

وجاء في الرسالة: “نؤكد ضرورة تحييد جميع المنشآت الاستراتيجية الأردنية، وفي مقدمتها المطارات والموانئ والقواعد العسكرية وغيرها من المنشآت الحيوية”.

ودعت إلى تقديم ضمانات بعدم استخدام هذه المواقع لدعم “أي أعمال أو عمليات عسكرية أو أمنية أو لوجستية مرتبطة بالحرب العدوانية المستمرة على شعوب المنطقة”.

وحذّر الموقّعون من أن “الأردن ليس طرفاً في هذه الحرب، ويجب ألا يتحمل شعبه تداعياتها أو يدفع ثمن سياسات لا تخدم مصالحه العليا”.

كما دعوا السلطات إلى اعتماد ما وصفوه بسياسة “الحياد الحقيقي”، القائمة على رفض المشاركة في أي أنشطة عسكرية أو لوجستية تخدم أي طرف في الصراع.

الصواريخ والحطام يثيران المخاوف

قال الناشط السياسي سفيان التل، البالغ 90 عاماً، إنه وقّع الرسالة لإظهار وجود فرق بين موقف الحكومة، ولا سيما دعمها العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وموقف الشعب الأردني.

وأضاف التل، الذي اعتقلته قوات الأمن الأردنية في أواخر عام 2022 بسبب تخطيطه لانتقاد خطاب للملك عبد الله علناً: “نحن، بصفتنا شعباً أردنياً، لا نقبل سياسة الحكومة واستغلالها الأردن وإمكاناته، بطريقة أو بأخرى، للدفاع عن إسرائيل”.

واعتبر أن وجود القوات الأميركية عرّض الأردنيين للخطر، مشيراً إلى الحطام المتساقط من الصواريخ الإيرانية التي تستهدف إسرائيل وتعترضها الدفاعات الجوية الأميركية في الأردن.

وأوضح التل أنه منذ نشر الرسالة أضاف مئات الأردنيين الآخرين أسماءهم إليها، على الرغم من معرفتهم بالمخاطر المحتملة.

وحذّر من الخطر الذي قد يواجهه الموقّعون، قائلاً: “ردّ الحكومة هو فتح أبواب السجون وجرّنا واحداً تلو الآخر إلى السجن”.

سجال ساخن داخل البرلمان

انعكس احتدام المواقف بشأن الوجود العسكري الأميركي خلال جلسة لمجلس النواب الأردني، عندما اقترح النائب علي الخلايلة أن يتقدّم النواب بالتعازي إلى الولايات المتحدة بمقتل جنودها على الأراضي الأردنية.

وقوبل اقتراح الخلايلة بصيحات اعتراض من نواب آخرين، اتهم أحدهم الجيش الأميركي بقتل الأطفال والنساء والمسنين، في مشهد عكس حدة الانقسام بشأن الشراكة العسكرية مع واشنطن وتداعياتها على الأردن.

وقال آرون ماغيد، مؤلف كتاب “الملك الأكثر أميركية: عبد الله ملك الأردن” ومقدّم بودكاست “عن الأردن”، إن الحكومة سبق أن حاكمت أشخاصاً بسبب انتقادهم ليس الحكومة وحدها، بل حتى حلفاءها.

وأضاف: “في هذه الحالة، عندما ينتقدون السياسة الأمنية الأردنية وأهم عناصرها، أي شراكتها مع الولايات المتحدة، فإن ذلك يُعد خطوة جريئة”.

تداعيات اقتصادية واجتماعية

لم تقتصر تداعيات الحرب على المخاطر الأمنية، إذ ألحقت المواجهة أضراراً مباشرة بقطاع السياحة الأردني، الذي يوفّر ما يصل إلى 18 في المئة من إيرادات البلاد.

ويعاني الأردن أساساً اقتصاداً ضعيفاً وبطالة مرتفعة وشحاً في الموارد الطبيعية، فيما حذّر الموقّعون من أن استمرار التصعيد الإقليمي يهدد الاقتصاد الوطني والاستقرار الداخلي وعلاقات المملكة مع الدول المجاورة.

وعلى الرغم من تزايد الضربات، بدت الحكومة ثابتة في تحالفها مع الولايات المتحدة. وأرجع محللون ذلك، إلى حد كبير، إلى اعتماد الأردن على المساعدات الخارجية الأميركية.

وقدّمت الولايات المتحدة إلى المملكة العام الماضي مساعدات اقتصادية وعسكرية بقيمة 1.65 مليار دولار، وفقاً لمسؤولين أردنيين.

تضييق على التعبير والتغطية الإعلامية

قال الصحافي وكاتب العمود الفلسطيني الأميركي داود كتّاب، المقيم في عمّان، إنه من الصعب تحديد مدى تعبير الرسالة عن المزاج الشعبي، في ظل غياب استطلاعات الرأي العامة في الأردن وارتفاع مخاطر التعبير عن المواقف السياسية.

وأشار مراقبون سياسيون إلى أن معظم الموقّعين يتبنّون توجهات يسارية أو قومية عربية أو إسلامية.

وأوضح كتّاب أن أياً من وسائل الإعلام الأردنية لم ينشر نص الرسالة، في انعكاس لتوجيهات حكومية بعدم تداولها، إلى جانب الرقابة الذاتية. ونشرت إحدى وسائل الإعلام مقالاً يهاجم الرسالة من دون نشر نصها، فيما جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

واستبعد كتّاب أن تؤدي المبادرة إلى موجة أوسع من المعارضة، قائلاً: “هناك تقلّص في مساحة حرية التعبير، وتقلّص في مساحة الحق في الاحتجاج. أعتقد أن هذه على الأرجح حالة منفردة. ولا أرى تأثيراً متسلسلاً سيحدث”.

وكان الأردن قد فرض عام 2023 عقوبات قانونية قاسية على مخالفات من بينها “نشر الأخبار الكاذبة” و”تهديد السلم المجتمعي”، مستهدفاً الصحافيين والناشطين وغيرهم من منتقدي الحكومة، وفقاً لمنظمة العفو الدولية.

وفي العام الماضي، حظرت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، متهمة إياها بالتخطيط لهجمات داخل البلاد. كما داهمت قوات الأمن مقر حزب جبهة العمل الإسلامي، أكبر أحزاب المعارضة، والذي يُعد الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

إشادة بالجيش وتأكيد عقيدته الوطنية

أشاد الموقّعون بالقوات المسلحة الأردنية، لكنهم شددوا على ضرورة أن تبقى عقيدتها العسكرية مركزة على الدفاع عن البلاد وشعبها ومقدساتها.

وقالوا إن الدور الوطني للجيش يجب أن يبقى موجهاً نحو مواجهة ما وصفوه بـ”العدو الصهيوني المطبوع بالإبادة والتهجير والتوسع”، مستذكرين الدور التاريخي للقوات الأردنية في معارك الكرامة وباب الواد واللطرون وفي الدفاع عن القدس.

وخُتمت الرسالة بالقول: “عاش الأردن حراً سيداً مستقلاً، والخزي والعار لكل قوى الاستعمار في منطقتنا”.

 *****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً