الرئيسية / مقالات / في ظل علي شريعتي: وجهة نظر حول الصراع الراهن بين إيران وقوى المقاومة والهيمنة الإمبريالية

في ظل علي شريعتي: وجهة نظر حول الصراع الراهن بين إيران وقوى المقاومة والهيمنة الإمبريالية

فيينا / الثلاثاء  31 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

تفرض التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقتنا العربية اليوم إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي صاغها المفكر الإيراني علي شريعتي في سياق الثورة على الشاه، حين ربط بين الوعي بالذات والتحرر من البنى الإمبريالية بوصفهما شرطين لنهضة الشعوب. إن استعادة شريعتي في هذا السياق ليست مجرد استدعاء لمفكر ثوري، بل هي محاولة لإعادة تأطير الصراع الراهن ضمن منظومة معرفية ترى أن المواجهة مع القوى المهيمنة ليست مواجهة عسكرية أو سياسية فحسب، بل هي مواجهة على مستوى الوجود ذاته، وعلى مستوى تعريف الإنسان لذاته وللعالم من حوله. وقد عبّر شريعتي عن هذا المبدأ في عبارته الشهيرة: إذا لَمْ تَكُنْ شاهداً على عصرك، وَلَمْ تَقِفْ في ساحة الكفاح الدائر بين الحق والباطل، وإذا لَمْ تَتَّخِذْ مَوْقِفاً صَحِيحاً من ذلك الصراع الدائر في العالم، فَكُنْ ما تَشاء: مُصَلِّياً مُتَعَبِّداً في المِحْراب أم شارباً للخَمْر في الحانات… فَكِلا الأمْرَيْن يُصْبِحان سَواء!

إن ما يجري اليوم من تصاعد في المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوى المقاومة من جهة، والولايات المتحدة و(إسرائيل) ومنظومتهما الإقليمية من جهة أخرى، يمكن قراءته بوصفه نتيجة مباشرة لعملية تاريخية طويلة من العودة إلى الذات التي دعا إليها شريعتي. فإيران منذ انتصار الثورة المباركة لم تكتف بتغيير النظام السياسي، بل سعت إلى إعادة بناء تصورها للعالم خارج إطار التبعية للغرب، وهو ما جعلها قادرة على صياغة سياسات مستقلة وبناء منظومة تحالفات تجاوزت منطق الاصطفاف التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود.

لقد أثبتت الأحداث الجارية اليوم، سواء في فلسطين أو في الخليج أو في البحر الأحمر، أن الجمهورية الإسلامية استطاعت أن تترجم هذا الموقف الفكري إلى واقع سياسي. فالمواجهة التي تخوضها ضد الضغوط الاقتصادية   والعسكرية والإعلامية ليست مجرد رد فعل ظرفي، بل هي تعبير عن رؤية ترى أن مقاومة الهيمنة ليست خيارا تكتيكيا، بل ضرورة وجودية. إن قدرة إيران على الصمود أمام العقوبات وعلى تطوير منظومات دفاعية وهجومية متقدمة، وعلى دعم قوى المقاومة في أكثر من ساحة، تعكس وفق القراءة التي يتبناها كثير من الباحثين، نجاح مشروع التحرر من ربقة الولاء للغرب، ونجاح العودة إلى الذات بوصفها إطارا معرفيا وسياسيا. وفي المقابل، تكشف مواقف عدد من الأنظمة العربية عن اتجاه مغاير تماما، إذ اختارت هذه الأنظمة التطبيع والإصطفاف مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، سواء عبر اتفاقيات سياسية واقتصادية معلنة، أو عبر تعاون أمني يجري في الخفاء. إن هذا الاصطفاف الذي يُقدَّم بوصفه خيارا “عقلانيًا” أو “ضروريًا” للحفاظ على الإستقرار، يساهم في تقويض السلم الإقليمي، لأنه يعيد إنتاج البنية ذاتها التي جعلت المنطقة رهينة للمصالح الأجنبية. إن هذه الأنظمة، التي ترفع شعارات السيادة، تمارس سياسات تتناقض مع تلك الشعارات، وتعمل ليلا ونهارا على إضعاف أي مشروع مقاوم يمكن أن يهدد بنية التحالفات التي تستند إليها في بقائها.

وهنا تبرز فئة أخرى من المثقفين والسياسيين العرب، ممن يرفعون شعار “الحياد” في وجه كل صراع، كأنهم يريدون أن يعيشوا في عالم بلا ظالم ولا مظلوم، بلا احتلال ولا مقاومة، بلا تاريخ ولا دم.

يقولون: “طهران تطاولت، جاوزت حجمها، تتدخل فيما لا يعنيها.” لكن الحقيقة أن هؤلاء لا يدافعون عن “الحياد”، بل عن راحة ضميرهم. لأنهم لا يريدون أن يروا الحقيقة التي تُلزمهم بموقف، والموقف يكلّف، وهم لا يريدون أن يدفعوا شيئا.

إن نقدهم لطهران ليس تحليلًا سياسيًا، بل خوفًا من أن يكتشفوا أنهم وقفوا يومًا في صف الباطل دون أن يشعروا. إنهم يهاجمون المقاومة لأن وجودها يفضح عجزهم، ويهاجمون إيران لأن موقفها يذكّرهم بأنهم بلا موقف لأن الحياد في زمن الظلم ليس فضيلة… بل تواطؤ

إن الخطاب الذي تتبناه بعض النخب العربية، والذي يساوي بين مشروع المقاومة ومشروع الهيمنة، يعكس أزمة معرفية عميقة وجهلا مركبا. فالحياد الذي يرفعونه شعارا ليس حيادا حقيقيا، بل هو شكل من أشكال الإنحياز غير المعلن، لأنه يساوي بين طرفين غير متكافئين: طرف يسعى إلى التحرر من السيطرة الخارجية، وآخر يسعى إلى تكريسها. إن هذا الحياد، الذي يبدو في ظاهره موقفا عقلانيا براغماتيا، يتحول في جوهره إلى تبرير للهيمنة، وإلى إعادة إنتاج خطاب طالما استخدمته القوى الكبرى لتجريم المقاومة وتشويهها.

في هذا السياق يمكن الربط بين شريعتي وفلاسفة ما بعد الاستعمار لنكتشف تقاطعات عميقة في البنية الفكرية التي تحكم مقاربتهم للهيمنة. فشريعتي، شأنه شأن إدوارد سعيد وفرانز فانون وغاياتري سبيفاك، كان يرى أن الاستعمار ليس مجرد احتلال للأرض، بل هو قبل ذلك احتلال للوعي. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الفاعلية (agency) بوصفه حجر الزاوية في مشروع التحرر.

فالـ (agency)  لا تعني مجرد القدرة على اتخاذ القرار، بل تعني قدرة الفرد أو الجماعة على أن تكون فاعلا في التاريخ، لا مجرد موضوع لقرارات الآخرين. إنها القدرة على صياغة المصير، وعلى إنتاج السردية الذاتية، وعلى مقاومة التمثيلات التي يصنعها الآخر المهيمن. بهذا المعنى، فإن “العودة إلى الذات” عند شريعتي ليست مجرد دعوة ثقافية، بل هي عملية استعادة للفاعلية التاريخية التي سلبها الاستعمار المباشر وغير المباشر. هنا يتقاطع هذا المفهوم مع رؤية فانون الذي رأى أن الاستعمار يقتل الفاعلية قبل أن يقتل الجسد، ومع نقد إدوارد سعيد للتمثيل الإستشراقي الذي يحوّل الشرق إلى موضوع بلا صوت، ومع سؤال سبيفاك الشهير: “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” الذي يكشف عن آليات إسكات الشعوب المستعمَرة، مع تحليل آخرين للهوية بوصفها ساحة مقاومة ضد التمثيل الكولونيالي.

من هذا المنظور، يمكن قراءة ما تحققه الجمهورية الإسلامية اليوم في مواجهة الضغوط الغربية بوصفه استعادة للفاعلية المفقودة. فإيران الإسلام، عبر بناء منظومة مقاومة إقليمية، وعبر تطوير قدراتها الذاتية، وعبر رفضها الانخراط في منظومة الولاء للغرب، تعيد تعريف موقعها في النظام الدولي، وتعيد صياغة علاقتها بذاتها وبالآخر. إنها لا تكتفي برفض الهيمنة، بل تنتج خطابا بديلا، وتبني مؤسسات بديلة، وتخلق فضاءً سياسيا جديدا يسمح لشعوب المنطقة باستعادة صوتها.

إن استحضار شريعتي اليوم ليس مجرد استعادة لخطاب ثوري، بل هو ضرورة لفهم طبيعة الصراع الراهن. فالرجل الذي ربط بين الوعي والحرية كان يدرك أن المعركة الحقيقية ليست معركة حدود، بل معركة على تعريف الإنسان ذاته: هل هو كائن حر قادر على صياغة مصيره، أم مجرد تابع في منظومة عالمية لا مكان فيها للشعوب الصغيرة إلا بوصفها أدوات.

وفي ضوء ما يجري اليوم، يمكن القول إن الجمهورية الإسلامية، بعد أن أثبتت قدرتها على المواجهة والصمود أمام أقسى أشكال الضغط الإقتصادي والعسكري والسياسي، قد حققت نصرا مبدئيا واستراتيجيا. ليس النصر هنا بمعناه العسكري المباشر، بل بمعناه التاريخي العميق: القدرة على البقاء، وعلى فرض معادلات جديدة، وعلى إظهار أن الإرادة السياسية المستقلة قادرة على الصمود في وجه منظومة الهيمنة.

إن حجم التضحيات التي قدّمها محور المقاومة في هذا السياق، من فلسطين إلى لبنان ومن العراق إلى اليمن، يشكّل دليلا قاطعا على أن الحرية لا تنال إلا بالدم، وأن الثبات على المبدأ هو الشرط الأول لأي تحرر حقيقي. لقد أثبتت هذه التضحيات أن الشعوب التي تستعيد فاعليتها لا يمكن أن تُهزم بسهولة، وأن مشروع المقاومة، مهما واجه من ضغوط، يمتلك من الجذور الفكرية والروحية ما يجعله قادرا على الاستمرار. وهكذا، فإن الصراع الراهن لا يمكن فهمه إلا بوصفه صراعا بين مشروعين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج التبعية، ومشروع يسعى إلى استعادة الإنسان لذاته وفاعليته. وفي هذا السياق، يبدو أن ما تحقق حتى الآن ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية… وعلى ضوءه ننسج مواقفنا وهيهات منا الذلة.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً