الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / الرواية الهوليوودية الأمريكية لإنقاذ طيارها في إيران

الرواية الهوليوودية الأمريكية لإنقاذ طيارها في إيران

الثلاثاء 15 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

تحاول واشنطن تقديم عملية إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته في إيران باعتبارها مشهداً من مشاهد القوة والانتصار، في وقت تطرح فيه نتائج الحرب وتكاليفها تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة.

وكالة مهر للأنباء: بدأ دونالد ترامب الحرب على إيران انطلاقاً من اعتقاد بأن التفوق العسكري والجوي والتكنولوجي الأمريكي قادر على حسم الحرب لمصلحة واشنطن خلال فترة قصيرة. لكن بعد نحو سبعة أشهر على اندلاع الحرب، يبدو أن ما يشغل الإدارة الأمريكية سياسياً وإعلامياً أكثر من أي وقت مضى هو البحث عن رواية قابلة للتسويق عن «النصر»، وهي رواية لم يتمكن ميدان الحرب، على ما يبدو، من تقديمها للبيت الأبيض.

وكان أحدث نتاج لهذه المحاولة فيلم وتقرير مفصل عن عملية إنقاذ طيار أمريكي داخل الأراضي الإيرانية؛ رواية مليئة بالمشاهد الدرامية للقوات الخاصة والطائرات العسكرية والطيار المصاب والجبال والعملية المعقدة التي انتهت بعودته إلى الولايات المتحدة.

وتبدو صياغة القصة سينمائية إلى حد كبير، بحيث يُطلب من المشاهد أن ينسى من أين بدأت الحكاية وأن يركز فقط على نهايتها: الطيار الأمريكي أُنقذ وعاد إلى بلاده.

لكن المشكلة تكمن تحديداً هنا؛ فالقصة لم تبدأ بإنقاذ الطيار، وإنما بدأت بإسقاط مقاتلة أمريكية داخل الأراضي الإيرانية.

وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب بهدف استخدام قوتها العسكرية والتكنولوجية لإجبار إيران على قبول مطالب واشنطن وتحقيق نصر سريع وحاسم. أما الآن، فإن إحدى أبرز الروايات الإعلامية المقدمة إلى الرأي العام الأمريكي لا تتحدث عن تحقيق الأهداف السياسية للحرب، أو تغيير سلوك إيران، أو إنجازات واشنطن الاستراتيجية، بل عن إنقاذ طيار أُسقطت مقاتلته خلال الحرب نفسها.

وبعبارة أخرى، تُبعد الكاميرا نقطة بداية القصة عن المشهد، وتضع نهايتها مكان القصة بأكملها.

حتى رواية الإنقاذ نفسها لا تخلو من علامات استفهام. فقد تحدثت تقارير منشورة عن إصابات خطيرة تعرض لها الطيار في منطقة الظهر واليد والكتف، في حين تروي الرواية ذاتها أنه تمكن بعد سقوطه من الوصول إلى خط جبلي على ارتفاع نحو 7 آلاف قدم، أي أكثر من ألفي متر فوق سطح البحر.

وهذان الجزءان من الرواية لا يبدوان قابلين للانسجام بسهولة، على الأقل من دون تقديم توضيحات طبية وعملياتية دقيقة. وهو ما يثير تساؤلاً حول ما إذا كانت الرواية المقدمة للرأي العام الأمريكي تمثل صورة كاملة ودقيقة لما حدث في الميدان، أم أنها رواية جرى إخراجها بطريقة بطولية لإنتاج صورة محددة.

وبطبيعة الحال، لا يمكن إنكار تعقيد عملية الإنقاذ. لكن هناك مسافة كبيرة بين «نجاح عملية» و«الانتصار في حرب». وتبدأ المشكلة في الرواية الإعلامية الأمريكية عندما يوضع المفهومان جنباً إلى جنب، ويُقدَّم إنقاذ طيار باعتباره رمزاً للتفوق الأمريكي الشامل في الحرب.

والسؤال المهم هنا هو: لماذا جرى إبراز عملية إنقاذ طيار واحد بهذا الحجم في هذا التوقيت؟

الحسابات السياسية وراء الرواية

يمكن البحث عن جزء كبير من الإجابة في الأجواء السياسية داخل الولايات المتحدة. فإدارة ترامب تحتاج إلى رواية عن النصر، لأن الحرب التي كان يفترض أن تكون استعراضاً للقوة الأمريكية لم تحظَ بتأييد واسع في الرأي العام الأمريكي.

وفي استطلاع لجامعة كوينيبياك، قال 60 بالمئة من الأمريكيين إن العمل العسكري ضد إيران لم يكن يستحق التكلفة التي دفعتها الولايات المتحدة، مقابل 34 بالمئة خالفوا هذا الرأي. والأهم أن 45 بالمئة رأوا أن الولايات المتحدة أصبحت أضعف في العالم نتيجة هذه الحرب، مقابل 33 بالمئة اعتقدوا أنها أصبحت أقوى.

كما قدم استطلاع أجرته «سي بي إس» و«يوغوف» صورة مشابهة، إذ قال 69 بالمئة من الأمريكيين إن الحرب لم تكن تستحق تكاليفها، فيما رأى 57 بالمئة أنها خلقت مشكلات أكثر مما حلت.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية كبيرة بالنسبة إلى إدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. فالرئيس الأمريكي يحتاج إلى الحفاظ على دعمه السياسي، وهو ما يتطلب تقديم الحرب لا باعتبارها مغامرة مكلفة وغير محسومة، بل باعتبارها عملية ناجحة وضرورية.

وفي مثل هذه الظروف، تبدو قصة طيار مصاب نجا بعد سقوطه في الأراضي الإيرانية أكثر جاذبية إعلامياً من تقديم حصيلة واقعية للأهداف التي حققتها الولايات المتحدة في الحرب.

وتزداد أهمية القضية عند النظر إلى تقرير حصري لشبكة «سي إن إن» بشأن كواليس مشاركة طاقم طائرة «إف-15» في برنامج «60 دقيقة». ووفقاً للتقرير، تابع مكتب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بشكل حثيث مشاركة أفراد الطاقم في البرنامج، فيما أثيرت داخل المؤسسة العسكرية مخاوف بشأن توظيف الرواية سياسياً واحتمال كشف معلومات حساسة عن العملية.

وفي النهاية، رفض أحد أفراد الطاقم المشاركة في البرنامج، بينما وافق الآخر على إجراء المقابلة. ونفى البنتاغون هذا الطرح، مؤكداً أن مشاركة العسكريين كانت طوعية.

إذا وضعنا هذا التقرير إلى جانب المشهد السياسي الأمريكي، فإن الصورة تبدو مختلفة. فنحن لم نعد أمام تقرير تلفزيوني بسيط عن قصة جندي، وإنما أمام رواية يمكن أن تؤدي وظيفة سياسية وإعلامية أيضاً.

المقاتلة التي أُسقطت تتراجع إلى الخلفية، والطيار المصاب يتحول إلى بطل، وعملية الإنقاذ تصبح استعراضاً للقوة، وفي النهاية يجد المشاهد نفسه أمام سؤال: «كيف أنقذت أمريكا بطلها؟»، بدلاً من السؤال الأساسي: «لماذا أُسقطت المقاتلة الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية؟».

وهذا التحول في نقطة التركيز يمثل بحد ذاته جزءاً مهماً من صناعة الرواية.

فالحكومة المنتصرة تتحدث عادة عن الأهداف التي حققتها، والتنازلات التي انتزعتها من الطرف الآخر، والتغيير الذي أحدثته في موازين القوى. لكن عندما تختصر رواية الانتصار في القول إن «بلادنا لم تترك جنديها وأنقذته من أراضي العدو»، يصبح من الضروري التساؤل عن سبب تقلص تعريف الانتصار إلى هذا الحد.

وهنا تتحول «النجاح العملياتي» إلى أداة لصناعة «إنجاز سياسي».

يمكن لواشنطن أن تتحدث بفخر عن قدرة قواتها الخاصة على إنقاذ طيار؛ فهذا حق طبيعي لأي جيش. لكن هذه العملية لا تستطيع الإجابة عن السؤال الأكبر: ما الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته الولايات المتحدة من الحرب على إيران؟

هل أُجبرت إيران على قبول المطالب الأساسية لواشنطن؟ وهل تغير ميزان القوى الإقليمي بشكل مستدام لمصلحة الولايات المتحدة؟ وهل أصبحت تكاليف الحرب قابلة للتبرير أمام الرأي العام الأمريكي؟

إذا لم تكن الإجابات عن هذه الأسئلة واضحة، فإن الصور الدرامية لإنقاذ الطيار، مهما كانت مؤثرة، لن تتمكن من ملء فراغ النصر الاستراتيجي.

صورة النصر لا تعني النصر

المشكلة بالنسبة إلى إدارة ترامب لا تقتصر على خصومها السياسيين، إذ إن شعبية الرئيس نفسه تعرضت لضغوط. وأظهر استطلاع لرويترز وإبسوس في أغسطس أن نسبة الرضا عن أداء ترامب بلغت 33 بالمئة فقط، وهي أدنى نسبة خلال رئاسته حتى ذلك الوقت.

كما أعرب قطاع كبير من الأمريكيين عن قلقه من استمرار الحرب مع إيران. وفي مثل هذه الظروف، تكتسب صناعة صور النصر أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية.

فالكاميرا تستطيع إبراز شيء قد لا يكون ميدان الحرب قادراً وحده على إنتاجه: الشعور بالانتصار.

لكن المشكلة أن الرأي العام الأمريكي لا يرى الصور التلفزيونية وحدها. فتداعيات الحرب تظهر في حياة الناس، والأسعار، والمخاوف بشأن المستقبل، وسقوط العسكريين وإصابتهم، وقبل كل ذلك في السؤال البسيط الذي تكرر في استطلاعات الرأي: هل كانت هذه الحرب تستحق كل ذلك؟

وحتى الآن، جاءت إجابة قطاع كبير من المجتمع الأمريكي بالنفي.

ولهذا يمكن النظر إلى فيلم عملية إنقاذ الطيار الأمريكي باعتباره أكثر من مجرد تقرير تلفزيوني؛ فهو جزء من محاولة لإعادة تعريف معنى النجاح في الحرب.

فعندما لا يتحقق نصر استراتيجي، أو لا يكون هذا النصر مرئياً للرأي العام، يمكن لعملية إنقاذ أن تتحول إلى رمز للنصر. وعندما لا تكون إنجازات الميدان كافية للعرض، تحل الصورة محل الواقع، وتحاول الكاميرا القيام بما لم يتمكن ميدان الحرب من فعله: إبعاد الهزيمة عن مركز الصورة ووضع البطل مكانها.

تغيير إطار الصورة لا يغير الواقع

المقاتلة التي أُسقطت لا تزال قد أُسقطت. والحرب التي لها تكاليف سياسية واقتصادية لا تزال تحمل تلك التكاليف، والانطباعات التي تشكلت حول نتائج الحرب لا يمكن محوها بفيلم يستغرق بضع دقائق.

وربما لهذا السبب تبحث واشنطن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عن صناعة صورة للنصر بدلاً من تقديم سجل واضح للانتصار.

فـ«هوليوود» تستطيع تحويل سقوط مقاتلة إلى قصة بطولية، وإصابة طيار إلى مشهد ملحمي، ووضع عملية الإنقاذ في مركز الصورة؛ لكنها لا تستطيع تغيير نتيجة الحرب.

وإذا كانت أكبر صورة للنصر الأمريكي في الحرب على إيران هي إنقاذ طيار أُسقطت طائرته داخل الأراضي الإيرانية، فإن هذه الصورة نفسها تضع سؤالاً كبيراً أمام الرأي العام الأمريكي:

إذا كان هذا هو «النصر الكبير»، فأين الإنجازات الحقيقية للحرب؟

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً