الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / “كريات شمونة” وعلي الطاهر: مستوطنة تهتزّ… وتلة فرضت نفسها على المعادلة

“كريات شمونة” وعلي الطاهر: مستوطنة تهتزّ… وتلة فرضت نفسها على المعادلة

الثلاثاء 15 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

“كريات شمونة” تكشف أزمة الأمن الإسرائيلي وتراجع ثقة المستوطنين، فيما تفرض تلة علي الطاهر نفسها عقدة استراتيجية في الحسابات العسكرية والسياسية، ليتحول الصراع من معركة على الأرض إلى سؤال أكبر: من يفرض حساباته على شكل الجنوب بعد الحرب؟

في تحليل لـ”تسنيم” يقرأ المشهد من زاويتين متعاكستين، تبدو “كريات شمونة” وعلي الطاهر صورتين مختلفتين تماماً للحرب نفسها. ففي المستوطنة الشمالية، يظهر أثر المقاومة في الداخل الإسرائيلي: نزوح، وأزمة عودة، وتراجع في الشعور بالأمان. لم تعد المشكلة في الأضرار التي لحقت بالمباني، بل في السؤال الذي بدأ يطارد المستوطن: هل ما زال بإمكان الكيان أن يضمن حياة آمنة على الحدود؟ وهنا تتحول الصواريخ إلى ما هو أبعد من تأثيرها العسكري، فهي تضرب الفكرة التي قام عليها الاستيطان الحدودي: أن التفوق العسكري قادر على حماية المستوطنين مهما اقتربت الجبهة.

وفي الجهة المقابلة، تأتي علي الطاهر لتكشف الوجه الآخر للمعادلة. فالتلة ليست مجرد موقع في جنوب لبنان. موقعها المرتفع، وإشرافها على محيط واسع، وارتباطها بجغرافيا المقاومة، جعلها موقعاً ذا قيمة عسكرية واستراتيجية تتجاوز مساحتها بكثير. ولهذا لا يبقى اسمها في الخرائط العسكرية فقط، بل يعود إلى الحسابات السياسية والتفاوضية المتعلقة بالجنوب.

وهنا تبدأ القراءة العكسية: إذا كانت “كريات شمونة” تكشف أزمة الأمن الإسرائيلي، فإن علي الطاهر تكشف حجم القلق الإسرائيلي من جغرافيا المقاومة. فالموقع الذي لا أهمية له لا يتحول إلى عقدة في الترتيبات الأمنية، ولا يصبح موضوعاً للخلاف حول الانتشار والانسحاب. وكلما دخلت علي الطاهر في الحسابات الإسرائيلية، تأكد أن قيمتها ليست في ارتفاعها فقط، بل في موقعها داخل معادلة القوة في الجنوب.

الكيان الإسرائيلي يريد ضمان أمن مستوطناته الشمالية، لكنه يعرف أن هذا الأمن لا ينفصل عن الجغرافيا المقابلة. ولذلك فإن السيطرة على المواقع الاستراتيجية في الجنوب ليست تفصيلاً منفصلاً عن حماية “كريات شمونة”، بل جزء من الحساب نفسه. المستوطنة تكشف أين وصل تأثير المقاومة، والتلة تكشف ما الذي يريد الكيان الإسرائيلي منعه في الجبهة المقابلة.

في “كريات شمونة”، السؤال هو: هل يستطيع المستوطن العودة؟ وفي علي الطاهر، السؤال هو: هل يستطيع الكيان الإسرائيلي إعادة ترتيب الجنوب من دون أن يحسب حساب قوة المقاومة؟ الأولى تختبر منظومة الأمن الإسرائيلية، والثانية تختبر قدرة الكيان على فرض إرادته على جغرافيا الجنوب.

ولهذا، فإن أهمية مرتفعات علي الطاهر بالنسبة إلى المقاومة تنبع من موقعها داخل جغرافيا الجنوب، ومن قيمتها الميدانية، ومن كونها جزءاً من منظومة دفاع وصمود، لا مجرد مساحة على الخريطة. كما أن دخولها إلى الحسابات التفاوضية لا ينتقص من أهميتها، وإنما يكشف وزنها: فالموقع الذي يفرض نفسه على طاولة التفاوض يكون قد فرض نفسه أولاً في الميدان.

وفي المقابل، فإن أزمة “كريات شمونة” تكشف أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لصناعة الأمن. فالكيان الإسرائيلي يستطيع أن يقصف ويحصّن وينشر قواته، لكنه لا يستطيع بالأمر العسكري وحده أن يجعل المستوطن يشعر بأنه في أمان. وهنا تصل الضربة إلى السياسة.

لأن نتنياهو بنى جزءاً أساسياً من صورته على وعد الأمن، ومع اقتراب الانتخابات داخل الكيان، يصبح بحاجة إلى إنجاز واضح يستطيع أن يضعه في رصيده السياسي ويقدمه للناخب الإسرائيلي بوصفه ثمرة للحرب. ومن هنا، يدفع باتجاه السيطرة على علي الطاهر، سعياً إلى تحويلها من موقع عسكري إلى ورقة انتخابية يضعها في رصيده وبرنامجه السياسي بوصفها “إنجازاً” في مواجهة حزب الله. فبعد حرب طويلة وما رافقها من كلفة ودمار، يحتاج إلى صورة انتصار يمكن تسويقها أمام جمهوره، ويقول للناخب: هذه الأرض سيطرنا عليها، وهذا هو المكسب الذي حققناه في الشمال. وعندها تتحول علي الطاهر من تلة استراتيجية إلى ورقة في المعركة على صناديق الاقتراع، ويتحول السؤال من: من انتصر عسكرياً؟ إلى: من استطاع أن يحوّل ما جرى في الميدان إلى إنجاز سياسي وانتخابي؟

وبين “كريات شمونة” وعلي الطاهر، يظهر أثر المقاومة في مستويين: صاروخ يصل إلى المستوطنة فيزعزع ثقة سكانها، وموقع استراتيجي في الجنوب يفرض نفسه على الحسابات العسكرية والسياسية. لذلك، فإن المعركة حول علي الطاهر ليست معركة على تلة فقط، كما أن أزمة “كريات شمونة” ليست أزمة مستوطنة فقط. إنها معركة على السؤال الأكبر: من يملك القدرة على التأثير في شكل الجنوب بعد الحرب؟

فالجغرافيا لا تمنح القوة لمن يحتلها على الخريطة فقط، بل لمن يستطيع أن يجعلها جزءاً من معادلة لا يستطيع الخصم تجاوزها. تلة تتمسك بها المقاومة لأنها جزء من جغرافيا الصمود، ومستوطنة تهتزّ لأن المقاومة استطاعت أن تجعل أمنها موضع سؤال. وبين التلة والمستوطنة، لا تعود المعركة مجرد صراع على الأرض، بل صراع على من يفرض حساباته على الطرف الآخر.

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً