الأثنين 01 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
بات مُسلّمًا به أنّ إسرائيل تتعمّد رفع منسوب التّصعيد قبيل كلّ جلسة مفاوضات، في محاولة لفرض وقائع ميدانيّة جديدة، والتفاوض بالنّار بدل الاكتفاء بالمسار السّياسيّ والدّبلوماسيّ.
وقبيل ساعات على انعقاد الجلسة الرّابعة للمفاوضات، برئاسة السّفير سيمون كرم، والمقرّر أن تستمرّ على مدى يومين، بدا المشهد مختلفًا هذه المرّة، بعدما تجاوز التّصعيد إطار الجنوب ليصل إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، التي كانت حتّى وقت قريب تُعدّ مشمولة بالهدنة المرتبطة بالتفاهمات الأميركيّة، الإيرانيّة.
ويأتي ذلك فيما يترقّب لبنان من الجولة الرّابعة التوصّل إلى التزام إسرائيليّ واضح بوقف إطلاق النّار، بعدما أخفقت الجلسات السّابقة في تحقيق هذا الهدف. غير أنّ المعطيات الميدانيّة والتّصعيد الإسرائيليّ لا يوحيان بإمكان بلوغ اتّفاق قريب، خصوصًا بعد فشل الاجتماع الأمنيّ الأخير بين الوفدَين اللّبنانيّ والإسرائيليّ، برعاية واشنطن، في التوصّل إلى أيّ تفاهم.
ضوء أخضر أميركيّ وقواعد اشتباك جديدة
رسمت إسرائيل اليوم قواعد اشتباك جديدة، في ظلّ ضوء أخضر أميركيّ تجلّى، بحسب المعطيات المتداولة، في البيان المشترك الصّادر عن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس. وقد انعكس ذلك ميدانيًّا منذ ساعات الصّباح الأولى، إذ فرغت الضّاحية الجنوبيّة ممّا تبقّى من سكّانها تحت وطأة التّهديدات والإنذارات الإسرائيليّة.
وأعلن نتنياهو وكاتس، في بيان مشترك، أنّهما أصدرا أوامر للجيش الإسرائيليّ باستهداف الضّاحية الجنوبيّة لبيروت. ونقلت القناة “14” الإسرائيليّة أنّ أوامر نتنياهو جاءت بالتّنسيق مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، مشيرة إلى أنّه “من المتوقّع أن يصدر الجيش الإسرائيليّ أوامر إخلاء في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت قريبًا”.
ولاحقًا، أعلن نتنياهو أنّه “عازمون على استعادة الأمن لسكّان الشّمال كما فعلنا مع سكّان الجنوب، ونواصل تكثيف عمليّاتنا في جنوب لبنان”، مؤكّدًا: “لن نسمح لحزب الله بمهاجمة مدننا ومواطنينا، وتبقى مقرّاته في الضّاحية ببيروت منطقة محظورة”.
وأضاف: “حزب الله في حالة تراجع وفرار، ومراكزه في بيروت لن تبقى خارج نطاق استهدافنا”.
كاتس يربط بيروت بالشّمال
بدوره، رفع كاتس منسوب التّهديد، قائلًا: “إذا لم يكن ثمّة هدوء في شمال إسرائيل، فلن يكون هدوء في بيروت”، في محاولة واضحة لتكريس معادلات جديدة، وربط أمن العاصمة اللّبنانيّة مباشرة بالتطوّرات الميدانيّة على الجبهة الشّماليّة.
وأضاف كاتس: “نحوّل منطقة اللّيطاني إلى منطقة خاضعة لسيطرة أمنيّة إسرائيليّة، خالية من السّلاح والمسلّحين”. كما اعتبر أنّ “ما ينطبق على ضاحية بيروت الجنوبيّة ينطبق على بلدات شمال إسرائيل”، مشيرًا إلى أنّ “الجيش الإسرائيليّ يواصل عمليّاته ضدّ حزب الله في لبنان”، ومؤكّدًا أنّه يحقّق “إنجازات كبيرة ويعمل على تدمير قدرات الحزب”.
بنك أهداف في الضّاحية
في موازاة ذلك، نقلت صحيفة “معاريف” العبريّة عن مصدر عسكريّ إسرائيليّ قوله إنّ “الجيش سينفّذ ضربات على أهداف في الضّاحية بمجرّد المصادقة عليها”، متحدّثًا عن تقديرات لدى الجيش الإسرائيليّ بأنّ قادة “حزب الله” يعملون من مقرّات في الضّاحية والبقاع.
وبحسب المصدر نفسه، فإنّ قادة الحزب ينقلون التّعليمات من الضّاحية والبقاع إلى مقرّات في صور وصيدا، تتولّى تنفيذ هجمات صاروخيّة ضدّ القوّات الإسرائيليّة والأراضي الإسرائيليّة.
وأوضح المصدر أنّ الجيش الإسرائيليّ يعمل حاليًّا على تحديد مجموعة واسعة من الأهداف، تمهيدًا لشنّ هجمات على الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، ردًّا على ما وصفه بـ”انتهاكات حزب الله لوقف إطلاق النّار”.
ثلاثة مراكز ثقل
وكشف المصدر العسكريّ لـ”معاريف” أنّ بنك الأهداف الذي يجري إعداده يتوزّع على ثلاثة مراكز ثقل رئيسيّة بالنسبة إلى “حزب الله”، تشمل أهدافًا بشريّة، وبنى تحتيّة للقيادة والسّيطرة، ومستودعات أسلحة وتكنولوجيا.
وتشمل الأهداف البشريّة، وفق المصدر، “سلسلة طويلة من كبار قادة ومسؤولي حزب الله”، وفي مقدّمهم الأمين العام للحزب نعيم قاسم.
أمّا البنية التحتيّة للقيادة والسّيطرة، فتشمل مقرّات قيادة الحزب وغرف الاتّصالات والتّحكّم، إذ يسعى الجيش الإسرائيليّ، من خلال استهدافها، إلى قطع سلسلة القيادة والسّيطرة داخل الحزب، بحسب الرّواية الإسرائيليّة.
وتشمل الفئة الثّالثة مستودعات الأسلحة والصّواريخ، إضافة إلى شقق سكنيّة يقول المصدر إنّ “حزب الله” يخبّئ فيها صواريخ مختلفة، فضلًا عن مستودعات الطّائرات المسيّرة والمختبرات والأنظمة التكنولوجيّة التي يستخدمها الحزب في عمليّاته العسكريّة.
وأشار المصدر إلى أنّه “ليس من الواضح بعد نطاق الموافقة التي منحتها المستويات السّياسيّة الإسرائيليّة للجيش”، موضحًا أنّ الخيارات المطروحة تتراوح بين هجمات محدودة ورمزيّة، وعمليّة عسكريّة واسعة تهدف إلى إلحاق ضرر كبير بمراكز ثقل “حزب الله” في لبنان.
أسئلة حول الهدنة والموقف الإيرانيّ
وخلف مشهد الإنذارات والتّهديدات، تبرز أسئلة مرتبطة بمصير الهدنة، التي يُنظر إليها على أنّها جزء من التفاهم الأوسع المرتبط بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران. كما تُطرح علامات استفهام حول الدور الإيرانيّ، خصوصًا أنّ طهران كانت قد تحدّثت سابقًا عن تحييد بيروت والضّاحية الجنوبيّة في إطار التفاهمات القائمة، ما يفتح الباب أمام التساؤل حول مصير هذه الضّمانات في المرحلة الرّاهنة.
وتطرح هذه المواقف والتّصريحات تساؤلات إضافيّة حول الموقف الإيرانيّ من العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وما إذا كانت طهران ستتدخّل في حال تعرّضت الضّاحية الجنوبيّة لقصف واسع. وتزامن ذلك مع تداول معلومات تفيد بأنّ الحرس الثّوريّ الإيرانيّ يدرس احتمالات الرّد في حال استهداف الضّاحية.
في السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنّ “وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة هو وقف إطلاق نار شامل على جميع الجبهات، بما فيها لبنان”، لافتاً إلى أنّ “انتهاكه على أي جبهة هو انتهاك لوقف إطلاق النار على جميع الجبهات”. وقال: “تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية عواقب أي انتهاك”.
وفي موازاة هذه التطوّرات، أكّد المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الإيرانيّة إسماعيل بقائي أنّ وقف إطلاق النّار في لبنان يشكّل جزءًا لا يتجزّأ من أيّ اتّفاق يهدف إلى إنهاء الحرب.
وقال بقائي، خلال مؤتمره الصّحافيّ الأسبوعيّ، إنّ المنطقة شهدت على مدى ثمانين عامًا حروبًا متواصلة بدعم أميركيّ، مشدّدًا على أنّ الجهاز الدّبلوماسيّ الإيرانيّ يتابع التطوّرات بدقّة، وأنّ طهران ستتّخذ أيّ إجراء ضروريّ للدّفاع عن سيادتها.
من جهته، قال رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف إنّ “الحصار البحريّ وتصعيد جرائم الحرب في لبنان دليل واضح على عدم امتثال الولايات المتّحدة لوقف إطلاق النّار”.
كذلك حذّرت القوّات المسلّحة الإيرانيّة إسرائيل من أنّ “استمرار الجرائم في لبنان لن يكون أمرًا نستطيع تحمّله”.
لبنان بين التفاوض والتّصعيد
وبينما يذهب لبنان إلى الجولة الرّابعة من المفاوضات بحثًا عن التزام إسرائيليّ بوقف إطلاق النّار، تدفع إسرائيل بالمشهد نحو مزيد من التوتّر، عبر نقل التّهديد من الجنوب إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، وتوسيع بنك الأهداف، ورفع سقف الخطاب السّياسيّ والعسكريّ.
وبذلك، يبدو أنّ المسار التفاوضيّ يدخل اختبارًا أكثر خطورة، حيث تحاول إسرائيل تحسين شروطها بالنّار، فيما يبقى لبنان أمام معادلة دقيقة، بين السّعي إلى تثبيت وقف إطلاق النّار، واحتواء تداعيات أيّ انتقال إسرائيليّ من التّهديد إلى تنفيذ ضربات واسعة داخل العاصمة ومحيطها.
المصدر / المدن
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل