الرئيسية / مقالات / المنطقة بين إعادة التشكل وحسم المعنى الثوري

المنطقة بين إعادة التشكل وحسم المعنى الثوري

الأربعاء  22 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

ما تشهده منطقتنا العربية والإسلامية ليست أحداثا متناثرة كي ترصد ببرود أكاديمي، بل أكاد أجزم أنها شظايا انفجار تاريخي يعيد صياغة المنطقة وبنية القوة، ويحطم أسطورة السيادة المستهلكة، ويضع الفعل والفاعل السياسي أمام اختبار وجودي صريح: إما أن نكتب تاريخنا بإرادتنا، أو ندار كخزانات موارد ومسارح لصفقات تعقد على موائد الشيطان الأكبر. فما يجري ليس تبدلا في خرائط النفوذ، بل معركة على حقنا في تقرير مصيرنا، ورفض أن نكون مجرد ظل لإمبراطوريات تعيد توزيع أدوارنا وفق حسابات الهيمنة. السؤال الوجودي اليوم هو: من يجرؤ على انتزاع المبادرة في عصر يريد البعض فيه أن يكون التاريخ مجرد ملف يدار من الخارج؟ لأن الصراع أصبح أوسع من الميدان العسكري، وأعمق من موازين التسليح. إنه صراع على تعريف الوجود نفسه: ماذا يعني الأمن حين يصادر من الخارج؟ ماذا يعني الاستقلال حين يقاس بدرجة الطاعة؟ وماذا يعني أن تكون دولة أو أمة أو جماعة قادرة على قول (لا) من داخل إرادتها، لا من داخل خوفها؟ الرهانات المقبلة لن تحسم بالعتاد وحده، بل بالقدرة على تحويل الحصار إلى مختبر للبناء، والتهديد إلى وعي جمعي، والاختناق إلى مشروع نهضوي، فالأمم لا تقاس بما تملك، بل بما تصنع منه من مناعة تاريخية.

التحالفات الكلاسيكية في المنطقة لم تعد اليوم خطوطا ثابتة على خريطة جيوسياسية قديمة، بل شبكات مائعة تنسج في ورشات مغلقة لتفكك عند أول اختبار ميداني. بعض الكيانات الوظيفية لا تزال تراهن على الحماية الخارجية، غير أن التاريخ لم يعرف يوما درعا مستوردا أوفى بمهامه، فالضمانات المستوردة ليست سوى قيود ذهبية تؤجل الانفجار وتربط الاستقرار بشروط تتبدل مع تبدل مصالح من يملك حق التصنيع. في المقابل، هناك قوى صاعدة اختارت أن تبني موقعها على الاستقلال النسبي، ورفضت أن تكون مجرد تابع في هندسة إقليمية يكتبها آخرون. هذه القوى قد لا تكون مثالية، لكنها تعبير عن نزعة حتمية في المنطقة: تحرر من الوصاية، وإعادة تعريف المصالح على أساس الذات لا على أساس الإملاء. فالإصطفافات اليوم لم تعد تكتيكا يوميا، بل علامة على صراع رؤيتين: رؤية تريد الإقليم فضاء قابلا للإدارة، وأخرى تريد له أن يكون حقلا للفعل والمبادرة. ومن يراهن على الأولى يخسر التاريخ، ومن يصنع الثانية يراهن على البقاء.

في هذا المشهد، يبرز محور المقاومة، كتعبير سياسي وأخلاقي عن رفض مشاريع الهيمنة والإلغاء. فالمقاومة ليست ترفا ثوريا، بل رد وجودي على منطق يريد تحويل الشعوب إلى كائنات قابلة للمسح من الخرائط المعنوية والتاريخية، ويطمح لحصر الفعل في يد القوة المهيمنة، وجعل كل اعتراض ضجيجا وفوضى عابرة، وكل إصرار على الرفض حالة يائسة لا مستقبل لها. لكن المقاومة، حين تصمد، فلأنها تملك ما لا تستطيع الهيمنة استيعابه. الجماعة التي تتمسك بروايتها، بذاكرتها، بحقها في التسمية والتعريف، وبإرادتها في ألا تمحى، تمتلك قوة لا تقاس بالطن ولا بالميغاواط. فأخطر معارك هذا العصر ليست على الأرض فحسب، بل في العقول حيث يطرح الخضوع كعقلانية ويقدم الاستسلام كحكمة. المقاومة هنا فعل وعي قبل أن تكون فعل قتال، هي الرفض الجذري لأن تستبدل إرادة الشعوب بقرارات تصادر من بعيد.

إن طرح سؤال السيادة بصيغة حاسمة: هل يمكن لقوة إقليمية أن تكون مستقلة فعلا في عالم تهيمن عليه شبكات العقوبات الإمبريالية والضغط والابتزاز؟ الجواب العملي الذي قدمته بعض المسارات هو: نعم، لكن بثمن باهظ، وصبر ثوري، وقدرة على تحويل الزمن نفسه إلى رصيد تراكمي. القوة المستقلة لا تبنى في لحظة، بل تتشكل عبر معرفة متراكمة وبنية راسخة وإرادة لا تتراجع أمام الكلفة. الفعل المقاوم في منطقتنا ليس سياسة خارجية تقليدية، بل إصرار على امتلاك شروط المبادرة في عالم يريد توزيع الأدوار مسبقا.

إن رهانات الصراع المقبل لن تكون أحادية البعد، ولا عسكرية الطابع. الأولى: رهان الاستنزاف، حيث تسعى بعض القوى إلى إنهاك الخصم سياسيا واقتصاديا ونفسيا، لا إلى حسم سريع. الثانية: رهان التفكيك الداخلي، لأن أي مشروع مقاوم أو سيادي لا يهزم من الخارج فقط، بل من خلال ضرب تماسكه الداخلي وزرع الشك وإعادة إنتاج الإنقسامات تحت عناوين الإصلاح أو الواقعية. الثالثة: رهان الشرعية، أي من يمتلك القدرة على إقناع الناس بأن مشروعه لا يقوم على القوة فحسب، بل على معنى قابل للحياة وعقد اجتماعي لا يصادر بانقلاب مأجور. ولا يمكن فصل هذه الرهانات عن التحولات الدولية الكبرى. كل تصعيد إقليمي بات مرتبطا بإعادة توزيع النفوذ عالميا، وبانهيار تدريجي لنظام دولي أحادي القطب وبروز عالم متعدد المراكز وأكثر سيولة وأكثر تنافسا. في هذه المرحلة، قد تبدو المنطقة مسرحا للمناورات، لكنها ليست مسرحا سلبيا، فحين تمتلك أدوات الفعل والممانعة، تتحول من (ساحة) إلى فاعل، ومن موضوع إلى ذات تاريخية.

إن ما يجعل الصراع وجوديا هو أن بعض أطرافه لا تسعى فقط إلى الإنتصار على الخصم، بل إلى محوه رمزيا وتاريخيا، وهذا هو جوهر الخطر: أن يتحول الصراع من تنازع على المصالح إلى محاولة لإعدام الذاكرة وتجريد الخصم من شرعية وجوده، وإعادة كتابة المشهد بحيث يبدو الفعل المقاوم مجرد خطأ عابر في مسار التاريخ. هنا تصبح المقاومة في أعمق دلالاتها، فعل إبقاء لا فعل هجومي، أي إبقاء الذاكرة حية وإبقاء الباب مفتوحا وإبقاء الشعوب قادرة على أن ترى نفسها خارج صورة الهزيمة المفروضة. فقيمة محور المقاومة في القراءة السياسية الرصينة، لا تكمن في موقعه من موازين القوى فحسب، بل في كونه يعترض على المنطق الذي يريد اختزال المنطقة في قابلية دائمة للإخضاع. هو يطرح بوسائل مختلفة سؤالا مزعجا للهيمنة: ماذا لو لم تنجحوا في جعل الجميع ينسجم مع صورتكم للعالم؟ ماذا لو بقيت هناك قوى ترفض أن تكون نسخة معدلة من إرادتكم؟ هذا السؤال وحده كاف ليفضح هشاشة مشاريع الإلغاء، لأن الهيمنة لا تخشى القوة فحسب، بل تخشى بقاء بديل معنوي لها يرفض أن يكون هامشا.

اليوم تقف المنطقة عند تخوم إعادة التشكل، حيث تتجاور مخاوف الإنهيار مع احتمالات الولادة الجديدة، فالتحالفات القائمة مهما بدت صلبة، ليست إلا مراحل مؤقتة في مسار أطول من الصراع على السيادة والمعنى. أما المقاومة في دلالتها السياسية والأخلاقية، فهي الإسم الذي يطلق على إرادة البقاء خارج منظومة الإستكبار، وعلى حق الشعوب أن تظل حاضرة في التاريخ لا هامشا عليه. وبين مشاريع الهيمنة ومشاريع الرفض، ستبقى الكلمة الأخيرة لمن يملك القدرة على الصبر والبناء وحفظ التعريفات. التاريخ لا يحسمه من يرفع الصوت الأعلى ويغرد أكثر ولا من يملك السلاح الأحدث، بل من يجعل صوته قابلا للإستمرار وسلاحه خادما لإرادته، وذاكرته درعا ضد النسيان. ما يجري في المنطقة ليس صراعا على النفوذ فحسب، بل معركة على حق الوجود نفسه، في أن تكون وأن تقاوم وأن ترفض المحو والشطب. ومن يختار أن يكتب التاريخ بقلم غيره، لا يستحق أن يذكر أويكون فيه.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً