أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / السيّد سليمان (الكبير) (توفي 1211 هـ)

السيّد سليمان (الكبير) (توفي 1211 هـ)

فيينا / الأربعاء  09 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

 محمد علي محي الدين

حينما تتعانق أنفاس القلم مع نبض الحكمة، يولد رجل كأبي داود سليمان المزيدي، شاعرًا، أديبًا، فقيهًا، وطبيبًا، في زمنٍ كانت فيه النجف تفيض علماً، والحلة تتفتح طربًا وجدلًا وحوارًا. هو سليمان بن داود بن حيدر بن أحمد بن محمد بن شهاب، وينتهي نسبه إلى جده الأعلى أحمد، المعروف بـ”المزيدي” نسبة إلى بلدة المزيدية، وهي إحدى قرى آل مزيد، الأمراء الذين سادوا الحلة وما جاورها، ومثلوا أنموذجًا في الريادة الدينية والسياسية.

ولد أبو داود في النجف سنة 1141 هـ، ونشأ في ظلال القباب الذهبية والمجالس الفقهية، ينهل من معين اللغة والأدب والفقه والطب، فلا يُعجب من لقبه الناس بـ”الحكيم”، إذ لم يكن مجرد شاعر يغازل القوافي، بل كان طبيبًا يُضمّد الجراح، وناقدًا يوقظ الأفكار، وأديبًا يفتح أبواب الوعي بحروفٍ مشبعةٍ بروح العلماء.

غادر النجف إلى مدينة الحلة سنة 1175 هـ، فكان انتقاله انتقالَ فكرٍ لا جسدٍ فحسب، إذ امتزجت موهبته بجوّ الحلة الأدبي الذي بدأ يتهيأ لنهضة شعرية وأدبية كبيرة، وكان له سهمٌ وافرٌ فيها، حتى عُدّ – كما قال الأستاذ محمد الخليلي في كتابه أدباء الأطباء – من مؤسسي نهضة الحلة الأدبية في القرن الثالث عشر الهجري. وأكد ذلك في البابليات بقوله: وحقاً إن السيد المترجم وأولاده من مؤسسي نهضة الحلة الأدبية في القرن الثالث عشر…”.

وإذا ذُكر العلم والخطّ، فلا بُدّ أن يُذكر معهما، فقد عُرف بسرعة الخط وجودته، ويُروى أنه كتب فرحة الغري لابن طاووس في يومٍ واحد، وهي شهادة على طاقته الفائقة وإخلاصه لطلب العلم وخدمة المعرفة.

أما عن أدبه، فقد كان حاضرًا في ميادين الشعر والمطارحات، ينازل أعلام عصره دون أن تهتز له قافية. تحاور وتبارى مع شعراء مرموقين، منهم آل النحوي، والشيخ درويش التميمي، والشيخ أحمد بن حمد الله، وابن الخلفة، والسيد صادق الفحّام، فكان صوته بينهم جهيرًا، ونقاشه معمّقًا، وقصيدته لا تخلو من حكمة، كما لا تخلو من فنّ.

وقد أطلق عليه الناس أيضًا كنية أبي عبد الله، واحتفظت أسرته بلقبه القديم “المزيدي”، وارتبط اسمه بعائلة علمية واسعة الأثر، تبدأ بجده حيدر بن أحمد، الذي كان يُلقب بـ”الشرع”، وكان مرجعًا يُرجع إليه في المنازعات والفتاوى، وتنتهي بنسلٍ أدبي نبغ فيه أبناؤه وأحفاده، ومنهم الحسين، والسيد مهدي، والسيد سليمان، وولده السيد حيدر المشهور، وغيرهم ممن شكلوا نسيجًا من المجد العلمي في الحلة والنجف.

ولم يكن أثره الأدبي يتوقف عنده، بل ورّثه لأبنائه، فقد ألّف نجله السيد داود كتابًا ضخمًا في سيرة والده، احتوى على ما قيل فيه من مديح ورثاء، وتطرق إلى جوانب عديدة من حياته، يقع هذا الكتاب في 260 صفحة، وقد أتمّه سنة 1229 هـ، ونقله العلامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء كاملًا في الحصون المنيعة، مما حفظ الكثير من أخبار هذا الرجل الذي كان رمزًا من رموز الحكمة والمعرفة في العراق.

أما وفاته، فكانت في الحلة، حيث دُفن، ولا يزال قبره معروفًا يُزار، تظله قلوبٌ تحن إلى زمن الشعر الذي كان فيه الأطباء أدباء، والفقيه شاعرًا، والمجالس منارات تضيء طرق النهضة.

,أبو داود المزيدي لم يكن شاعرًا عابرًا في زمانه، بل كان جسرًا بين الطب والعلم والأدب، بين الحكمة والانفعال، بين الخط السريع والقول الرصين، وبين الحلة والنجف، كأنما اختصر في شخصه روح العراق الموزعة بين المدن المقدسة والمجالس العاشقة للبيان. “([1])

من شعره :

كتب الى الشيخ أحمد النحوي :

إن تجفُني لم تَلفَني لــــــــــــــكَ جافِيـــــــــا     فلئِن هجرتَ أَزُرْكَ شوقاً حافيـــــا

فأنا بِكم في كــــــــــــــــلِّ حالٍ واثـــــــــــــــقٌ     مهما كتمتُ الودّ لم يكُ خافيـــــــا

حيثُ الودادُ عليْه كـــــــــــــــلّ جوارِحـــي      جُبِلَتْ وكانَ الودُّ منها صافيــــــــا

إنْ يُمْسِ جسمي مِن بعادِكَ مُسْقِماً       يكن الوصالُ له طبيباً شـــــــــــافِيا

وإذا تعاضلَ داءُ هـــــــــجرِك مجهِـــــــــداً      كان الوصالُ إذا وصلتَ معافــــا

فرأيتُ هجرَك والوصـــــــــالُ كليهِمــــــــــا      ذا مثبِتـاً وصْــــــــلاً وذلكَ نافيـــــــــا

ولئن جــفا هــــــــــذا الزمـــــانُ وأهلُـــــــــه      فأقلّ وصلِكُم أراهُ كافيــــــــــــــــــــــــــا

ناهيكَ عن فخرٍ وجـــــــــــــدتُ بقولِكــــم      (سلّم عليه لنا ســـلاماً وافيــــــــا)

قال في البابليات : وقد عثرت على قصائد في مدح أهل البيت للسيد المترجم لم يثبت منها ولده في ترجمة أبيه بيتاً واحداً وهي مثبتة في كتاب (الرائق) بخط معاصره العالم الأديب السيد أحمد العطار المتوفى سنة 1215ه تحت عنوان : مما قاله السيد سليمان بن السيد داود أيّده الله تعالى : الأولى في رثاء الحسين (عليه السلام) مطلعها :

سَرَتْ تطوي الوهـــــادَ الى الروابي     ولا تهوى الهشيمَ ولا الجوابـــــــــــــي

وهي 80 بيتاً والثانية في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي 72 بيتاً مطلعها :

حارتْ بكنهِ صفاتِك الأفهــــــــــــامُ      وتعذّر الإدراكُ والإفهــــــــــــــــــــــــــــــامُ

وله من قصيدة يمدح بها الأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) :

ظبيٌ سبـــــــتْ أجفانُــــــــــــه    صبّاً علتْ أشــــــــــــجانُهُ

مِن خمرةِ الخدّين فــــــــــــي    قلبي ذكتْ نيرانُــــــــــــــهُ

لا أحمـــــــدٌ يرعـــــــــــــى ولا     يرعى لــــه قرآنُــــــــــــــــــهُ

وأخو النبيّ المصطفـــــى      فيهم تعالَتْ شــــــــــــانُهُ

إنْ صالَ في يومِ الوغى      ذلّتْ له شجعـــــــــــــــانُهُ

مولى لأكبـــــــــــادِ العِـــدى      مشتــــــاقَةٌ خرصــــــانُهُ

يا غيثَ جودٍ هـــــــــــــــاطلٍ     يروي المَلا هتّـــــــــــانُهُ

يا صاحبَ الفــضلِ الذي      يبدو لنا بُرْهــــــــــــــــــانُهُ

يامَنْ بإيمــــــــــانِ الــورى      معادلٌ إيمــــــــــــــــــــــــانُهُ

يامَن أتـــاهُ ســـــــــــــــــائِلاً      مِن الملا ثُعبــــــــــــــــانُهُ

وكلّمَ الميـــْتَ الـــــــــــــذي      قدماً عفتْ أكفانُــــــــــــهُ

صلى عليـــــكَ الله مــــا      رَكْبٌ سرتْ ركبـــــانُهُ([2])

آثاره :

    “قال ولده داود : أتقن العلوم وبرع في الطب والأدب وصنف بكلّ علم وفن كتابا. قلتُ: ولم يذكر اسم كتاب منها ، بيد اني عثرتُ على رسالة له صغيرة الحجم كبيرة الفائدة سماها (خلاصة الإعراب) رتبها على مقدمة وفصول أربعة وخاتمة من أحسن ما كتب في العربية على أوجز طرز وأسهل أسلوب مدرسي رأيتها بخطه الجميل ويظهر انه كتبها لجماعة من تلاميذه وكنّى نفسه في أولها بأبي عبد الله سليمان بن داود الحسيني ، ونسبها شيخنا في الـ(ج7) من الذريعة الى حفيده سليمان الصغير الذي شارك جده المترجم في الاسم دون الكنية ولعلّ بقية آثاره تلفت في حوادث الحلة الأخيرة .

وفاته :

    توفاه الله ليلة الأحد الـ 24 من جمادى الثانية سنة 1211 بالسكتة القلبية وحمل جثمانه الى النجف في موكب مهيب مشى فيه مئات الرجال من أشراف الحلة وصلى عليه إمام الطائفة يومئذٍ السيد محمد مهدي بحر العلوم ، ودفن عند ايوان العلماء مقابل مسجد عمران وكان لنعيه صدى في الأوساط العلمية والأدبية ورثاه عامة أدباء البلدين النجف والحلة فمنهم العلاّمة الشهير الشيخ محمد علي الأعسم بقصيدتين مطلع الأولى :

خطوبٌ دهتْني أضرمتْ نارَ أَشْجاني    وأَغرتْ بإرسال المدامـــعِ أجفاني

ويقول في آخرها مؤرخاً عام وفاته :

وإذ عُطّلَتْ منه المدارسُ أرّخــــــــــوا       تعطّل درسُ العلمِ بعدَ سليمــــــانِ

ومطلع الثانية :

لقد تضَعْضَعَ ركنُ المجدِ وانْهدمـا     واليومًَ ثلمٌ مِن الإسلامِ قد ثُلِمــــــا([3]

 

([1] ) البابليات : 2/191-194- البابليات :1/188-189 بتصرف.

([2] ) أعيان الشيعة :مج11/293 تسلسل: 7478، وينظر : شعراء الحلة للخاقاني :3/11

([3] ) البابليات : 1/194

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً