الخميس 05. 11 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
ثمة أخبار لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد نتائج انتخابية عابرة، ولا يمكن اختزالها في أرقام

صناديق الاقتراع؛ لأنها تحمل في طياتها شيئاً من العدالة التاريخية، وتعيد إلى الذاكرة حكايات شعوب سُلبت أرضها، وأُقصيت هويتها، وظلت لقرون طويلة خارج المشهد الذي صُنع فوق أنقاض وجودها.
فوز ديب هالاند بمنصب حاكمة ولاية نيو مكسيكو الأميركية، لتكون أول امرأة من السكان الأصليين تتولى هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، هو واحد من تلك الأخبار التي تستحق الاحتفاء والتوقف عند دلالاتها العميقة.
إنها ليست مجرد امرأة وصلت إلى كرسي الحكم، بل ابنة شعب من السكان الأصليين، أولئك الذين كانوا أصحاب الأرض قبل أن تتحول أميركا إلى دولة، وقبل أن تُرسم حدودها السياسية، وقبل أن تُرفع راياتها فوق أراضٍ شهدت حكايات طويلة من التهجير والإبادة والاستيلاء على الأرض والهوية.
يا للمفارقة التاريخية!
أن تصل امرأة من أحفاد أولئك الذين أُقصوا من أرضهم إلى قيادة إحدى الولايات الأميركية، وأن تصبح جزءاً من مؤسسة سياسية طالما احتكرت القرار القوى التي صنعت تاريخ الإقصاء.
إنها لحظة تستحق أن نقرأها بعيداً عن الحسابات الحزبية، وأن ننظر إليها باعتبارها انتصاراً لحق الإنسان في الوجود والتمثيل واستعادة صوته، مهما طال الزمن.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن هذه الانتخابات لم تحمل صعود ديب هالاند وحدها، بل شهدت أيضاً تقدماً لافتاً لشخصيات من أصول مهاجرة وعربية وإسلامية إلى مواقع سياسية متقدمة، من بينها فوز الطبيب والسياسي عبد السلام السيد (عبد الإله السيد – Abdul El-Sayed) بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، إلى جانب حضور شخصيات عربية أميركية أخرى في مجلس النواب، واستمرار أسماء مثل رشيدة طليب وإلهان عمر في المشهد التشريعي الأميركي.
وهنا تبرز مفارقة سياسية لا تخلو من دلالة تاريخية؛ فالدولة التي امتلكت نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً في مناطق عديدة من العالم، وكانت تدخلاتها وحروبها وسياساتها الخارجية من العوامل التي ساهمت في تعقيد أزمات بلدان كثيرة، أصبحت اليوم تستقبل أبناء تلك المجتمعات مهاجرين ولاجئين، ليصل بعضهم، بعد سنوات من الاندماج والعمل والمشاركة السياسية، إلى مواقع صناعة القرار فيها.
إنها صورة معاكسة لمعادلة القوة التقليدية؛ فالأشخاص الذين غادروا بلدانهم هرباً من الحروب والاضطرابات والظروف القاسية، أو بحثاً عن حياة أكثر أمناً واستقراراً، لم يعودوا مجرد أرقام في سجلات الهجرة واللجوء، بل أصبحوا ناخبين ومرشحين ومشرّعين، وبعضهم بات قادراً على المشاركة في رسم السياسات التي تحكم المجتمع الأميركي نفسه.
وهذا لا يعني أن التاريخ قد صحح أخطاءه بالكامل، أو أن وصول أبناء المهاجرين إلى السلطة يمحو ما ارتُكب بحق شعوبهم، لكنه يثبت أن المجتمعات لا تبقى أسيرة موقع الضحية إلى الأبد، وأن المشاركة السياسية قد تتحول إلى إحدى وسائل استعادة الاعتبار والحقوق.
إن ما حدث يمثل نوعاً من الارتداد التاريخي غير المتوقع؛ فالأرض التي شهدت موجات من الإقصاء والتهجير أصبحت فضاءً تتقدم فيه أصوات أبناء الشعوب التي عانت من الحروب والتهميش، لتقول إن الهوية لا تموت بالاقتلاع، وإن الإنسان يستطيع أن يعيد بناء حضوره حتى في المكان الذي لم يكن يتخيل يوماً أنه سيصبح جزءاً من سلطته.
أما ديب هالاند، فإن فوزها يستحق احتفاءً خاصاً، ليس لأنها امرأة فحسب، بل لأنها تحمل في اسمها وحضورها ذاكرة أمة كاملة. أمة لم تكن ضيفاً على هذه الأرض، بل كانت صاحبتها الأولى، قبل أن تتحول حكايتها إلى صفحات مؤلمة في كتب التاريخ.
ولهذا سأعود، احتفاءً بهذه السيدة، إلى قراءة أعمال الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لو كليزيو، وما كتب عن عالم السكان الأصليين وذاكرتهم وثقافتهم، ومنها العمل الذي أشار إليه بعض القراء بعنوان «الفكر المبتور»، في محاولة لاستعادة صورة الإنسان الذي حاول التاريخ المنتصر أن يمحو حكايته.
فالتاريخ، وإن كتبه المنتصرون في كثير من مراحله، لا يستطيع أن يمنع أصحاب الحكاية من العودة إليها، ولا يستطيع أن يلغي الذاكرة مهما تراكم فوقها النسيان.
ربما لا تعود الأرض دائماً إلى أصحابها بالطريقة التي نتصورها، وربما لا يمكن للانتخابات أن تعيد ما أُخذ من الشعوب عبر قرون، لكنها تستطيع أن تعيد إليهم شيئاً من الصوت والاعتبار والمكانة.
فالحق قد يتأخر، وقد يُحاصر، وقد يُدفن تحت طبقات من القوة والنفوذ، لكنه لا يفقد مشروعيته بمرور الزمن.
واليوم، حين تصل ابنة السكان الأصليين إلى حكم ولاية أميركية، ويصل أبناء المهاجرين واللاجئين إلى مؤسسات القرار، فإننا أمام مشهد يقول إن التاريخ لا يسير دائماً في الاتجاه الذي يريده الأقوياء، وإن الذين خرجوا من بلادهم مكرهين قد يعودون إلى صناعة التاريخ من بوابة أخرى.
إنها ليست هزيمة لأحد بقدر ما هي انتصار لفكرة أن العالم لا ينبغي أن يبقى حكراً على أصحاب القوة، وأن العدالة، وإن تأخرت، تظل ممكنة.
سكرتير التحرير*
بغداد. 2026/11/05
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر جريدة الكترونية مستقلة