الثلاثاء 26 . 05 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف*
جاء في موقع أحباب الحسين عليه السلام عن الحجّ في نصوص أهل البيت: من الفريضة إلى النظام الإلهي: الحجّ في نصوص أهل البيت: من الفريضة إلى النظام الإلهي: إنّ أول ما يلفت النظر في نصوص أهل البيت عليهم السلام حول الحج، هو نقل هذه الفريضة من مستوى “الواجب الفردي” إلى مستوى “النظام الإلهي الحافظ للدين” وهذا ما يظهر بوضوح في قول أمير المؤمنين عليه السلام (الله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرك لم تُناظروا). إن هذا النص لا يتحدث عن فرد يترك الحج، بل عن الأمة حين تترك الحج، وكأن الإمام عليه السلام يريد أن يقرر حقيقة خطيرة، وهي أن بقاء الحج ليس مجرد أداء عبادي، بل هو شرط في بقاء الأمة في دائرة العناية الإلهية، فقوله: (لم تُناظروا) يفيد أن ترك هذه الشعيرة يؤدي إلى سلب الحماية الإلهية، وهو ما يكشف أن الحج يمثل مركز الثقل في النظام الديني. ومن هنا نفهم أن الحج ليس مجرد عبادة موسمية، بل هو صمام أمان حضاري، يربط الأمة بمصدرها التوحيدي، ويجدد ولاءها لله تعالى في كل عام وروي عن الإمام علي عليه السلام: (وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام يردونه ورد الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، وإختار من خلقه سماعا اجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عنده موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علما، وللعائذين حرما، فرض حقه وأوجب حجه، وكتب عليكم وفادته، فقال سبحانه: (وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فأن اللَّه غني عن العالمين).
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” ﴿آل عمران 97﴾ ومعناه: ولله على من استطاع إلى حج البيت سبيلا من الناس، حج البيت أي: من وجد إليه طريقا بنفسه وماله. واختلف في الاستطاعة فقيل: هي الزاد والرحلة، عن ابن عباس وابن عمر. وقيل: ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن، عن الحسن، ومعناه القدرة على الوصول إليه، والمروي عن أئمتنا أمه وجود الزاد والراحلة، ونفقة من يلزمه نفقته، والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة، مع الصحة في النفس، وتخلية السرب من الموانع، وإمكان السير “وَمَنْ كَفَرَ” ﴿آل عمران 97﴾ معناه: ومن جحد فرض الحج، ولم يره واجبا، عن ابن عباس والحسن. “فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها، وإنما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم. وقيل: إن المعني به اليهود، فإنه لما نزل قوله “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ” قالوا: نحن مسلمون، فأمروا بالحج فلم يحجوا، وعلى هذا يكون معنى “مَنْ كَفَرَ”: من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر. و”اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”. وقيل: المراد به كفران النعمة، لأن امتثال أمر الله شكر لنعمته. وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي صلَّ الله عليه وآله وسلم أنه قال: ” من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا “. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلَّ الله عليه وآله وسلم ” الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد “. وفي هذه الآية دلالة على فساد قول من قال: إن الاستطاعة مع الفعل، لأن الله أوجب الحج على المستطيع، ولم يوجب على غير المستطيع، وذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج. النظم: وجه اتصال الآية بما قبلها أن الله تعالى أمر أهل الكتاب باتباع ملة إبراهيم، ومن ملته تعظيم بيت الله الحرام، فذكر تعالى البيت وفضله وحرمته، وما يتعلق به في قوله “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ”.
جاء في موقع معارف الحج عن الحج في نهج البلاغة: عن عليّ عليه السلام أنّه قال – في خطبة له: – وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَْنَامِ يَرْدُونَهُ وُرُودَ الاَْنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلوه الْحَمَامِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتُواضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الاَْرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَ مَوْعِدِ مَغْفَرِتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى لِلاِْسْلاَمِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ. خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوم الفطر فقال:”الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ ” إلى أن قال: “وَأَطِيعُوا اللهَ فِيما فَرَضَ عَلَيْكُمْ وَأَمَرَكُمْ بِهِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانِ، وَالاَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ”.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا” (إبراهيم 35)، وقوله: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا” (البقرة 126)، حيث سأل الأمن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس سوقا قلبيا إلى تسليم ذلك وقبوله زمانا بعد زمان. قوله تعالى: “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” ﴿آل عمران 97﴾، الحج بالكسر وقرىء بالفتح هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بينه الشرع، وقوله: “سَبِيلًا” تمييز من قوله: “اسْتَطاعَ” ﴿آل عمران 97﴾. والآية تتضمن تشريع الحج إمضاء لما شرع لإبراهيم عليه السلام كما يدل عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” (الحج 27)، ومن هنا يظهر أن وزان قوله: “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ” ﴿آل عمران 97﴾ “الخ” وزان قوله تعالى: “وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” ﴿آل عمران 97﴾ في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الإمضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى. قوله تعالى: “ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾، الكفر هاهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك. والكلام من قبيل وضع المسبب أو الأثر مقام السبب أو المنشأ كما أن قوله: “فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ” “الخ” من قبيل وضع العلة موضع المعلول، والتقدير: ومن ترك الحج فلا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين.
من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: أللَّهُمْ فَلا تُحْلِلْ بي غَضَبَكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَضِبْتَ عَلَيَّ فَلا أُبالي، سُبْحانَكَ، غَيْرَ أَنَّ عافِيَتَكَ أَوْسَعُ لي، فَأَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي أَشْرَقَتْ لَهُ الأَرْضُ وَالسَّماواتُ، وَانكَشَفَتْ بِهِ الظُّلُماتُ، وَصَلُحَ عليهْ أَمْرُ الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ، أَنْ لا تُميتَني عَلى غَضَبِكَ، وَلا تُنْزِلْ بي سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبى حَتّى تَرْضى قَبْلَ ذلِك، لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرامِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرامِ، وَالْبَيْتِ الْعَتيقِ الَّذي أَحْلَلْتَهُ الْبَرَكَةَ، وَجَعَلْتَهُ لِلنّاسِ أَمْنَةً. يا مَنْ عَفا عَنْ العَظيمِ من الذُّنُوبِ بِحِلْمِهِ، يا مَنْ أَسْبَغَ النَّعْماءَ بِفَضْلِهِ، يا مَنْ أَعْطَى الْجَزيلَ بِكَرَمِهِ، يا عُدَّتي في شِدَّتي، يا صاحِبي في وَحْدَتي، يا غِياثي في كُرْبَتي، يا مُؤْنِسِي فِي حُفْرَتِي، يا وَلِيّي في نِعْمَتي، يا إِلهي وَإِلَهَ آبائي إِبْراهيمَ وَإِسْماعيلَ وَإسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَرَبَّ جَبْرَئيلَ وَميكائيلَ وَإِسْرافيلَ، وَربَّ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّيينَ وَآلِهِ الْمُنْتَجَبينَ، مُنْزِلَ التَّوراةِ، وَالإِنْجيلِ، وَالزَّبُورِ، وَالْقُرآنِ العظيم، وَمُنْزِلَ كهيعص، وَطَهَ وَيَس، وَالْقُرآنِ الْحَكيمِ، أَنْتَ كَهْفي حينَ تُعيينِي الْمَذاهِبُ في سَعَتِها، وَتَضيقُ بِيَ الأَرْضُ بِرُحْبِها، وَلَوْلا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ، وَأَنْتَ مُؤَيِّدي بِالنَّصْرِ عَلى أَعْدائي، وَلَوْلا نَصْرُكَ إِيّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَغْلُوبينَ.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ على أن ثمّة أمراً آخر ينبغي الإنتباه إليه وهو: أن الآية المبحوثة هنا تصرح بأن الكعبة هي أول بيت وضع للناس، ومن المعلوم أنه وضع لغرض العبادة فهو أول بيت وضع للعبادة إذن، وهو أمر لايمنع من أن يكون قد شيدت في الأرض قبل الكعبة بيوت للسكن. وهذا التعبير رد واضح على كلّ أولئك (أمثال رشيد رضا موالف المنار.) الذين يدعون أن النبي إبراهيم عليه السلام هو أول من أسس الكعبة المشرفة، ويعتبرون بناءها على يدي آدم عليه السلام من قبيل الأساطير، في حين أن من المسلم وجود بيوت للعبادة في العالم قبل إبراهيم عليه السلام كان يتعبد فيها من سبقه من الأنبياء مثل نوح عليه السلام فكيف تكون الكعبة التي هي أول بيت وضع للعبادة في العالم قد أسست على يدي إبراهيم عليه السلام؟ وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” (البقرة 126). الاستطاعة نوعان: عقلية، وهي مجرد إمكان الوصول إلى مكة، وهذه ليست بشرط. وشرعية، وهي القدرة الصحية والمالية، والأمن على النفس والمال، والرجوع إلى كفاءة، فإذا تم ذلك كان الحج حتما وفرضا.. والتفصيل في كتب الفقه. “ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾. المراد بالكفر هنا الجحود إذا أرجعناه إلى كون الكعبة هي أول بيت وضع للناس، أو إلى عدم الاعتقاد بوجوب الحج، ويكون المراد بالكفر الفسق إذا أرجعناه إلى ترك الحج تهاونا.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل