فيينا / الأحد 13 . 07 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
محمد علي محيي الدين
في تاريخ العراق، لا يسطع اسم رجل إلا إذا خالطت هيبته الحبر، وتلاقت في شخصه ملامح السيادة والبلاغة، وتآلفت فيه روح الفقيه وقلب الأديب، وهذا ما تجسد في سيرة السيّد جعفر القزويني، المولود في الحِلّة — أو النجف كما ذكر الدكتور البصير في نهضة العراق الأدبية — في القرن التاسع عشر، في بيت شامخ الأرومة، عميق الجذور، ينحدر من سلالة آل البيت الطاهرين.
هو أبو موسى جعفر بن السيّد مهدي القزويني، رجلٌ لم تقتصر عظمته على ارتداء العمامة ولا على الوقوف بين أروقة الدرس، بل غدا عماد مجتمع، وسند مدينة، وصوتًا مسموعًا بين الحكّام، كما وصفه الشيخ علي كاشف الغطاء في كتابه الحصون: “عالماً فقيهاً أصولياً، منشئاً بليغاً، رئيساً جليلاً، مهابا، مطاعاً لدى أهالي الحلة، مسموع الكلمة عند حكامها وأمرائها”.
كان القزويني نسيجًا فريدًا من الهيبة والعلم، جمع بين الجدية في الفقه، والطلاقة في اللسان، والظرف في المعشر. برع في ثلاث لغات: العربية، الفارسية، والتركية، ودرس علوم اللسان في الحلة، قبل أن يشدّ الرحال إلى النجف الأشرف، موئل العلم ومأوى الفقه، ليحضر دروس أعلام عصره، كالشيخ مرتضى الأنصاري، والملا محمد الإيرواني، ويعود بعدها إلى الحلة وقد تهيّأ لحمل عبء الزعامة، لا العلمية فحسب، بل الاجتماعية والإدارية، حتى صار مرجعاً للفقراء وملاذاً للبادية والحاضرة.
الهجرة التي رافق فيها والده إلى النجف لم تكن انعزالًا في طلب العلم، بل إعدادًا لرجلٍ سيكون حلقة الوصل بين الناس والدولة، بين الفقيه والسلطان، بين البادية والمدينة. فكما يذكر الدكتور البصير: “هجرته مع أبيه إلى الحلة أفضت إلى اضطلاعه بواجبات اجتماعية كثيرة لم تكن لتسمح له بقضاء وقته كله بين المحابر والدفاتر”، فلقد اقتنى الضياع، وامتلك الأطيان، لكنّه لم يكن مالكًا مترفًا، بل وجّه كل ذلك لرفعة شأنه وخدمة الفقراء، لا لهوى أو جاه.
أما أدبه، فكان امتدادًا لروحه العذبة ونفسه الأريحية. نثره، كما يقول الباحثون، مزيج بين طريقة الجاحظ وتفنّن ابن العميد، وفيه رائحة البلاغة العباسية حين تمتزج بجلال الفقهاء. وقد ترك لنا تقاريظ ومراثٍ ورسائل، ما زال بعضها محفوظًا في الأعيان للسيد الأمين، تشهد على سعة علمه وحرارة وجدانه.
ما يلفت في شخصية القزويني أنّه كان رجل التناقضات المتجانسة، كما وصفه صاحب البابليات، فقد جمع بين “عظيم الهيبة والعزة ونظافة البزّة وترف العيش”، وبين “تواضع جده النبي وزهد والده الوصي”. وكان مع كل ما تحمّله من أعباء اجتماعية، رجل علمٍ طويل الباع، لم تفته دروس النجف، ولم تنسه الرياسة نصيبه من الدرس والبحث.
إن ذكر جعفر القزويني هو ذكر لمرحلة من تاريخ الحلة، حين كانت المدينة تمشي بخطى علمائها، وتستنير بنور مجالسهم. لقد كان داره مأوى الضيوف، ومقصداً للحاجات، كما قال الشيخ كاشف الغطاء: “تأوي إلى داره الألوف من الضيوف من أهل الحاضرة والبادية، وهو يقضيها لدى الحكّام وولاة بغداد، غير باخل بجاهه”.
في طيف سيرته تتجسد صورة رجل دين لم يكن سجين الحبر والكتب، بل فارسًا في ميدان الحياة، رافعًا راية العلم حيناً، ولواء المجتمع حيناً آخر، وقلّ أن تجتمع تلك الصفات في رجل، فيُكتب له الخلود في كتب التراجم، وصفحات القلوب.
من شعره :
يا لائمي فــي حـــبّ مَن ألحاظـُـــــه فتكت بكـــــل مثقّــــــف ومهنّــــدِ
عجباً تذلّ لي الأســـــــــود مهـــــــابةً وأذلّ إن أبصرتُ طلعةَ أحمــدِ
وأقود كل سميدعٍ يــــــــــوم الوغـــــى وأقاد بين يــــدي أغـــرٍّ أجيــــدِ
كالسيف يمضي حكمه في كلّ ما يلقى وينفذ فيه حكم المبـــردِ
وله يمدح عبد الباقي العمري الشاعر الشهير على تخميسه همزية البوصيري في مدح النبي (صلى الله عليه وآله) :
عجزت دون وصفك الشـــــعراءُ وتناهت عن فضلك البلغـــــــاءُ
أنت للناس في النظام إمـــــــــامٌ كلّهم في ذرى لوائك جــــــــاءوا
كم وكم معجزٌ أبنت به فضــــــــ لك قد ضلّ دونه الفضــــــــــلاءُ
إن أدنى فضيلة لك تعــــــــــــــزى هي أعلى ما تدّعـــي الشعـــراءُ
ليت شعري ماذا أقول وقـــــــــــد حزتَ فخاراً تعنو لـه الجــوزاءُ
أعقــــود منظومــــــــــــــــة أم لآلٍ هنّ والنجم في الضياء ســــواءُ
إن في ظنّ أن يجاريك نظمـــاً رام شيئاً وفاتــــــــــــه أشـــــــــــياءُ
وله في رسالة تجمع بين النثر والنظم جاءت من العلامة الحاج محمد حسن كبة الى المترجم :
أرج من مِـــعاهـــــــــــد الــــــــــــزوراءِ نشــــــره فاح في حمى الفيحــــــــــاءِ
أم عروس زُفّت من الكرخ تمشي لي على الدلّ لا على استحيــــــــاءِ
ونجوم من الرصافة ألبسْــــــــــنَ حمى بابل بــــــــــرود الضيـــــــــــــــــاءِ
أم سطور بها حباني حبيـــــــبٌ هـــــو من مهجتي قريب نائـــــــــــــي
أسكرتني ألفاظهـــــــــــا ومعــــــــــا نيهــــا فقل في الكؤوس والصهباءِ
وسبتني صــــــــــــــدورها وقـــــــــوا فيها فقل في المشوق والحســـــناءِ
هيجت لي شوقاًبها كان قدما كامنــــــــــاً في ضمائر الأحشـــــــــــــاءِ
لفتى ينتمي إذا أنتسب النـــــا سُ فخـــــــــــــــــاراً لأكــــــرم الآبـــــــــــــاءِ
توفي المترجم فجأة في غرة المحرم (1298هـ) وحمل نعشه الى النجف على الرؤوس والأكتاف حيث دفن هناك ورثاه الشعراء فمن جملة من رثاه السيد حيدر بقصيدة مطلعها :
قد خططنا للمعالي مضجعا ودفنّـــــــا الدين والدنيا معـــــــــــا
ورثاه السيد محمد سعيد الحبوبي بقصيدة مطلعها :
نزعتك من يدها قريش صقيلا وطوتك فذّاً بل طوتك قبيــــــــلا ([1])
وقال في البابليات :
“… وله مصنفات في الفقه وغيره ، وشعر رقيق نظمه في صباه ، وقرأت له مراسلات وديّة جرت بينه وبين العالم الأديب الشيخ عبد الحسين الأعسم في مجموعة مخطوطة سنة 1232ه وهي عندي بقلم معاصرهما السيد أحمد زوين النجفي منها ما كتبه الى الشيخ المذكور يشكو اليه فقدانه عند زيارته :
أيا أقصى منــاي ومَن اليـــــــه تجوب البيـــــد أخــفاف النيـــــاقِ
أتيتك زائراً ورجـــــوت أنــــــــــــــي أذيع لديك من بعض اشتيـــاقي
فلم أبلغ مناي وكيف أحضى وحظي لا يســــــــاعد بالتــلاقـــــي
فأجابه الأعسم :
بنفسي من تعطّف بالتـــــــــلاقي عليّ وقد رآني بالســـــــــــــياقِ
أتاني عائداً فأعــــــاد روحـــــــــــــي عقيب بلوغها أقــصى التراقي
وكنت أهـــيم بالذكـــرى ارتياحـــــــاً اليه فكيف بي عند التلاقـــي
وليس يرى صريع الشوق شيئا ألذّ من اللقا بعد الفـــــــــــــــراقِ
فيا من ذقت طـــــعم هواه حـــــلواً وعهدي بالهوى مرّ المــــــذاقِ
سلبت حشاشتي وتركت جسمي يلاقي في الصبابة ما يـــلاقي
نسجــــــــــــــت اليّ سابــغــة أثارت عليّ كمين لوعات اشتياقــــــي
تترجم عن هوى لي منك صاف وكم ود تشرّب بالنفـــــــــــــــــــــاق
… ومن شعره الذي ذكر في البابليات :
قوم جميل نـــــــــــــــــــــداهم عم الأوائل والأواخـــــــــــرْ
وبفيض بحر نوالهـــــــــم كم وارد تلقى وصــــــــادرْ
الضاربين لواء مجـــــــــد فوق هام النجم زاهـــــــــرْ
من تلق منهم تلق بحـ راً بالندى والجود زاخــــرْ
أنّى ترى كأبي الجميل جمال أعواد المنابـــــــــــرْ
وكتب في صدر رسالة الى خاله العباس بن علي بن جعفر كاشف الغطاء :
الى الخال الذي فــــــي وجنة الدهر غدا خالْ
ومن فاق علــــى الآل بأقوال وأفعــــــــــــــــــــــــالْ
وبالسيف وعند الصيف صــــــــوّام وصــــــــــــــــــــــــوّالْ
ويوم المــــــــــحل للوافـــد بالعسجد هطّـــــــــــــــــــالْ
هو (العباس) والبسام إن جاد وإن جــــــــــــــــالْ
فلا زال وحيداً بيــــــــــــــــ ــن أهل الفضــــل لا زالْ
وكان – ره – على سرعة خاطره في النظم غير مكثر منه لأنه يعد الشعر دون مقامه ، وليس له من القصائد المطوّلة سوى ما قاله في أجداده الطاهرين (عليهم السلام) . وقد حدّثنا جماعة من معاصريه انه كان يستقبل هلال المحرم من كل عام بقصيدة يؤبن فيها جده الحسين (عليه السلام) وتنشد في المأتم الذي ينعقد في دارهم العامرة طلباً للأجر ومساهمة في تلك الخدمة الكبرى ، وقد دون والدنا – ره – من ذلك عشر قصائد في مجاميعه المخطوطة وقد جمعناها في كراسة خاصة أسميناها (الجعفريات) وصدرناها بكلمة وجيزة عن أسرته وحياته ، تقع في 49 صفحة وقد طبعت في النجف سنة 1369ه… [وذكر مطالع هذه القصائد العشر المشار اليها] …”([2])
المصادر:
الشيخ علي كاشف الغطاء، الحصون المنيعة
الدكتور علي البصير، نهضة العراق الأدبية
السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة
الشيخ محمد علي اليعقوبي البابليات
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل