الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / السبت  28 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

عندما ينشر الغسيل على حبل السوشيل ميديا

في زمنٍ تحوّلت فيه وسائل الإعلام الرقمية إلى منصّات مفتوحة للجميع، لم يعد النشر فعلاً مدروساً بقدر ما أصبح اندفاعاً لحظياً تحكمه الرغبة في الظهور وجذب الانتباه. لقد أتاحت هذه الوسائل مساحة واسعة للتعبير، لكنها في المقابل كشفت عن خللٍ واضح في حدود الخصوصية، وأعادت طرح تساؤلاتٍ جوهرية حول ما ينبغي أن يُقال وما يجب أن يبقى في دائرة الكتمان.
في أحد المقاطع المتداولة، يظهر فيه رجل يدعي انه كابت مدرب لياقة بدنية في العقد الرابع اي انه في عمر الرشد وهو يروي موقفاً شخصياً ذو طابعٍ حساس، لا يبدو بطبيعته مما يستدعي النشر العلني أو التداول الجماهيري. فمثل هذه القضايا، مهما بلغت حدّتها، تحتاج إلى وقفةٍ جادّة، وإلى معالجةٍ هادئة، وربما إلى استشارة قانونية أو اجتماعية متخصّصة، لا إلى بثّ مباشر وتعليقات متباينة قد تزيد الأمر تعقيداً بدل أن تسهم في حلّه.
إن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود “الفضفضة” إلى ما يمكن وصفه بتآكل مفهوم الخصوصية. فقد بات البعض ينشر أدقّ تفاصيل حياته، بما في ذلك خلافاته العائلية ومشكلاته الشخصية، وكأنّ المنصّات الرقمية أصبحت بديلاً عن المجالس الخاصة أو الأطر القانونية والاجتماعية المختصة. والأسوأ من ذلك، أن هذه المساحات تحوّلت لدى البعض إلى ساحاتٍ لتبادل التهديد والوعيد، في مشهدٍ يفتقر إلى أدنى درجات الحكمة والمسؤولية.
لقد نشأنا في مجتمعاتٍ تُعلي من قيمة الخصوصية، وتعتبر الحفاظ على أسرار الحياة الشخصية جزءاً من النضج الاجتماعي والاحترام المتبادل. ولم تكن “الانفتاحية” يوماً مرادفاً لكشف المستور أو تعرية العلاقات الإنسانية أمام الجميع، بل كانت تعني الوعي، والقدرة على التمييز بين ما يُقال علناً وما يُصان حفاظاً على الكرامة والعلاقات.
إن تحويل المشكلات الخاصة إلى محتوى علني لا يسهم في حلّها، بل غالباً ما يعقّدها، ويُدخل أطرافاً لا علاقة لهم بها في مساراتها. وفي كثيرٍ من الأحيان، يكون الحلّ الأقرب والأكثر فاعلية هو الحوار المباشر، أو اللجوء إلى قنواتٍ قانونية أو اجتماعية مختصة، بعيداً عن ضجيج المنصّات.
في الختام وقبل السلام  تبقى وسائل التواصل سلاحاً ذا حدّين: يمكن أن تكون أداةً للبناء والتأثير الإيجابي، كما يمكن أن تتحوّل إلى وسيلةٍ لهدم الخصوصية وتشويه العلاقات. وبين هذا وذاك، يبقى الوعي هو الفيصل، والقدرة على ضبط ما نُشارك، وكيف نُشارك، هي ما يحدّد إن كنّا نستخدم هذه الوسائل… أم نُسيء استخدامها؟.

*سكرتير التحرير 
بغداد /28. 03 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً