فيينا / الجمعة 27 . 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي
في مهب الروح والمادة: إياب المعنى أم غواية المصطلح
شهدت السنوات الأخيرة بروز تيار فكري يسعى إلى إعادة صياغة الروحانية الإسلامية بلغة مستمدة من علم النفس الحديث وخطاب التنمية الذاتية. يتوسل هذا التيار مفردات من قبيل العقل الباطن والطاقة، والذبذبة وإعادة البرمجة، ثم يعيد إدماجها في أطر عقدية تؤكد مركزية التوحيد وعبودية الإنسان لله تعالى. في هذا السياق، يقدم كتاب إليه المنتهى بوصفه محاولة متكاملة لبناء مشروع وعي روحي توحيدي معاصر، من خلال إعادة تأويل تلك المفردات داخل أفق إيماني. غير أن أهمية الكتاب لا تختزل في خطاب وعظي أو تربوي، بل تتجلى في التساؤلات الفلسفية التي يثيرها حول طبيعة الوعي وحدود التجربة الروحية، بالإضافة إلى موقع اللغة النفسية الجديدة من التراث الصوفي الكلاسيكي ومن الجدل المعاصر في فلسفة العقل. سنركز في هذا المقال على مفهومين محوريين في الكتاب هما الشاهد وقانون الإنعكاس، ونقترح قراءتهما في ضوء تقاطع ثلاثة مضامين: التصوف الإسلامي، علم النفس المعرفي وفلسفة الوعي المعاصرة.
الشاهد بين المراقبة الصوفية والوعي الإنعكاسي
يقدم إليه المنتهى مفهوم الشاهد بوصفه وعيا خالصا يسبق الأفكار ويراقبها دون اندماج فيها، فالإنسان وفق هذا التصور ليس أفكاره ولا مشاعره، بل هو الوعي الذي يلاحظ ويشهد تلك المحتويات النفسية. يقارب هذا الطرح في ظاهره أدبيات اليقظة الذهنية ومفهوم الوعي الإنعكاسي في فلسفة العقل، حيث يتموقع الوعي في مسافة بين الذات ومحتواها، فيصير قادرا على الإلتفات الى ذاته. هذه المقاربة تجعل من الشاهد وظيفة معرفية، أي تقنية لفك التماهي بين الأنا وما يمر في حقل الوعي من أفكار وانفعالات. غير أن استدعاء المصطلح داخل سياق التراث الصوفي يكشف عن طبقات دلالية أعمق. فعند أبي حامد الغزالي مثلا، يبرز مفهوم المراقبة في إحياء علوم الدين بوصفه حالة دائمة من استحضار نظر الله الى العبد، بحيث يغدو الوعي هنا فعلا تعبديا أخلاقيا، لا كشفا لجوهر ميتافيزيقي للذات. أما عند ابن عربي، فان مفهوم الشهود يتجاوز البعد النفسي ليغدو انكشافا لحقيقة الوجود نفسه، حيث تتضاءل المسافة بين الكثرة والوحدة، وتؤول التجربة الروحية إلى دعوى انطولوجية حول طبيعة الواقع، فالشهود عنده: إعادة تعريف لمقام الإنسان في شبكة الوجود وليس مجرد ملاحظة واعية.
يقف إليه المنتهى في موضع وسط بين هذين الأفقين؛ فهو من جهة يستثمر لغة إشراقية وصيغا قريبة من مفردات الذوق الصوفي، ومن جهة أخرى يتحاشى ويتجنب التصريح بوحدة الوجود مؤكدا الفصل العقدي بين الخالق والمخلوق. ومع ذلك يظل الحد الفاصل بين (تقنية وعي) تمارس داخل الجهاز النفسي، و(موقف انطولوجي) حول طبيعة الوجود، حدا رفيعا وقابلا للإلتباس. ومن هنا يتحدد السؤال الفلسفي المركزي: هل الشاهد مجرد وظيفة (دماغية/معرفية) يمكن تفسيرها في ضوء علوم الأعصاب وعلم النفس؟ أم أنه جوهر غير مادي يطابق مفهوم النفس الناطقة او الروح في التراث الكلامي والفلسفي الإسلامي؟ أم هو في أقصى تأويلاته، تجل للحق أو للحقيقة المطلقة كما في بعض القراءات الوحدوية؟ هذا التعدد في إمكانات القراءة يربط خطاب الكتاب مباشرة بالجدل المعاصر حول طبيعة الوعي وحدوده. يتبع ….
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل