الرئيسية / مقالات / الحرب بين ضجيج الإعلام وحقائق الميدان !!

الحرب بين ضجيج الإعلام وحقائق الميدان !!

فيينا / السبت  28 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت تُدار بقدرٍ كبير عبر الإعلام، الذي بات شريكاً أساسياً في صياغة الرواية وتوجيه الرأي العام. فبين ما يُبثّ من تصريحات نارية وما يجري فعلياً على أرض الواقع، تتشكّل فجوة واسعة، لم يعد الجمهور يغفل عنها، بل بات يلمسها بوضوحٍ متزايد.
في هذا الإطار، يبرز الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه نموذجاً لسياسةٍ إعلامية تعتمد على التصريحات الرنّانة التي تتصدّر العناوين، دون أن تجد دائماً ما يوازيها من إنجازٍ حقيقي على الأرض. فالإصرار على تصدّر “الترند” لا يصنع نصراً، بل قد يكشف عن أزمةٍ أعمق تتعلق بإدارة المشهدين السياسي والعسكري على حدّ سواء.
لقد باتت التناقضات في هذا الخطاب واضحة للعيان؛ إذ تتكرّر الوعود وتتصاعد النبرة، بينما تأتي الوقائع الميدانية مختلفة، بل ومناقضة في بعض الأحيان. وهذا التباين لم يعد مجرد تفصيلٍ عابر، بل تحوّل إلى عاملٍ مؤثر في تشكيل وعي الجمهور، الذي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يُقال وما يُفعل.
وفي سياقٍ متصل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تضع نفسها في مأزقٍ متكرر، إذ لم تكن تتوقع – وفق كثيرٍ من التقديرات – أن تتمكن إيران من الصمود طويلاً تحت وطأة الضغوط، أو أن تعيد ترتيب أوراقها بهذه السرعة. غير أن ما جرى على أرض الواقع كشف عن قراءةٍ مختلفة تماماً؛ فقد استطاعت إيران امتصاص الصدمة الأولى، والانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم ، مستندةً إلى استعداداتٍ ممتدة لسنوات طويلة، وهيأت نفسها لمواجهة مختلف السيناريوهات، سواء المتوقعة منها أو المفاجئة.
هذا التحوّل لم يكن عفوياً، بل نتيجة تراكمٍ استراتيجي للخبرات العسكرية ،جعلها أكثر قدرة على التحكم بإيقاع المواجهة، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها. ومع كل خطوة، كانت الفجوة تتسع بين الخطاب الأمريكي المتخم بالتصريحات، وبين واقعٍ ميداني يشير إلى تعقيدٍ أكبر من أن يُختزل بجملةٍ إعلامية أو خطابٍ جماهيري.
ولم يقتصر الأمر على التباين السياسي، بل امتدّ إلى ساحة الرأي العام، حيث تحوّلت بعض التصريحات إلى مادةٍ للسخرية والتداول النقدي، ما أضعف من هيبة الخطاب الرسمي، وأفقده جزءاً من تأثيره. وفي المقابل، برزت مشاهد الاستعراضات العسكرية بوصفها رسائل قوةٍ مدروسة، عكست مستوى عالياً من التنظيم والجاهزية، وأظهرت كيف يمكن للعرض العسكري أن يتحول إلى أداة تأثير نفسي وإعلامي لا تقل أهمية عن الفعل الميداني نفسه.
إن محاولة صناعة “نصر إعلامي” لا يستند إلى واقعٍ فعلي، قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالتفوق، لكنها سرعان ما تتآكل أمام اختبار الحقيقة. فالحروب لا تُحسم في استوديوهات البث، بل في ميادين المواجهة، حيث تُقاس النتائج بالوقائع لا بالتصريحات.
ختاماً، تكشف هذه المعادلة عن حقيقةٍ باتت راسخة: أن الحرب اليوم هي معركة رواية بقدر ما هي معركة سلاح، وأن الخلل في التوازن بينهما كفيلٌ بإرباك أقوى الدول. وبين ضجيج الإعلام وصمت الميدان، يبقى الفارق واضحاً… لمن يريد أن يرى.

سكرتير التحرير 
بغداد /28. 03 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً