فيينا / الأربعاء 01 . 04 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
في بلدٍ تعوّد أن يستيقظ على الأخبار الثقيلة، جاء فوز المنتخب العراقي لكرة القدم كنافذة ضوء، لا كخبرٍ رياضي عابر. كان أشبه برسالة تقول إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على أن تُدهشنا… وتُفرحنا.
منذ ساعات الفجر الأولى، خرج العراقيون إلى الشوارع، ليس لأن هناك ما يُفرض عليهم، بل لأن شيئًا في داخلهم كان يدعوهم للاحتشاد، للوقوف معًا، لرفع الصوت عاليًا باسم بلدٍ تعب كثيرًا. في تلك اللحظات، لم تكن الكرة مجرد لعبة، بل صارت رابطًا خفيًا يجمع القلوب المتعبة، ويعيد تشكيل معنى الانتماء.
وفي أقصى المسافات، حيث الغربة تزداد قسوة، كانت الجالية العراقية في أمريكا الشمالية تملأ المدرجات، تهتف وكأنها لم تغادر الوطن يومًا. في المباراة التي أُقيمت في المكسيك، لم يكن الملعب غريبًا، بل تحول إلى قطعة صغيرة من العراق، تُرفع فيها الأعلام، وتُذرف فيها الدموع، وتُغنّى فيها الأهازيج التي لا يفهمها سواهم، لكنها تصل إلى القلب بلا ترجمة.
وحين جاء الفوز… لم يكن الهتاف وحده هو سيد الموقف. كان البكاء حاضرًا، صادقًا، عميقًا. دموع لم تكن فقط فرحًا بالنتيجة، بل انفجارًا لكل ما تراكم من وجعٍ صامت. العراقي، الذي حُرم طويلًا من لحظات الفرح البسيطة، لا يعرف كيف يفرح بهدوء… هو حين يفرح، يبكي.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُنقذ فيها كرة القدم ما تعجز السياسة عن إصلاحه. ففي ذروة الانقسام، خلال تصفيات كأس آسيا، جاء هدف يونس محمود كأنه ضربة قاضية في شباك الطائفية قبل أن يكون في شباك الخصم. لحظةٌ واحدة، لكنها كانت كافية لتذويب الجدران التي بُنيت بين أبناء البلد الواحد. خرج العراقيون يومها، لا يسألون من أين أتيت، بل يهتفون بصوتٍ واحد: “إخوان سنة وشيعة… هذا البلد ما نبيعه”.
واليوم، تعود تلك الأهزوجة لتملأ الشوارع من جديد، وكأن الزمن يدور ليؤكد الحقيقة ذاتها: أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، ما زال يعرف كيف يجتمع حين يناديه الفرح. كرة القدم لم تكن مجرد مباراة، بل كانت وعدًا متجددًا بأننا، في النهاية، أولاد بلدٍ واحد… وأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.
وهكذا، في زمنٍ صعب، أثبت العراقيون مرة أخرى أن الحياة لا تُقاس بما نفقده، بل بما نستطيع أن نُحييه في داخلنا… حتى لو كان ذلك عبر كرةٍ تركض فوق عشب، لكنها تحمل فوقها آمال وطنٍ بأكمله.
*سكرتير التحرير
بغداد /01. 04 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل