الرئيسية / مقالات / سيرة الحرية في زمن المقاومة: من الحصار إلى الفعل

سيرة الحرية في زمن المقاومة: من الحصار إلى الفعل

الأثنين 13 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

 لم تعد الحرية في هذا المنعطف من الزمن فكرة معلقة في فضاء التأمل، ولا لفظا تتزين به الخطب حين ترغب في استدعاء المعنى. لقد غدت امتحانا صارما لجوهر الإنسان، وميزانا تكشف به الأمم مقدار ما بقي فيها من إرادة، ومقدار ما تسرب إليها من التبعية في هيئة جديدة تبدو في ظاهرها نظاما، وفي باطنها إخضاعا. فالعالم الذي يراد له أن يدار بمنطق القوة وحدها لا يطلب من الشعوب أن تكون حرة، بل أن تكون قابلة للتكيف مع هيمنة تتبدل أقنعتها، لكنها لا تغير جوهرها.

ومن هنا، فإن الصراع في منطقتنا لم يعد صراع حدود فقط، ولا نزاعا على خرائط مرسومة فوق الورق، بل صار مواجهة بين مشروع يريد للمنطقة أن تبقى هامشا في معادلات الغير، ومشروعٍ آخر يحاول أن يعيد إليها حقها في الفعل والمبادرة، وفي صياغة مصيرها بأدواتها الخاصة. وهذا التحول مهما اختلفت القراءات حوله، يكشف أن التاريخ لا يسير دائما وفق ما تريده القوى الكبرى، لأن الشعوب حين تبلغ درجة معينة من الوعي، تتحول من موضوع للسياسة إلى ذات تصنع السياسة.

لقد أدركت إيران الإسلام منذ ثورتها المباركة، أن الاستقلال لا يستعار، وأن السيادة لا تمنح، وأن الأمم التي تنتظر حماية الخارج إنما تؤجل ولادتها الحقيقية. ومن هذا الإدراك بدأ مسار طويل من إعادة بناء الذات، لا على أساس رد الفعل، بل على أساس امتلاك أدوات الفعل نفسها. فالحصار، بدل أن يكون نهاية الطريق، تحول إلى مختبر قاس لإنتاج القدرة، والعزلة بدل أن تكون قيدا نهائيا، صارت دافعا لتوطين المعرفة وتوسيع مجالات التصنيع وتطوير عناصر الردع التي منحت المشروع الإيراني وزنا لا يقاس بالشعارات، بل بفاعلية الحضور في الميدان.

لم يكن هذا التحول مجرد إنجاز تقني أو عسكري، بل كان في عمقه إنجازا معنويا وسياديا. فحين تمتلك أمة قرارها، فإنها لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي صورتها في العالم، وتحمي حقها في أن تكون موجودة لا بوصفها تابعا، بل بوصفها طرفا يفرض حسابه على الآخرين. وفي هذا المعنى، لم تعد القوة هنا مرادفة للغلبة المجردة، بل أصبحت شكلا من أشكال الدفاع عن الإرادة، وعن إمكانية البقاء خارج دائرة الإخضاع التي أرادتها قوى الهيمنة معيارا وحيدا لتنظيم الإقليم.

أما ما اصطلح على تسميته بمحور المقاومة، فقد مثل بدوره انتقالا من ردود الفعل المتفرقة إلى هندسة جديدة لمعنى الصمود. ففي هذا الفضاء المتشابك من التحديات، لم يعد المقاوم مجرد جهة تدافع عن موضعها، بل صار حاملا لفكرة تتجاوز المكان إلى المعنى، وتتجاوز السلاح إلى الرؤية. إن ما وحد هذه القوى في اختلاف جغرافياتها وخلفياتها، لم يكن التشابه الكامل، بل إدراكها العميق بأن التبعية هي الوجه الآخر للانطفاء، وأن الكرامة لا تجزأ حين يراد للوجود أن يدار من الخارج.

وقد كشفت السنوات الأخيرة أن الهيمنة، مهما بدت ماضية في طريقها، ليست قدرا تاريخيا مغلقا. فكل مشروع يبنى على الإخضاع يظل محتاجا إلى اختناق الوعي، وحين ينهض الوعي من تحت الركام، تتبدل المعادلات كلها. وهنا تتضح قيمة التجربة الإيرانية في بعدها الأوسع: ليس لأنها واجهت الضغط فقط، بل لأنها حولت المواجهة إلى مدرسة في الصبر السيادي، وفي بناء القوة من داخل الجرح، وفي تحويل الحصار إلى نافذة لإعادة تعريف الممكن.

ولعل أهم ما في هذه التجربة أنها أعادت إلى المنطقة معنى المبادرة. فبدل أن تكون العواصم العربية والإسلامية مجرد ساحات للرسائل المتبادلة بين القوى الكبرى، بدأت بعض هذه الساحات تصوغ خطابها الخاص، وتنتقل من موقع التلقي إلى موقع الاشتباك مع شروط اللعبة نفسها. وليس المقصود هنا الاشتباك العسكري وحده، بل الاشتباك مع منطق التبعية، ومع هندسة الخوف، ومع الرغبة القديمة في إقناع الشعوب بأن حريتها عبء عليها، وأن صوتها لا يكتمل إلا إذا أعيدت صياغته في مكاتب الخارج.

إن ما تحقق في هذا المسار لا يختصر في معادلة ردع أو في كسر حصار أو في توسيع هامش حركة. إنه في جوهره إعادة اعتبار لفكرة أن الإنسان الجماعي كما الإنسان الفرد، لا يحيا حقا إلا حين يملك أن يقول لا. وهذه الـ(لا) ليست نزوة عدوانية، بل لحظة تأسيس لما تبقى من الكرامة. فالأمم التي تتنازل عن حقها في الرفض، تتنازل تباعا عن حقها في الحضور، ثم عن حقها في المعنى، ثم تجد نفسها وقد صارت رقما في دفتر الهيمنة، لا اسما في سجل التاريخ.

لهذا كله، فإن الصراع القائم ليس مجرد فصل عابر من فصول الجغرافيا السياسية، بل هو فصل من فصول الإنسان حين يختبر حدود حريته. وما بين مشروع يريد للمنطقة أن تبقى مرآة لغيرها، ومشروع يسعى إلى استرداد صوتها من تحت ركام الوصاية، تتحدد قيمة الفعل، وتقاس قدرة الشعوب على أن تعيش لا بما يفرض عليها، بل بما تصنعه بنفسها من معنى ومصير. وفي هذا الامتحان الطويل، تبقى الكلمة الأخيرة دائما لمن يملك أن يصبر، وأن يبني، وأن يحول الجرح إلى قوة، والضغط إلى وعي، والتاريخ إلى مجال مفتوح للانعتاق.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً