فيينا / الأربعاء 01 . 04 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
النائب الدكتورة ضحى السدخان
في الوقت الذي تواجه فيه الدولة العراقية تحديات مركبة في مجالات الأمن، والاقتصاد، والمياه، والغذاء، يبرز تساؤل جوهري: لماذا تُتخذ القرارات المصيرية بمعزل عن الكفاءات الوطنية، وفي مقدمتها أساتذة الجامعات والخبراء المتخصصون؟
لقد أصبح تغييب النخب الأكاديمية سمة واضحة في إدارة العديد من مؤسسات الدولة، حيث يتم الاعتماد على اعتبارات سياسية أو حزبية في شغل المناصب واتخاذ القرار، بدلاً من توظيف المعرفة العلمية والخبرة التخصصية. هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يمثل هدراً حقيقياً لثروة فكرية يمتلكها العراق، خاصة في ظل وجود آلاف الأكاديميين في تخصصات دقيقة قادرة على تقديم حلول استراتيجية.
في مجالات حساسة مثل الزراعة والموارد المائية، تبدو فجوة القرار أكثر وضوحاً. فالعراق يواجه أزمة مائية متفاقمة، وتراجعاً في الإنتاج الزراعي، ومع ذلك لا يتم إشراك الخبراء بشكل فعّال في رسم السياسات أو وضع الخطط. والنتيجة هي قرارات غالباً ما تكون آنية، غير مستندة إلى دراسات علمية، ولا تحقق استدامة في المعالجة.
إن أساتذة الجامعات، بحكم تخصصهم وخبرتهم البحثية، يمثلون ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي حقيقي. فهم ليسوا فقط ناقلين للمعرفة، بل منتجون لها، وقادرون على تحليل المشكلات المعقدة واقتراح حلول مبنية على بيانات ومعايير علمية. ومع ذلك، يتم تهميش دورهم في كثير من الأحيان، سواء في الوزارات أو الهيئات الاستشارية، مما يؤدي إلى فجوة بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار.
هذا التهميش لا يقتصر على قطاع معين، بل يمتد إلى مجالات متعددة، من التخطيط العمراني، إلى الطاقة، إلى التعليم نفسه. وهو ما يطرح إشكالية أعمق تتعلق بغياب ثقافة “الدولة المؤسسية” التي تقوم على التخصص والكفاءة، مقابل هيمنة منطق “الإدارة السياسية” الذي يغلب عليه الطابع الآني والمصلحي.
كما أن إهمال الخبراء يؤدي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، منها فشل بعض المشاريع، أو تعثرها، أو عدم تحقيقها للأهداف المرجوة، فضلاً عن هدر الموارد المالية والبشرية. وفي المقابل، نجد أن الدول التي نجحت في مواجهة التحديات اعتمدت بشكل كبير على مراكز البحث العلمي، وربطت الجامعات بصنع القرار، وجعلت من الخبراء شركاء حقيقيين في إدارة الدولة.
إن الخلل لا يقتصر على تغييب الكفاءات في مواقع القرار، بل يمتد إلى آلية اختيار المستشارين داخل مؤسسات الدولة، حيث يُفترض أن يكون المستشار هو الأقرب إلى الاختصاص الدقيق، والأكثر قدرة على تقديم الرأي العلمي الرصين، لا أن يُختار بناءً على العلاقات الشخصية أو الانتماءات الضيقة. فالمستشار في الدول الرصينة يمثل عقل المؤسسة وخزانها المعرفي، بينما يتحول في العراق أحياناً إلى موقع شكلي يفتقر إلى التأثير الحقيقي. إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى شخصيات تمتلك القدرة على صناعة القرار، وتحقيق النجاحات الفعلية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تبرير الإخفاقات. فبناء الدولة لا يتحقق إلا عبر تمكين أصحاب الخبرة، وإعطاء الدور الحقيقي لمن يملك المعرفة والرؤية، بعيداً عن المجاملات والمحاصصة.
إن إصلاح هذا الخلل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للكفاءة، من خلال:
١. إنشاء مجالس استشارية دائمة تضم أساتذة وخبراء في كل وزارة.
٢. ربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات الدولة.
٣. اعتماد معايير مهنية واضحة في التعيينات والمناصب.
٤. تعزيز الشراكة بين الجامعات والمؤسسات الحكومية.
نستطيع القول إن تهميش الكفاءات ليس مجرد خطأ إداري، بل هو أحد أسباب تعثر الدولة في مواجهة أزماتها. والعراق، الذي يمتلك رصيداً علمياً وبشرياً كبيراً، لا يحتاج إلى حلول مستوردة بقدر ما يحتاج إلى الاستماع لخبرائه، وتمكينهم من المشاركة في صناعة القرار. فالدولة التي لا تستثمر في عقول أبنائها، ستبقى تدور في حلقة من الأزمات المتكررة دون أفق حقيقي للتقدم.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل