الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / أسعار تأمين تصل إلى 10 ملايين دولار .. لماذا لا تعبر ناقلات النفط مضيق هرمز؟

أسعار تأمين تصل إلى 10 ملايين دولار .. لماذا لا تعبر ناقلات النفط مضيق هرمز؟

السبت 22 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

ارتفاع معدل تأمين مخاطر الحرب إلى 10% من قيمة السفينة يجعل عبور مضيق هرمز غير مجدٍ اقتصادياً للمالكين.

صرّح وحيد نوبهار، الخبير في صناعة التأمين، في حوار مع المراسل الاقتصادي لوكالة “تسنيم” للأنباء، بأن مضيق هرمز، بالإضافة إلى موقعه الاستراتيجي الجغرافي، قد تحول أيضاً إلى مأزق تأميني. فالسفينة تحتاج إلى تغطية تأمينية لعبور هرمز، لكن شركة التأمين تواجه عند إصدار هذه التغطية مخاطر قد تحوّل استثمارات كبيرة إلى خسائر في دقائق معدودة، كما أن مالك السفينة، عندما تصل أقساط تأمين الحرب إلى عدة ملايين من الدولارات لرحلة واحدة، قد يفضّل عدم دخول المسار أصلاً. وخلاصة هذه الدورة هي ما يعبّر عنه الخبير بـ”الانسداد التأميني في هرمز”.

وأضاف أن شركات التأمين الدولية لم تتخذ قراراً سياسياً بإغلاق المضيق عند الحاجة، لكن سلوكها الاقتصادي والمهني يؤدّي إلى تراجع حاد في حركة المرور التجارية. واستناداً إلى مؤشرات السوق وتقرير لوكالة “رويترز” في 8 يوليو/تموز 2026، فإن بعض شركات تأمين مخاطر الحرب أوصت شركات الشحن بوقف رحلاتها عبر مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه، كانت شركات أخرى تعيد مراجعة شروط وثائق التأمين لديها، كرد فعل على الهجمات التي استهدفت ثلاث ناقلات، حيث ارتفع معدل تأمين مخاطر الحرب في الخليج الفارسي من نحو 2% من قيمة السفينة إلى ما يقارب 3%، مع احتمالية وصوله إلى 5%.

وأوضح نوبهار أن سلوك شركات التأمين مفهوم فنياً، فهي تواجه مخاطر قد يكون تواترها قابلاً للتقدير، لكن شدة الخسارة المحتملة فيها كبيرة جداً. فإصابة بصاروخ أو لغم، أو احتجاز، أو هجوم على ناقلة نفط أو حامل غاز مسال، أو خسارة كاملة للهيكل، قد تسبّب خسارة بعشرات أو حتى مئات الملايين من الدولارات. لذلك، لم يعد التسعير التأميني بناءً على النماذج الاسترجاعية مجدياً، بل أصبح يعتمد على تقييم فوري للتهديد، والمسار، ونوع السفينة، وقيمة الحمولة، والوضع الأمني.

وتابع: ربما تعكس الأرقام حدة التغيرات بشكل أفضل، فمعدل تأمين مخاطر الحرب كان يُسجّل في السابق لنحو 0.25% من قيمة الهيكل لبعض الرحلات الإقليمية، ثم ارتفع في يونيو/حزيران إلى نحو 4% للعبور من هرمز، وفي يوليو/تموز تراوحت المعدلات المسجلة بين 3% و10% من قيمة السفينة. بالنسبة لناقلة نفط قيمتها 100 مليون دولار، فإن معدل 3% يعني قسطاً تأمينياً نحو 3 ملايين دولار، ومعدل 10% يعادل 10 ملايين دولار لتغطية مخاطر الحرب، في حين كان سعر التأمين سابقاً نحو 250 ألف دولار.

وأشار الخبير إلى أن سوق التأمين الدولية حاولت في يونيو/حزيران إنشاء طاقة استيعابية جديدة لحل المشكلة، حيث أعلنت “لويدز” عن تشكيل كونسورتيوم لتوفير تغطية الحرب للسفن والحمولات العابرة لهرمز، بطاقة استيعابية تصل إلى 400 مليون دولار، لكن هذه الخطوة كشفت تناقضاً مهماً، وهو أن توفير طاقة تأمينية لا يعني قبولاً واسعاً للمخاطر. فقد أوضحت “لويدز” بوضوح أن الوصول إلى هذه التغطية مشروط بمراجعة العقوبات، وتقييم كل خطر على حدة، وشروط الوثيقة واستثناءاتها، والمتطلبات القانونية.

وأضاف نوبهار أن السفينة لا يمكنها اعتبار التغطية مضمونة بمجرد دفع السعر المعلن، بل يجب تقييم كل خطر بشكل منفصل، مما يخلق عملياً جداراً اقتصادياً أمام حركة المرور. فشركة التأمين من جهة لا تستطيع قبول المخاطر دون قيود، ومن جهة أخرى، يواجه مالك السفينة، بعد أن أصبح السعر التأميني بملايين الدولارات، ضرورة إعادة حساب الجدوى الاقتصادية للرحلة بأكملها.

وقال: إذا تم تأمين ناقلة نفط بقيمة 100 مليون دولار بمعدل 10%، فإن 10 ملايين دولار تضاف كتكلفة تغطية الحرب إلى الرحلة، وإذا كانت قيمة الحمولة عشرات الملايين أيضاً، فإن التكلفة الفعلية للمخاطر قد ترتفع أكثر. ومع إضافة تكاليف الإيجار، والوقود، وانتظار السفينة، واحتمال التأخير، والتكاليف الأمنية، قد يفقد عبور هرمز مبرره الاقتصادي. ويمكن القول إن سلوك شركة التأمين يرتبط بسلوك مالك السفينة، فالمالك لا يقول “ليس لدي تأمين، لذا لن أعبر”، بل قد يكون التأمين متاحاً لكن سعره مرتفع لدرجة تجعل العبور غير مجدٍ اقتصادياً.

وأوضح أن بيانات “كبلر” لحركة المرور في هرمز تُظهر هذا التأثير بوضوح، إذ بلغ متوسط العبور في أغسطس/آب أقل من عشر سفن، بينما كان عدد العبور اليومي قبل الحرب يتجاوز 130 سفينة. فلا يمكن تفسير الفجوة بين أكثر من 130 عبوراً يومياً قبل الحرب والأرقام الأحادية الحالية فقط بانخفاض الطلب على النقل، بل تزامن عوامل أمن المسار، والهجمات على السفن، وقلق المالكين، والقيود التأمينية. كما أكد تقرير “رويترز” في 19 أغسطس/آب أن المخاوف الأمنية أبعدت شحنات النفط الكبيرة عن المسار، وأن بعض شركات الشحن الكبرى أوقفت نشاطها عبر هرمز.

وأشار نوبهار إلى أن شركة التأمين تواجه موقفاً متناقضاً، فمهمة التأمين هي تمكين النشاط الاقتصادي عبر نقل المخاطر، لكن عندما تتجاوز مخاطر الحرب الطاقة الاعتيادية للسوق، فإن آلية نقل المخاطر قد تتحول إلى عامل مقيد للنشاط الاقتصادي. فالشركة لا تريد قبول المخاطر دون تسعير يتناسب مع الخطر، والسعر الأعلى يقلل الطلب، والطلب الأقل يقلل الحركة، والحركة الأقل تعكس بدورها ارتفاع المخاطر التشغيلية وعدم اليقين في المسار، مما يصعّب التسعير.

وتابع: هذه الحلقة المفرغة تفسر لماذا لم يؤدِ حتى إنشاء طاقة استيعابية بـ400 مليون دولار من “لويدز” إلى عودة التجارة البحرية في هرمز، فقد وُجدت طاقة استيعابية تأمينية، لكن المخاطر الاقتصادية للعبور لا تزال غير جاذبة لغالبية المالكين.

وقال نوبهار إن النظر إلى سلوك شركات التأمين في الأشهر الماضية يؤكد ذلك، فقد أشارت “رويترز” في مارس/آذار إلى زيادة تجاوزت 1000% في أقساط تأمين الحرب في بعض الحالات، وبلغت المعدلات في أبريل/نيسان نحو 3% من قيمة السفينة، وفي يوليو/تموز تحدثت بعض مصادر السوق عن احتمال وصول المعدلات إلى 5% وأعلى. ومنطق التأمين المهني في ظروف الحرب تحول، دون قصد، إلى أحد العوائق أمام عودة الشحن.

وأكد أنه للحديث عن عودة حقيقية للشحن إلى هرمز، فإن الإعلان عن فتح المضيق، الذي تذكره وسائل الإعلام الأجنبية أحياناً، غير قابل للتصديق. فما يمكن دراسته من الزاوية الفنية للتأمين هو الزيادة المنتظمة في حركة السفن وانخفاض معدل تأمين مخاطر الحرب، وهما مؤشران مهمان لتقييم الفتح الحقيقي لهرمز.

وأضاف نوبهار أن الفتح الحقيقي لهرمز يمكن قياسه عبر معدل التأمين، فإذا تحركت السفن مجدداً لكن تغطية الحرب لا تزال بنسبة عدة بالمئة من قيمة السفينة، فإن السوق لم يعتبر هرمز آمناً بعد. ومن المرجح أن تكون العودة المستدامة للحركة عندما يقترب معدل التأمين، والطاقة الاستيعابية لشركات التأمين، وسلوك المالكين، جميعاً من وضع طبيعي.

واختتم الخبير قائلاً: إن رقم 130 عبوراً يومياً قبل الحرب مقابل الأرقام الأحادية في أغسطس/آب 2026، ربما يكون المؤشر الأكثر بلاغة على أن صناعة التأمين أصبحت في هذه الفترة أحد المتغيرات الحاسمة في قرار العبور. وبعبارة أدق، تحولت صناعة التأمين الدولية إلى أحد المتغيرات المؤثرة في حركة التجارة العالمية، وهي تسير حالياً، طوعاً أو كرهاً، جنباً إلى جنب مع السياسات البحرية لايران.

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً