الرئيسية / دراسات ادبية وعلمية / قراءة نقدية لدراسة دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي

قراءة نقدية لدراسة دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي

الأربعاء 04. 11 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

سهيل الزهاوي*

تُسهم دراسة الدكتور رسول بلاوي «دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي» في الكشف عن حضور اللون في تجربة الشاعر، وتوفر مادة من الشواهد تتيح تتبع صلته بالعاطفة والذاكرة والموقف الوطني والسياسي. وتنبع قيمتها من الجمع بين تصنيف الاستعمالات اللونية وتفسير عدد منها، مع تأكيد أن السياق يحدد دلالة اللون ووظيفته في الصورة الشعرية.

ويقتضي تقويم هذه الدراسة الاعتراف بما أنجزته، وتحديد المواضع التي تحتاج إلى مزيد من البيان. كما ينبغي التمييز بين الاعتراض الذي يكشف مشكلة في الاستدلال، والقراءة الإضافية التي توسع معنى الشاهد من دون أن تُبطل بالضرورة تفسير الباحث. وتنطلق الملاحظات الآتية من هذا التمييز، في حدود النص المنشور في مجلة الجسر الثقافي.

السياق والقيمة الفنية للون

تُظهر الدراسة وعيًا بتغيّر الدلالة اللونية، وتضم وقفات بلاغية تتناول احتمالَي معنى الإسراج عند اقترانه بالخضرة، والمفارقة في قلب دلالات البياض والسواد. غير أن عمق المعالجة يتفاوت بين الشواهد؛ فبعضها يحظى بتحليل يتابع تشكّل الدلالة، بينما يقتصر التعليق على بعضها الآخر على تعيين معناها. ومن هنا تتجه المناقشة إلى مدى انتظام التحليل وتفصيل وظائف اللون، مع الإقرار بما أثبتته الدراسة من قيم فنية ورمزية.

ومن أبرز الأفكار النقدية التي تطرحها الدراسة إدراكها أن اللون عند السماوي لا يحتفظ بقيمة رمزية ثابتة، بل تتغيّر دلالته تبعًا للسياق الشعري. وتتيح الشواهد التي جمعتها تعميق هذه الفكرة بالانتقال من رصد تعدد الدلالات إلى تحليل كيفية تشكّل العلامة اللونية وانقلاب قيمتها من خلال علاقتها بعناصر الصورة وألوانها الأخرى؛ فسواد العباءة ليس سواد الطعنة، وبياض الوطن ليس بياض الكفن أو البيت الأبيض، على الرغم من وحدة المفردة اللونية. وتكشف هذه المقارنة عن دور العلاقات داخل النص في إنتاج المعنى.

المفارقة وتعدد مصادر القيمة الرمزية

من المواضع التي تتلاقى فيها هذه القراءة مع الدراسة تنبه الباحث إلى قلب الدلالات اللونية، مستفيدًا من قراءات نقدية سابقة. ويتضح ذلك في شاهدي السماوي:

ثمة بياض
أكثر عتمة من قعر بئر
في ليلٍ
يتيم القمر والنجوم
بياض الكفن والبيت الأبيض مثلًا

ويقابله قوله:

ثمة سواد
أكثر بياضًا من مرايا الصباح
الحجر الأسود
وشاماتك مثلًا…

يشير الباحث في تعليقه إلى الدلالات المتغيرة، ويذكر الجمال والطهر والقدسية عند الحديث عن السواد. ولذلك فإن وصف هذا السواد بالإيجابية ووصفه بالقداسة متوافقان؛ فالإيجابية حكم عام على قيمته في السياق، بينما تحدد القداسة مصدر تلك القيمة في الحجر الأسود، ويتصل سواد الشامات بالمجال الجمالي. وهذا وجه من وجوه الاتفاق مع الدراسة ينبغي إثباته بوضوح.

ويمكن توسيع التحليل بتتبع تناظر البناء بين المقطعين؛ إذ يتكرر الاستهلال بـ«ثمة»، وترد صيغة التفضيل «أكثر»، ثم تأتي الأمثلة. ويسهم هذا التناظر في جعل كل مقطع يعيد توجيه قراءة الآخر، مع بقاء الدلالات المألوفة حاضرة في ذهن القارئ لحظة مخالفتها.

وتختلف مصادر العتمة والبياض الرمزيين؛ فالكفن يستدعي الفقد والفناء، والبيت الأبيض يستدعي نقد السلطة السياسية، فيما يحيل الحجر الأسود إلى القداسة، وتحيل الشامات إلى الجمال. ويفيد تحليل هذه العلاقات في تفسير الكيفية التي تجمع بها الصورة قيمًا متباينة المصادر. وتُعد هذه المعالجة امتدادًا لما تنبهت إليه الدراسة في مناقشتها للمفارقة.

العلاقات اللونية داخل الصورة

يوفر قول السماوي:

فكيف إذن تُسمّى «المنطقة الخضراء»
تلك الطعنة السوداء
في جسد الوطن الأبيض؟

مثالًا على إمكان استثمار الشاهد في تحليل العلاقات بين الألوان. فقد ربط الباحث سواد الطعنة بقيمة سلبية في السياق السياسي، وهو تفسير ينسجم مع صورة الجرح والعدوان. ويمكن استكماله بالنظر إلى تفاعل هذه القيمة مع التسمية المكانية وصورة الوطن.

فالخضرة تدخل ضمن اسم سياسي مكاني، مع إمكان استدعائها إيحاءات الحياة والنماء. ثم تنشأ المفارقة بين هذه التسمية وتصوير المكان طعنةً في جسد الوطن. ويسهم الاستفهام في مساءلة التسمية، كما تحول الاستعارة الوطن إلى جسد قابل للجرح. وتتولد فاعلية الصورة من اجتماع هذه العناصر، بما فيها التقابل بين السواد والبياض.

ويظل تقسيم الدراسة بحسب الألوان اختيارًا تنظيميًا مناسبًا لغرض الحصر والتصنيف. ويمكن دعمه بمعالجة مشتركة للشواهد التي تتداخل فيها ألوان متعددة، بما يحفظ العلاقات بين عناصر الصورة ويتيح الإفادة من التصنيف في تفسير بنائها.

عباءة الأم بين الذاكرة الشخصية والدلالة الوطنية

يتناول الباحث قول السماوي:

عباءتها الشديدة السواد
وحدها اللائقة
عَلَمًا لبلادي

ويضعه ضمن الدلالات الإيجابية للسواد، ثم يربطه بظلام الديكتاتورية والاحتلال. ويكشف هذا التفسير اهتمامًا بالبعد الوطني للصورة، ويظل ربط السواد بالمأساة العامة احتمالًا تأويليًا مفهومًا. أما المقارنة بين سواد نهارات العراق وسواد العباءة، التي اقترحها بصيغة «وكأنّ»، فتحتاج إلى تمييزها من الدلالة التي يصرح بها هذا المقطع؛ إذ يقوم بناؤه على أهلية العباءة لتمثيل البلاد، من دون إيراد مقارنة مباشرة بين درجتين من السواد.

ويمكن توسيع القراءة انطلاقًا من صلة العباءة بالأم، بما تستدعيه من ذاكرة وانتماء، ومن كلمة «وحدها» التي تحصر فيها أهلية تمثيل البلاد. وحين تصبح عباءة الأم عَلَمًا، تتجاوز خصوصيتها العائلية إلى الدلالة الوطنية؛ إذ تتماهى صورة الأم، في هذه القراءة، مع الوطن، وتحضر بوصفها سندًا للمناضلين وشريكةً في تحمّل الفقد ومواصلة الصمود. ومن هذا الأفق، تستحضر العباءة أمهات الضحايا والمناضلين، ويغدو سوادها ملتقى الحداد والكرامة والوفاء، فتتسع دلالته إلى ما يتجاوز الإحالة إلى ظلام الواقع السياسي.

وتستند هذه القراءة إلى انتقال الرمز من المجال الشخصي إلى المجال الوطني، مع بقائها احتمالًا تأويليًا يمكن تعزيزه بفحص سياق القصيدة كاملًا. كما قد يوحي الحصر في «وحدها» باحتجاج على رموز عامة، لكن تحديد تلك الرموز يحتاج إلى قرائن إضافية. وبذلك تتسع دلالة الصورة من دون الجزم بأن هذه القراءة تستنفد معانيها أو تعبّر عن مقصد الشاعر الوحيد.

إجراءات الحصر وحدود الاستنتاج

تعلن الدراسة اعتماد الإحصاء، وترتب الألوان بحسب قوة حضورها، لكن النص المنشور لا يعرض أعداد التكرار، ولا يحدد بدقة حدود المتن ووحدة العد. ويحول ذلك دون التحقق من الترتيب اعتمادًا على المادة المعروضة، من غير أن يثبت عدم إجراء الإحصاء أو خطأ نتائجه. والمطلوب هنا إظهار الإجراء الذي تستند إليه النتيجة.

ومن المفيد أيضًا توضيح معيار إدراج الإيحاء اللوني إلى جانب اللفظ الصريح. فاحتساب الدم والنار ضمن حضور الأحمر اختيار ممكن، على أن يبيَّن متى يُفعّل السياق البعد اللوني فيهما، وكيف تُطبق القاعدة على سائر الألوان. ويساعد الفصل الإجرائي بين اللفظ اللوني والإشارة إلى اللون على جعل المقارنة أوضح.

كذلك تستفيد النتائج من التمييز بين كثرة الورود والأهمية الفنية؛ فقد يؤدي لون قليل التكرار دورًا مركزيًا في بناء قصيدة. ويكتسب الحصر قيمته التفسيرية حين يرتبط بموقع اللون ووظيفته وعلاقاته داخل النصوص.

تأويلات تستحق مزيدًا من البيان

تتيح بعض الشواهد مناقشة صلة التصنيف الدلالي بالسياق. ففي عبارة «لسنا هنودًا حمرًا / فلماذا يريدون إبادتنا؟»، يرد الأحمر ضمن تسمية تاريخية متداولة، ويستدعي المقطع تجربة الإبادة والخوف من تكرارها. وقد تتصل قراءة الحقد والثأر بالموقف الذي يصوره الشاهد، لكنها تحتاج إلى تعليل يوضح إسناد هذه الدلالة إلى المكون اللوني نفسه.

وعند وصف القماش الأسود في مستلزمات مجلس العزاء بأنه لون طبيعي خالٍ من الدلالة، يمكن فهم مقصد الباحث على أنه تمييز للاستعمال الحسي من الاستعمال المجازي. ومع ذلك، يحمل اللون هنا وظيفة اجتماعية وطقسية يمنحها له سياق العزاء. ولذلك يفيد التفريق بين واقعية اللون ورمزيه الثقافية والإضافة الفنية التي يصنعها النص؛ إذ قد تتداخل هذه المستويات في الشاهد نفسه.

أما حصر الأزرق في الدلالات الإيجابية، فيحتاج إلى بيان حدود المتن الذي يصدق عليه الحكم. ولا تكفي صورة «يخلع بحر الحب الثوب الأزرق» وحدها لنقضه؛ فقد يكون التحول سلبيًا لأنه يعني فقدان الصفاء، مع بقاء الزرقة رمزًا له. ومن ثم ينصب الاقتراح على تحليل فعل الخلع وعلاقته بالدلالة، وعلى ضبط مدى التعميم الذي تتيحه النصوص المدروسة.

التوثيق والدقة الاصطلاحية

تفيد المعلومات السيرية في إضاءة بعض الصور، لكن تحديد هوية المخاطَب أو الحبيبة، والاستناد إلى لون العينين وموقع المنزل، يحتاج إلى إظهار مصدر المعرفة الخارجية. وينطبق ذلك على التمييز بين المتكلم الشعري وشخص الشاعر؛ فتطابقهما يحتاج إلى قرائن مناسبة، وقد تساعد المعلومات الموثقة على بيان هذه الصلة.

كما تستدعي الإحالة إلى مرجع موضوعه شعر سعدي يوسف، عند ربط الأحمر بالتجربة الحزبية للسماوي، التحقق من مضمون الصفحة المشار إليها وبيان وجه الاستدلال بها. ولا يثبت عنوان الكتاب وحده خطأ الإحالة، كما لا يكفي لإثبات كفايتها لإسناد الحكم المتعلق بالسماوي.

ويفيد تدقيق بعض المصطلحات في زيادة وضوح الإطار النظري؛ فمطابقة وصف العشب للونه الطبيعي يمكن التعبير عنها بموافقة الوصف اللغوي لصفة مدركة في المرجع، بدلًا من القول بتطابق الدال والمدلول. كذلك قد يكتسب الوصف الموافق للواقع وظيفة شعرية من موقعه وعلاقاته داخل النص. وتظل هذه ملاحظة اصطلاحية محددة ينبغي تقديرها ضمن حدودها.

تقدير التجربة الشعرية

تكشف الشواهد الشعرية التي تناولتها الدراسة عن عناية يحيى السماوي باللون بوصفه عنصرًا فاعلًا في بناء الصورة والتعبير عن التجربة. فهو يمنح المفردة اللونية طاقة تتسع للحب والفقد والاحتجاج، ويعيد تشكيل دلالتها بحسب ما تتصل به من رموز وذكريات. وفي صور البياض والسواد تتجاور القداسة والجمال ومأساة الوطن، وتتسع صورة عباءة الأم لتصل الذاكرة الشخصية بالدلالة الوطنية. وتستحق هذه القدرة على وصل المحسوس بالوجداني التقدير؛ إذ تدعو القارئ إلى اكتشاف المعنى من خلال المفارقة والعلاقات بين الصور.

تقويم الدراسة وآفاق تطويرها

تكمن قيمة الدراسة في جمع الشواهد وتصنيفها وتفسير جوانب من عمل اللون فيها، وفي تأكيد أثر السياق والتنبه إلى المفارقة وتغير القيم الرمزية. وتعبّر خاتمتها عن وعي بهذا المنجز. وتتيح مادتها تطوير البحث من خلال توسيع تحليل العلاقات اللونية، وإظهار إجراءات الحصر بصورة أدق، وتوضيح بعض التأويلات والإحالات.

وتظل دراسة دلالات الألوان غاية بحثية مشروعة، فيما يوسع بحث شعرية اللون مجال النظر إلى كيفية إنتاج المعنى داخل القصيدة. ويقوم الاقتراح بهذا التوسع على ما فتحته الدراسة نفسها من مسارات، وعلى الوصف الأسلوبي الذي أعلنته. وبهذا تستند مناقشتها إلى الاعتراف بإسهامها، مع تحديد ما يمكن تعميقه أو مراجعته بأدلة واضحة، والحفاظ على تعدد التأويلات التي تسندها النصوص.

الدراسة موضوع القراءة

رسول بلاوي، «دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي»، مجلة الجسر الثقافي.

رابط الدراسة

الشواهد الشعرية الواردة في هذه القراءة منقولة عن الدراسة موضوع المناقشة.

 *كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً