أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / حين تُحاكَم الحقيقة وتسقط أقنعة العدالة

حين تُحاكَم الحقيقة وتسقط أقنعة العدالة

الأحد 11 . 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

تتجاوز قضية فرح المطالبة بحريتها، لتطرح ضرورة حماية الصحافيين الفلسطينيين من الملاحقة بسبب عملهم المهني، وضمان ألّا تتحوّل إجراءات الاحتجاز إلى وسيلة لمعاقبتهم على نقل الوقائع والروايات التي لا ترغب سلطات الاحتلال في انتشارها.

أمل شبيب

فرح أبو عياش ليست مجرّد صحافية فلسطينية تقبع خلف القضبان، ولا تفصيلاً جديداً في سجلّ الاعتقالات التي تطول الفلسطينيين. حين تُعتقل صحافية، ويصبح عملها موضع اشتباه، وتُحرم شابة من حياتها الطبيعية ومستقبلها، تتجاوز القضية اسمها ومكان احتجازها، لتطرح أسئلة عن الحرية والعدالة وحق الإنسان في أن يمارس مهنته من دون أن يتحوّل إلى متّهم بسبب هويته أو ما ينقله إلى العالم.

كان يفترض أن تكون فرح منشغلة بمتابعة الأخبار وإعداد التقارير وتطوير تجربتها المهنية وبناء مستقبلها، فإذا بها تتحوّل إلى خبر تتناقله الوكالات، وإلى قضية تنتظر أن تجد طريقها إلى عدالة لا تتعامل مع الحقوق بمنطق الانتقاء. كان يفترض أن تكون كلماتها وسيلتها لتوثيق ما يجري حولها، لكنّ الاعتقال نقلها من موقع الراوية إلى موقع من تحتاج قصتها إلى من يرويها.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية: ماذا يعني أن تُعتقل الصحافية؟ وماذا يبقى من حرية الصحافة إذا كان نقل الوقائع قد يكلّف صاحبه سنوات من عمره؟ وأيّ معنى للحديث عن حقوق الإنسان إذا كانت هذه الحقوق تتراجع حين يكون الضحية فلسطينياً يعيش تحت الاحتلال؟

حين تصبح المهنة سبباً للاعتقال

في آب/أغسطس 2025، اعتُقلت فرح أبو عياش، مراسلة “وكالة تسنيم” في الضفة الغربية في فلسطين، خلال مداهمة ليلية لمنزل عائلتها في بلدة بيت أُمّر شمال الخليل. ومنذ ذلك الحين، دخلت قضيتها مساراً من الاحتجاز والتحقيقات والإجراءات القضائية، وسط مخاوف بشأن ظروف اعتقالها ومعاملتها داخل أماكن الاحتجاز، وهي مسائل تستوجب التحقيق الجاد والمستقل.

ووفقاً للجنة حماية الصحافيين، أفاد محاميها بأن الشرطة اتهمتها بالتواصل مع جهة أجنبية، من دون تقديم تفاصيل كافية عن طبيعة الاتهام، بحسب ما نقلته اللجنة.

إنّ خطورة القضية لا تكمن في مجرّد وجود اتهام، بل في ضرورة الكشف عن أساسه والأدلة التي يستند إليها، وضمان حق فرح في الدفاع عن نفسها أمام جهة قضائية تلتزم معايير المحاكمة العادلة. فالسؤال الجوهري هو ما إذا كان يجري التمييز بوضوح بين العمل الصحافي المشروع وأي فعل آخر قد يُنسب إلى الصحافية بصورة مستقلة، أم أنّ طبيعة عملها والجهة الإعلامية التي تعمل معها تتحوّلان إلى عاملين في استمرار احتجازها.

إنّ المطالبة بحق فرح لا تقوم على افتراضات، بل على ضرورة ضمان حقها في معرفة التهم الموجّهة إليها، والاطلاع على الأدلة، والاستعانة بمحامٍ، والحصول على محاكمة عادلة، وعدم اتخاذ عملها الصحافي بحدّ ذاته مبرّراً لتجريمها.

ليست الكاميرا جريمة، وليست الحقيقة تهمة

الصحافي لا يصنع الوقائع التي ينقلها، ولا يصبح طرفاً في كل حدث لمجرّد أنّه يوثّقه. مهمته أن يبحث ويتحقّق ويسأل وينقل ما يستطيع إثباته. وإذا وُجّهت إليه اتهامات بارتكاب مخالفة قانونية، فيجب التعامل معها على أساس أدلة محدّدة، لا من خلال الخلط بين مهنته وما يُنسب إليه من أفعال.

وحين تُلاحَق الصحافة بسبب ما تنقله، لا يتوقف الضرر عند الصحافي المعتقل. فالجمهور يُحرم من المعلومات، والعائلات قد لا تجد من ينقل معاناتها، والوقائع تصبح أكثر عرضة للغياب أو التشويه. إنّ تقييد الصحافي لا يمسّ حريته وحده، بل يضيّق المساحة التي يستطيع الناس من خلالها معرفة ما يجري حولهم.

ومن هنا، تتجاوز قضية فرح المطالبة بحريتها، لتطرح ضرورة حماية الصحافيين الفلسطينيين من الملاحقة بسبب عملهم المهني، وضمان ألّا تتحوّل إجراءات الاحتجاز إلى وسيلة لمعاقبتهم على نقل الوقائع والروايات التي لا ترغب سلطات الاحتلال في انتشارها.

العمر الذي لا تعيده أبواب السجون

لم تتجاوز فرح منتصف العشرينيات حين اعتُقلت. وفي هذا العمر، يفترض أن تتّسع الحياة أمام الإنسان: سنوات من التعلّم والعمل والتجربة، وأحلام تكبر مع الأيام، وخطط تتغيّر وتتقدّم، وحق طبيعي في رسم المستقبل.

لكنّ الاعتقال يضع هذه التفاصيل في الانتظار. تتغيّر الأيام خارج السجن، بينما يصبح الزمن داخله محكوماً بالمواعيد والأبواب المغلقة والقرارات التي لا يملك المعتقل التحكم فيها. تمرّ المناسبات من دون حضور أصحابها، وتتراكم الأخبار التي تصل متأخرة، وتكبر المسافة بين الإنسان وحياته التي تركها خلفه.

العمر ليس رقماً في ملفّ قضائي، والحرية ليست مجرّد سؤال عن مكان الاحتجاز. فكل يوم من حياة الإنسان له قيمته، وكل فترة تُنتزع منه بسبب الاعتقال تترك أثراً لا يمكن محوه بمجرد انتهاء الاحتجاز.

وحين نتحدث عن فرح، فإننا لا نتحدث عن رقم جديد في قائمة المعتقلين، بل عن شابة لها حياة تخصّها، وعائلة تنتظرها، ومستقبل لا ينبغي أن يبقى رهينة إجراءات طويلة وغامضة. إنّ احترام كرامتها يبدأ بالاعتراف بأنها إنسانة قبل أن تكون خبراً، وصحافية قبل أن تكون ملفّاً، وصاحبة حقوق لا تسقط بسبب هويتها الفلسطينية.

المرأة خلف القضبان… حقوق لا تسقط بالاعتقال

تكتسب قضية فرح بُعداً إضافياً لأنها امرأة فلسطينية معتقلة، ولأنّ الشهادات المنشورة عن ظروف احتجازها تتضمّن ادعاءات خطيرة بشأن المعاملة التي تعرّضت لها. وقد تناولنا سابقاً في “وكالة تسنيم”، استناداً إلى روايات محاميها وتقارير عن أوضاعها، تفاصيل تتعلق بالعزل وسوء المعاملة والظروف القاسية التي واجهتها. وهي ادعاءات تستوجب فحصاً مستقلاً وشفافاً، لا الاكتفاء بتداولها أو تجاهلها.

فالاعتقال لا يسقط حق الإنسان في الكرامة، ولا يمنح الجهة التي تحتجزه سلطة مطلقة على جسده أو سلامته النفسية. وتظلّ الحماية من التعذيب والمعاملة القاسية، والحصول على الرعاية الطبية، وإمكانية التواصل مع المحامي، وحق الإبلاغ عن الانتهاكات، ضمانات أساسية لا يجوز الانتقاص منها بسبب هوية المعتقل أو طبيعة القضية.

ولا يكفي التعامل مع فرح بوصفها رمزاً، على أهمية ما اكتسبته قضيتها من دلالات، بل ينبغي النظر إليها بوصفها إنسانة لها حقوق محدّدة يجب احترامها. فالرمزية قد تحضر في الخطابات، لكنّ العدالة تُقاس بما يحدث فعلياً داخل غرف التحقيق والزنازين، وبمدى وجود رقابة مستقلة قادرة على كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وفي ما يتعلق بشهادات الضرب والإهانة والحرمان من الحقوق الأساسية، فإنّ المطلوب هو التحقيق فيها بصورة مستقلة، وضمان سلامة فرح وسائر المعتقلات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك. فلا يجوز أن تتحوّل جدران السجن إلى مساحة مغلقة أمام المساءلة، أو أن يصبح غياب الرقابة سبباً إضافياً للخوف والصمت.

في فلسطين… الحقوق معركة يومية

لا يمكن فهم قضية فرح بمعزل عن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، حيث تتداخل القيود المفروضة على الحركة والعمل والحياة اليومية مع مخاطر الاعتقال ومصادرة الحقوق. وفي هذا السياق، لا تكون الصحافة مجرّد مهنة تُؤدّى من مكتب أو استوديو، بل عملاً ميدانياً في بيئة تتطلب من الصحافي مواجهة صعوبة الوصول، ومخاطر التوثيق، واحتمال أن يتحوّل هو نفسه إلى موضوع للخبر الذي يعمل على نقله.

ولا ينبغي استخدام هذا الواقع لتبرير انتهاك أي حق، بل لفهم حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المطالبة بحماية الصحافيين. فالحماية لا تكون انتقائية، ولا تتوقف عند حدود جغرافية أو سياسية، ولا تُمنح لصحافي وتُحجب عن آخر تبعاً للجهة التي يعمل معها أو الرواية التي ينقلها.

إذا كانت حرية الصحافة حقاً أساسياً، فهي حق لا يتجزأ. وإذا كانت كرامة الإنسان مبدأً عالمياً، فلا يجوز أن تتبدّل قيمتها بتبدّل هويته. أمّا القانون، الذي يُفترض أن يكون ضمانة لحماية الحقوق، فلا ينبغي أن يتحوّل إلى غطاء للتعسّف أو وسيلة لتقييد الحريات.

حين تصبح حقوق الإنسان انتقائية

كثيراً ما تُرفع شعارات حرية الصحافة وحقوق الإنسان في المحافل الدولية، وتصدر البيانات حين يتعرّض صحافي أو ناشط لانتهاك في مكان ما من العالم. لكنّ الاختبار الحقيقي لهذه المبادئ لا يكون في سهولة إعلانها، بل في القدرة على الدفاع عنها حين تصبح القضية معقّدة سياسياً، وحين يكون الضحية فلسطينياً، وحين تتعارض المطالبة بحقه مع مصالح القوى النافذة.

لا تكمن المشكلة في وجود المؤسسات الحقوقية والاتفاقيات الدولية، بل في الفجوة التي قد تنشأ بين المبادئ المعلنة وتطبيقها. فالمعيار الذي يُستخدم لحماية صحافي في بلد ما يجب أن يكون صالحاً لحماية صحافي فلسطيني أيضاً، والقلق إزاء احتجاز صحافي بسبب عمله يجب ألّا يتراجع حين تكون الجهة التي تحتجزه طرفاً قوياً أو حليفاً سياسياً.

إنّ الحديث عن الانتقائية لا يعني تجاهل الفوارق بين المؤسسات ومواقفها، ولا يبرّر إطلاق أحكام عامة على جميع الجهات الدولية. لكنه يفرض أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما قيمة المبادئ إذا لم تُطبّق على الجميع؟ وما جدوى البيانات إذا لم تتحوّل إلى متابعة وضغط ومساءلة؟ وأين تقف المنظومة الحقوقية حين تكون هناك حاجة إلى ضمان المحاكمة العادلة، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وحماية الصحافيين من الملاحقة بسبب عملهم؟

المطلوب من المؤسسات المعنية ليس التضامن اللفظي وحده، بل متابعة موثّقة لقضية فرح، والمطالبة بكشف الأساس القانوني لاستمرار احتجازها، وضمان وصولها إلى محاميها، والتحقيق في الشهادات المتعلقة بمعاملتها، والعمل من أجل الإفراج عنها إذا لم يوجد أساس قانوني يبرّر استمرار احتجازها.

فالحقوق لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر باسمها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين يصبح في قبضة الاعتقال.

فرح ليست وحدها… والقضية لا تنتهي عند اسمها

لا يكفي اختزال قضية فرح في كونها صحافية معتقلة، كما أنّ تحويلها إلى رمز مجرّد قد يُبعدنا عن جوهر ما ينبغي المطالبة به. هي إنسانة لها حق في الحرية والكرامة والمحاكمة العادلة، وصحافية لها حق في ممارسة مهنتها من دون أن تصبح هويتها المهنية سبباً للعقاب، وشابة لا ينبغي أن يُترك مستقبلها معلّقاً خلف القضبان من دون ضمانات قانونية واضحة.

وفي الوقت نفسه، تذكّرنا قضيتها بأنّها ليست الوحيدة. فهناك صحافيون فلسطينيون آخرون يواجهون الاعتقال والقيود والمخاطر، وعائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، وأصوات لا تصل إلى العالم إلا بعد أن يدفع أصحابها ثمناً باهظاً. ولهذا، يجب أن تتحوّل المطالبة بحرية فرح إلى جزء من موقف أوسع يدافع عن حق الصحافيين الفلسطينيين في الحياة والعمل والحرية.

إنّ القوة في هذا النوع من القضايا لا تأتي من المبالغة، بل من دقّة الوقائع، ووضوح المطالب، والإصرار على ألّا يُدفن الملف تحت ثقل النسيان. فالتمسّك بالإجراءات القانونية لا يعني التراجع عن المطالبة بالحرية، بل يعني رفض استخدام الغموض والاتهامات العامة لتبرير استمرار الاحتجاز. والدفاع عن حقوق الإنسان لا يكتمل بالتعاطف وحده، بل يحتاج إلى متابعة ومحاسبة وضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

فرح أبو عياش ليست حكاية أسيرة فحسب. إنها قضية صحافية حُرمت من حياتها الطبيعية، وشابة تُحسب أيامها بعيداً عن أهلها ومستقبلها، وحق لا ينبغي أن يصبح موضع تفاوض، وعالم مطالب بأن يثبت أنّ حرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه السياسة لمن تشاء، وأنّ كرامة الإنسان لا تتجزأ بحسب اسمه أو وطنه.

قد تُغلق أبواب السجن على جسد الصحافية، وقد يُقيَّد وصول صوتها إلى العالم، لكنّ ذلك لا يُنهي مسؤولية العالم تجاهها. فهذه المسؤولية تبدأ حين نرفض أن نعتاد خبر الاعتقال، وحين لا نسمح لتحوّل المأساة إلى رقم بأن يمحو الإنسان الذي يقف خلفه.

فرح ليست مجرّد اسم في قائمة الأسيرات؛ إنها امتحان لحرية الصحافة، ولمصداقية العدالة، ولضمير العالم. والسؤال الذي تتركه قضيتها ليس ما إذا كنّا سنتذكّرها اليوم، بل ما إذا كنّا سنفعل ما يلزم كي لا يصبح انتظارها خلف القضبان أمراً عادياً.

المصدر / تسنيم للانباء

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً