الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / ما بعد أيلول: هل يتحول إقليم كردستان إلى «قاعدة استثناء» دائمة للتحالف في العراق؟

ما بعد أيلول: هل يتحول إقليم كردستان إلى «قاعدة استثناء» دائمة للتحالف في العراق؟

فيينا / الثلاثاء  31 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

مع اقتراب أيلول سبتمبر 2026، يعود ملف التحالف الدولي في العراق إلى الواجهة من بوابة إقليم كردستان، بوصفه العقدة الأكثر تعقيداً في مسار الانسحاب المعلن، فبينما تتجه المهمة إلى نهايتها في المناطق الاتحادية، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن ما إذا كان الإقليم سيلتزم بالكامل بقرار بغداد، أم أن خصوصيته الأمنية والسياسية قد تدفع نحو إبقاء هذا الوجود بصيغة استثنائية، في لحظة إقليمية مشتعلة تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية والعراقية على نحو غير مسبوق.

وخلال مقابلة صحفية نشرتها صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية في 23 آذار مارس، نُقل عن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قوله، إن بغداد قررت تقديم موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. وبعد ساعات، عادت الصحيفة نفسها وحدّثت نص المقابلة، لتُثبت أن السوداني أكد الالتزام بالموعد المحدد مسبقاً لإنهاء المهمة في أيلول سبتمبر 2026، دون تقديم. 

صيغة استثنائية

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي الكردي محمد زنكنه، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم السبت (28 آذار مارس 2026)، إن “قرار بقاء التحالف الدولي في إقليم كردستان ربما سيكون ضمن صيغة استثنائية، وما جرى من انسحاب لبعض القوات، ومنها القوات الإيطالية، كان مؤقتاً على خلفية التطورات الأمنية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن المتوقع أن تعود هذه القوات بعد انتهاء هذه المرحلة”. 

ويوضح، أن “مهام التحالف الدولي داخل الإقليم ليست قتالية، بل تندرج ضمن أدوار استشارية وتدريبية، إلى جانب المشاركة في إعادة هيكلة قوات البيشمركة”، مبيناً أن “هناك تعاوناً عسكرياً بين الولايات المتحدة ووزارة البيشمركة يشمل تنظيم ألوية القوات وتسليحها ضمن إطار فني وإداري”. 

تفاهم بعيداً عن بغداد

ويؤكد زنكنه، أن “هذا التعاون لا يرتبط بوزارة الدفاع العراقية، وإنما يأتي ضمن تفاهمات خاصة بإعادة ترتيب وهيكلة قوات البيشمركة”، مشيراً إلى أن “التحالف الدولي لم يعلن حتى الآن أي نية لمغادرة إقليم كردستان أو سحب قواته منه، بل على العكس هناك مؤشرات على استمرار هذا الوجود، من بينها انتشار أنظمة دفاع جوي داخل الإقليم”.

وينص الاتفاق المبرم بين الحكومة العراقية وقوات التحالف الدولي على إنهاء المهمة العسكرية بشكل تدريجي، عبر مراحل تبدأ بالانسحاب من القواعد والمواقع داخل الأراضي الاتحادية، وصولاً إلى تقليص الوجود إلى مهام استشارية محدودة، قبل إنهائه بالكامل، وبحسب هذا المسار، اكتمل الانسحاب من معظم المناطق العراقية، مع بقاء الانتشار في إقليم كردستان كمرحلة أخيرة، على أن يُستكمل الانسحاب النهائي من الإقليم بحلول أيلول سبتمبر 2026، ليُطوى بذلك ملف الوجود العسكري للتحالف داخل العراق بشكل كامل.

ولطالما احتفظت أربيل بهامش واسع من الاستقلالية في إدارة تعاونها الأمني والدفاعي مع الدول الغربية والولايات المتحدة، فإن مسار انسحاب قوات التحالف يثير تساؤلات متزايدة بشأن مدى التزام الإقليم بقرارات بغداد، في ظل تاريخ ممتد من التباينات والخلافات بين الجانبين حول الصلاحيات والحدود وطبيعة الشراكات الأمنية، فضلاً عن العلاقات الوثيقة التي تربط قادة الإقليم بالقادة الغربيين، ما يمنح أربيل مساحة أوسع للمناورة في هذا الملف، ويجعل موقفها من بقاء التحالف أو انسحابه أكثر تعقيداً من باقي مناطق العراق.

3 سيناريوهات 

بدوره، يقول الخبير في الشأن الأمني عبدالغني الغضبان، إن “ملف بقاء التحالف الدولي في إقليم كردستان يرتبط بجملة من السيناريوهات التي تتحكم بها طبيعة التفاهمات بين بغداد وأربيل، وكذلك مستوى التوترات الإقليمية المحيطة بالعراق”.

ويضيف الغضبان لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، أن “السيناريو الأول يتمثل بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي العراقية بما فيها الإقليم، وهو الخيار الذي تدفع به الحكومة الاتحادية تحت عنوان استعادة السيادة، لكن تحقيقه يواجه تحديات أمنية تتعلق بقدرات الإقليم وحاجته للدعم الدولي”.

ويشير إلى أن “السيناريو الثاني يقوم على إعادة تموضع قوات التحالف، الإبقاء على تواجد محدود داخل إقليم كردستان بصيغة استشارية أو تدريبية، وهو الخيار الأقرب للتطبيق في ظل المعطيات الحالية”.

ويتابع، أن “السيناريو الثالث يتمثل بما يمكن وصفه بالاستثناء السياسي، أي بقاء التحالف في الإقليم فقط دون بقية العراق، وهذا الخيار يحمل حساسية عالية، لأنه قد يثير إشكالات قانونية ويضع بغداد أمام واقع أمني مزدوج”. 

ويرى مختصون، أن إقليم كردستان يمثل الحلقة الأكثر تعقيداً في ملف الانسحاب، نظراً لخصوصيته الأمنية والسياسية، وميل القوى السياسية الكردية إلى الاعتماده على الدعم الدولي في مجالات التدريب والتسليح، فضلاً عن موقعه الجغرافي القريب من بؤر التوتر، ما يجعله أكثر تأثراً بأي تغيير في الوجود العسكري للتحالف. 

ولا يمكن فصل الجدل الدائر حول بقاء التحالف الدولي في إقليم كردستان عن التطورات الأمنية الأخيرة، إذ أعادت الهجمات التي استهدفت منشآت داخل أربيل، باستخدام الطائرات المسيرة، طرح تساؤلات جدية بشأن قدرة الإقليم على حماية نفسه في حال انسحاب هذه القوات، إذ دقت هذه الهجمات ناقوس الخطر مبكراً، وأظهرت أن الإقليم قد يكون مكشوفاً أمام أي تصعيد عسكري أو تطورات إقليمية مفاجئة، خصوصاً في ظل محدودية منظومات الدفاع الجوي العراقية، وعدم امتلاك بغداد حتى الآن القدرة الكافية على تأمين غطاء دفاعي شامل يشمل الإقليم. 

الضغوط الإيرانية 

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي عصام الفيلي، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، أن “ملف بقاء التحالف الدولي في العراق وانسحابه يرتبط بشكل مباشر بطبيعة المتغيرات التي تشهدها المنطقة خلال المرحلة المقبلة، في ظل حالة من عدم الوضوح والقلق لدى مختلف القوى السياسية”.

ويضيف، أن “الضغوط الإقليمية، ولا سيما الإيرانية، كان لها دور واضح في الدفع باتجاه صياغة مسار الانسحاب، أكثر مما كان نابعاً من قناعة داخلية كاملة، غير أن هناك احتمالاً بأن تضطر بعض القوى التي طالبت بالانسحاب إلى إعادة النظر في موقفها، وربما المطالبة بتأجيله أو حتى عودة بعض قوات التحالف، في ظل تطورات الحرب الإقليمية”. 

وينبه إلى أن “الموعد المحدد في أيلول 2026 لا يزال قائماً، لكن الفترة الزمنية حتى ذلك الحين تبقى مفتوحة على مفاجآت، خصوصاً مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، واحتمال أن تنعكس نتائج الصراع على شكل المعادلة السياسية داخل العراق”. 

وسلّطت “العالم الجديد” في تقرير سابق، الضوء على ملف انسحاب مستشاري التحالف الدولي من العراق، وما يمثله من تحوّل في طبيعة الوجود العسكري الأجنبي داخل البلاد، في ظل تصاعد المواجهة، وتداخلها مع المشهد الداخلي، إذ يضع هذا الانسحاب العراق أمام اختبار حقيقي لقدراته الذاتية، وسط مخاوف من فراغ في الجوانب الاستخبارية والتقنية التي كانت تمثل أحد أبرز أدوار التحالف خلال السنوات الماضية.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً