الرئيسية / ثقافة وادب / قصة قصيرة / تحت ظلال النار

قصة قصيرة / تحت ظلال النار

فيينا / الأربعاء  01 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

مع بداية الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية، كان حيّ “دولت ‌آباد” في أطراف طهران، حيث تفوح رائحة الخبز الساخن ممتزجة بغبار الشاحنات يغلي بالصخب، صفارات الإنذار وشحنات الوقود وأصوات الباعة الذين يحاولون أن يتناسوا فكرة أن السماء لم تعد آمنة، تعيش في أحد البيوت القديمة عائلة كاظمي: الحاج رضا تاجر بسيط ورجل محافظ، بوصلة قديمة تشير دوماً نحو اليقين الثوري، يرى في الصمود صلاة وفي الثورة خلاص الأمة، علق على مدخل البيت صورة الإمامين الخميني والخامنئي يحييهما كلما خرج وعاد الى البيت.
زوجته ليلى التي تكره السياسة وتتمسك بالبقاء على قيد الحياة فقط، لا تشاركه تلك الطقوس لكنها تعمل على الحفاظ على بهاء ونظافة الصور، تحولت حواسها إلى رادار لرصد صوت الطائرات، كانت ترى السياسة غولا يقتات على أبنائها، وتؤمن أن الوطن هو مائدة عشاء يجتمع حولها الجميع سالمين.
أما الأبناء فكل منهم يمثل طبقة من الوجدان الإيراني الممزق. مهدي الابن الأكبر انضم إلى الحرس الثوري والتحق بالجبهة، يؤمن بأن الدفاع عن الأرض ومواجهة الإستكبار واجب شرعي مقدس، أخوه سعيد العقل القلق، “بروميثيوس”[1] الذي سرق نار الفلسفة اليسارية ليحرق بها أوهام الحرب، متسائلا بمرارة: لماذا يموت الفقراء ليعيش الأثرياء؟ طالب في جامعة طهران، يرى أن الحرب لعبة تدار من فوق لصالح الكبار، بينما الشعب يدفع الثمن، أما زهرة، الأخت الصغرى، ذاكرة البيت، انخرطت في صفوف المتطوعين لمساعدة الجرحى، كانت تضمد الكلمات أيضا وتكتب يومياتها بصدق بريء أقرب إلى الشعر منه إلى النثر.
في السوق القديم حيث يعمل الأب، كانت النقاشات لا تنقطع، فبعض التجار يؤيدون التعبئة الكاملة، وآخرون يهمسون بأنهم تعبوا من الندرة والجنازات. يعود الحاج رضا إلى بيته مرهقا يدعو على العدو بكل الكلمات التي يعرفها، بينما سعيد يجادله حتى منتصف الليل حول الحرب ومعنى الوطن: يا أبي، الحرب ليست قدراً، إنها خيار القادة.
يهزّ رضا رأسه الذي اشتعل شيباً، ويقول بصوت يشبه حفيف الشجر اليابس: الوطن ليس فكرة يا بني، إنه ذاكرة الجراح وتراب تشمّ رائحته حين يختلط بدماء من تحب. وفي لحظات الزلزال، لا نبحث عن هندسة البيت، بل نتمسك بأعمدته.
كان حاج رضا يواجه تجار الخوف في البازار، وفي البيت يواجه تمرد الابن، أما زهرة فتدون خفية تلك الحوارات وتقول: نحن لا نملك ترف أن نكون على صواب، نملك فقط أن نحب هذه الأرض رغم خطاياها …
ذات مساء، تأتي برقية: استشهد مهدي
جاءت البرقية لتكسر الصمت، لم تسقط دمعة ليلى، بل سقط العالم من عينيها. في تلك اللحظة، تبخرت التنظيرات اليسارية لسعيد، وذابت صرامة الحاج رضا. انهار البيت بصمت ثقيل، لكن في جنازته وقف سعيد لأول مرة إلى جوار أبيه بلا جدال يسنده، يحمل نعش أخيه وملامحه تحترق بانكشاف جديد: أن إيران ليست شعارا، بل ذاكرة الجراح المشتركة، وأن العدو لا يفرق بين محافظ وإصلاحي حين يطلق قذائفه، فالموت لا يقرأ الإنتماءات الحزبية، إنه يقرأ فقط خارطة الوجع المشترك.
لم تنتهِ القصة في “دولت آباد”. فاليوم، في بيروت والضاحية والجنوب وغزة وبغداد ودمشق وليبيا والسودان، نرى “مهديا ” في كل بيت وسعيدا آخر وحاج رضا متشبثاً ببوصلته، وزهرات تدون مآسينا على صفحات التواصل الإجتماعي.
المستكبرون في المنطقة لا زالوا يعيدون إنتاج نفس الظلال. والخلافات السياسية الحادة التي تمزق مجتمعاتنا اليوم، ستتلاشى فجأة أمام مشهد النعش المشترك. نحن نعيش في “دولت آباد” كبيرة، حيث تشتعل النيران على الحدود وفي الساحات، وتشتعل النقاشات داخل البيوت، لكننا نكتشف دائما وبثمن باهظ أننا في قارب واحد وأننا أضعنا العمر، نتجادل حول المذهب واللسان والإديولوجيا وشكل العلم، وحدود خطها سايكس وبيكو بنكهة استعمارية امبريالية. سنكتشف أن خلافنا كان حول الظلال لاغير.
ستنتهي الحرب لاحقاً … لكنّ زهرة كتبت آخر صفحات دفترها بعد الجنازة بمداد القلب: كلّ ما التقينا عليه كان إيران، وكلّ ما اختلفنا حوله لم يكن سوى طيفها.

[1] هو شخصية أسطورية بارزة في الأساطير اليونانية القديمة، ويُعدّ رمزًا للتمرّد من أجل الإنسان، والتضحية في سبيل المعرفة

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً