الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

السبت 29 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

عندما تعجز الواجهة… تتصدر المؤخرة

لفت نظري في الآونة الأخيرة سلوك غريب في عالم الصور؛ بعض البنات، حين تلتقط صورة، لا تقف كما يقف الإنسان بصورة طبيعية، مستقيمة وهادئة ومهيبة، وإنما تبحث عن زاوية معينة، وتلوّي جسدها بطريقة تجعل المؤخرة هي أول ما يصل إلى عين المتلقي.
قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد «بوز» للتصوير، ولا تستحق كل هذا التأمل، لكنني وجدت فيها استعارة اجتماعية أكبر بكثير من مجرد صورة.
فحين لا تجد الأمم واجهة حقيقية تضعها في المقدمة، تبدأ بالبحث عن مؤخرة تصلح لأن تكون واجهة بديلة.
المشكلة ليست في المؤخرة بحد ذاتها، ولا في أن يلتقط الإنسان صورة بالطريقة التي تعجبه؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح ما يفترض أن يكون في الخلف هو ما نصرّ على وضعه في المقدمة، فقط لأننا لا نملك شيئاً آخر يستحق التصدير.

وهذا بالضبط ما يحدث في مجتمعات كثيرة
حين يغيب الإنجاز الحقيقي، تبدأ صناعة «الإنجاز الفقاعي»؛ شيء لامع من الخارج، فارغ من الداخل، لكنه قادر على جذب العين لبضع ثوانٍ.
وحين لا يكون هناك مشروع حقيقي، نصنع ضجة.
وحين لا يكون هناك موقف، نصنع معركة.
وحين لا يكون هناك منجز، نبحث عن قصة قديمة، أو مشكلة مستهلكة، أو قضية عفا عليها الزمن، ثم نعيد تدويرها ونقدمها للناس وكأننا اكتشفناها هذا الصباح.

خذ السياسي مثالاً
السياسي الذي لا يجد في رصيده ما يقدمه للناس، ولا يستطيع أن يقول: أنجزت كذا، وأصلحت كذا، وفتحت هذا الباب، وأغلقت ذاك الملف، ووضعت حلاً لهذه المشكلة؛ سيبحث غالباً عن شيء آخر يثبت به وجوده.
فيبدأ بتدوير الأزمات ينبش الملفات القديمة.
يستحضر الطائفية حين تعجز يده عن صناعة التنمية.
يستعيد لغة الانقسام حين لا يملك لغة الإنجاز.
يحوّل المشكلة إلى منجز، والضجيج إلى حضور، والخصومة إلى برنامج سياسي.
ليس مهماً أن يتقدم البلد؛ المهم أن تبقى الكاميرا مسلطة عليه.
وهنا تصبح القاعدة:
إذا لم أملك ما أقدمه، فسأقدم نفسي. وإذا لم أملك منجزاً، فسأصنع ضجة حول غيابه.
والحكاية لا تتوقف عند السياسي.
في المجتمع أيضاً، صار بعض الناس يتعاملون مع الحياة بمنطق «الواجهة البديلة».

من لا يملك علماً، يستعرض
ومن لا يملك تجربة، يتحدث بثقة الخبير.
ومن لا يملك إنجازاً، يبالغ في الحديث عن إنجازاته.
ومن لا يملك حضوراً حقيقياً، يصنع حضوراً افتراضياً.
حتى المؤسسات قد تفعل الشيء نفسه؛ فبدلاً من أن تقول للناس ماذا أنجزت، تخبرهم كم مرة اجتمعت، وكم صورة التقطت، وكم بياناً أصدرت، وكم مرة ظهرت في المشهد.
فتصبح الصورة بديلاً عن الفعل، والبيان بديلاً عن القرار، والظهور بديلاً عن الحضور.
وهنا تحديداً تكمن خطورة «الواجهة البديلة».
لأن المجتمعات التي تعجز عن إنتاج الحقيقي تبدأ بإنتاج البديل عنه.
تستبدل الكفاءة بالشكل، والمضمون بالضجة، والإنجاز بالاستعراض، والعمل بالحديث عنه.
وقد يصل بنا الأمر إلى مرحلة يصبح فيها السؤال ليس: «ماذا أنجزت؟» بل:«كم استطعت أن تلفت الانتباه؟»
وهذا هو الفرق بين مجتمع يعيش على الإنجاز، ومجتمع يعيش على الانطباع.
الأول لا يحتاج إلى أن يشرح نفسه كثيراً؛ إنجازاته تتحدث عنه.
أما الثاني، فيحتاج كل يوم إلى اختراع شيء جديد ليقول: «ها أنا هنا».
ولهذا ربما علينا أن نعيد ترتيب الواجهات.
أن نضع الأشياء في مكانها الطبيعي.
أن يكون العلم في المقدمة، والعمل في المقدمة، والأخلاق في المقدمة، والكفاءة في المقدمة، والمنجز في المقدمة.
أما الضجيج والاستعراض وتدوير الأزمات، فلتبقَ في الخلف حيث مكانها الطبيعي.
فليس كل ما يلفت النظر يستحق أن يكون واجهة.
وأحياناً، حين لا نجد شيئاً حقيقياً نضعه في المقدمة، نضطر لأن نجعل حتى المؤخرات واجهة.
وفي الختام وقبل السلام نقول لا تعود المشكلة في المؤخرة…
بل في عجز الواجهة عن تقديم شيء يستحق أن يُرى.

*سكرتير التحرير 
بغداد 2026/08/29
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً