أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / السيد مهدي القزويني فقيهٌ حمل الدعوة على قدميه

السيد مهدي القزويني فقيهٌ حمل الدعوة على قدميه

فيينا / الثلاثاء  05  . 08 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

حين يُذكَرُ اسم السيد مهدي القزويني، يتنفس التاريخ عبقه، وتتهامس المجالس بوقاره، فهو ليس مجرد فقيه من فقهاء الشيعة، ولا مجرد مؤلف في بطون الكتب، بل هو رجل نهض برسالة، وحمل هُدىً في قلبه، وجعل من العلم والميدان رفيقين لا يفترقان.

ولد السيد مهدي، أبو جعفر معز الدين بن محمد بن الحسن بن السيد أحمد القزويني، في النجف الأشرف سنة 1222هـ، تلك المدينة التي لا تُمنح الولادة فيها منزلة إلا إذا أزهرت في ربوعها علوم الرجال، فكان منذ نعومة أظفاره تلميذًا في رحاب الحوزة، يجثو بين أيدي العلماء، عربًا وفرسًا، ينهل من معين المعرفة.

درس على أعلام عائلته القزوينية العريقة، وعلى علماء أجلّاء من آل كاشف الغطاء، منهم الشيخ موسى وأخواه الشيخ علي والشيخ حسن، فاستوت له القاعدة العلمية، وأجازَه عمّه السيد تقي القزويني سنة 1241هـ، وخصّه بثناءٍ يقطر مودةً واعترافًا بالتفوّق، وهو ثناء لا يُمنح إلا لمن استحقه عن علمٍ وسلوك.

لم يركن السيد مهدي إلى زوايا الكتب، ولم يكتفِ بمداد القلم، بل حمل علمه إلى الناس، وسار به على قدميه. ففي سنة 1253هـ، وهو في ريعان الشباب، هاجر إلى الحلّة، وجعل منها وطنًا ومرتعًا لدعوته، وكانت الحلة آنذاك مدينةً تتوسّط الريف وتستقبل مدنه، فكان يجول في أطرافها، من العذّار إلى بوادي زبيد، يُرشد ويُعلّم، يواسي الفقراء ويجادل المترفين، وينفخ في النفوس حرارة العقيدة. وقد تستغرق جولاته في الريف شهرين أو أكثر، يعود بعدها إلى الحلة مشبعًا بتجارب الناس، فينصرف إلى التأليف والبحث وكأنّه يكتب بروح الحياة التي رآها ولامسها.

خلف السيد القزويني آثارًا علميةً لا تزال في معظمها حبيسة المخطوطات، وكأنها تنتظر من يُخرجها إلى نور القرّاء. من أبرز كتبه “بصائر المجتهدين” وهو فقه على تبصرة العلامة الحلي، و”نفائس الأحكام” في الفقه، و”رسالة في حجية خبر الواحد”، و”السبائك المذهبة” وهي منظومة أصولية، و”الصوارم الماضية” في علم الكلام، وشرحٌ على ألفية ابن مالك في النحو. وقد طُبع في حياته فقط كتابه “فلك النجاة” في إيران سنة 1298هـ، و”رسالة عشائر العراق”، أما بقية مؤلفاته فلا تزال تنتظر سعي المُحققين.

قال فيه الشيخ عباس القمي، ناقلًا عن أستاذه الشيخ النوري، ما نصه: “السيد الأجل السيد مهدي القزويني الحلي، ذكره شيخنا صاحب المستدرك في مشايخ إجازته بالتعظيم والتبجيل بعبارات رائقة، ثم قال: وهو من العصابة الذين فازوا بلقاء من إلى لقائه تمدّ الأعناق – صلوات الله عليه – ثلاث مرات، وشاهد الآيات البيّنات والمعجزات الباهرات.”

ويُروى أنه بفضل دعوته، اعتنق التشيّع نحو ف نفس من الأعراب، من داخل الحلة وأطرافها، وهي شهادة على أثره العملي، إذ لم يكن مرجعًا محصورًا في حلقات الدرس، بل حامل دعوة، مجاهدًا بالكلمة، منافحًا بالعقل، حريصًا على الوصول إلى العقول المترددة في أقصى البوادي.

أما وفاته، فكانت كما حياته، حافلةً بالرمزية. ففي سنة 1300هـ، وبينما كان عائدًا من الحج، توفي رحمه الله عصر يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول، على مقربةٍ من السماوة، بعد أن قضى حياته حاملاً الرسالة، ومات وهو في طريق الطاعة. يقول الشيخ عباس القمي إن كرامة باهرة ظهرت منه لحظة وفاته، بمحضر من الموافق والمخالف، وهي إشارة تُجسد خاتمة حياة رجل عاش لله، وعاد إليه في لحظة مشهودة.

دُفن قرب عمّه السيد باقر القزويني، وكأن الوفاء العلمي والروحي امتد حتى بعد الممات، فآثر أن يجاوره في مثواه الأخير، كما جاوره في ميادين الفكر والتربية.

وقال فيه المؤرخ السيد حسون البراقي في الدرّة الغروية: “السيد الهمام والحبر القمقام صاحب العلوم العجيبة والتصانيف الغريبة… توفي عند رجوعه من بيت الله الحرام على بعد فرسخين من السماوة في طريق السلمان، وجاءوا به عصر يوم الأحد الـ 25 من ربيع الأول، وكانت وفاته عصر الثلاثاء الـ 13 من الشهر سنة 1300هـ، ودفن قرب عمه السيد باقر القزويني.”

رحم الله السيد مهدي القزويني، فقد كان مرجعًا يكتب ويجول، يُعلّم ويقود، يُناظر ويؤلف، يجمع في شخصه بين هدوء الفقيه، وصلابة الداعية، وعقلية المُصلح. لم تكن حياته حكايةً جامدة بين دفتي كتاب، بل كانت نبضًا حيًّا، وسيرته صفحة ناصعة في سجل العلماء الذين خدموا الدين بالقدم والقلم معًا. …”  ([1])

من شعره :

من مرائيه في الحسين (عليه السلام) قوله من قصيدة :

حرام لعيني أن يجـــــفّ لها قطـــــــرُ     وإن طـــالت الأيـــام واتصــــــــل العمــــــــــرُ

وما لعـــيون لا تجــــــود دموعهــــــــا     همولاً وقلـــب لا يذوب جـــــــــوى عـــــــذرُ

على أن طول الوجد لم يبق عبرة      وإن مــــدّها مـــن كل جارحـــــــة بحــــــــــرُ

كذافليجلّ الخطب وليـــــفدح الأسى      ويصبح كالخنســــــاء من قلبه صخــــرُ

لفقد إمام طــــــــبّق الكــــــــون رزؤه       وحالت عليه الشمس وانخسف البدرُ

الى أن يقول :

الى أن ثوى تحت العــــــجاج تلفّـــه       برود تقى من تحتها الحمد والشــكرُ

فتى كـــان للاجي مُغيـــــــثاً ومنعـــــةً       وغيثـــــــــــاً لراجيه إذا مســّه الضــــــــرُّ

فتى رضّت الجرد المضامير صدره       فأكرم به صدراً له في العلى الصدرُ

فتى رفعوا فـــوق العـــــواسل رأســـه       كـــــــأن محيّاه لداجـي الورى فجـــــــــرُ

لئن غيّرت بيض السيوف جوارحا       له فالمعالي الغــــــــرّ أنـــوارها ســـــــــفرُ

وإن برزت من غير ســــتر نســــاؤه       فأنوارها بعـــــــــد العفاف لها ســــــــــترُ

توفي المترجم سنة (1300هـ) عصر يوم الأحد (25 ربيع الأول)عند رجوعه من الحج على بعد فرسخين من السماوة في طريق السلمان …”وقد رثاه جماعة من أدباء النجف والحلّة منهم السيد حيدر الحلّي بقصيدة مطلعها :

أرى الأرض قد مارت لأمر يهولهــــا    فهل طرق الدنيا فناءٌ يزيلهـــــــــــا

ومنهم السيد محمد سعيد الحبوبي بقصيدة مطلعها :

سرى وحداء الركب حمدُ أياديـــــــه   وآبَ ولا حادٍ بهم غير ناعيــــــــــــه

ومنهم السيد جعفر الحلّي بقصيدة مطلعها :

أأعزّي الكون إن البدر غابا     أم أهنّيــــــه بأن السعد آبـــــــا([2])

. … ومن شعره الذي ذكر في البابليات :

أهاشم لا للبيض أنت ولا السمر      ولا أنت للقود الهجــــــانِ ولا المهـــــرِ

ولا أنت للخيل العتاق شوازبـــــــا       من البيت تفري البيد قفرا على قفرِ

ولا أنت للحرب الزبــــون إذا بدت     نواظرها للشوس شزراً على شــــــزرِ

الم تعلمي بالطفّ ماذاالذي جرى     وكم قد غدا في كربلا لك من وتــــرِ

ليوم حسيـــن غلـــة لـــــن يبلّهــــــــــا     سوى السمروالبيض المهنّدة البُترِ

وخوض الردى في فتية قدتطلعوا     الى المجد بالبيض الرفاق وبالسمرِ

… وله :

لحيدر قبر بالغريّ إذا التجـــــــى      إليه جميع العالمينَ أُجيـــــــــــروا

بناه له باريه عرشاً به عــــــــلا       رحى قطبه عرش الجليل يدورُ

ومن عجبي ان الوباء يحلّ في      بلاد حمى منه الوباء يحــــــورُ

ولكنه إذ كان للأمن مــــــــــــــورداً      فعنه لكلّ الحادثات صـــــــــــدورُ

وله :

الى موســى بن جعـــــفر والجواد     حثثنا الركب من أقصى البـــــلادِ

وسالـــت من بنــــات العيش فينا      من الشمّ الشناخب للوهــــــــــــــادِ

نجـــائب ترتـــمي صبـــحاً بــــوادي      وتمسي في مراتعها بــــــــــــوادي

هجـــان تلـــــتوي فـــــوق الروابــي      كصلّ الرمل نضـــــنض بارتعـــادِ

وحـــرف كلــــما خبـــــــــت علاهــــــا      سرادق في الكثــــيب بلا عمــــادِ

وتخفى في السراب ضحى وتبدو      لدى الإدلاج ليـــلاً باتقـــــــــــــــــــادِ

كأن مناســم الأخفاف منهـــــــــــــــا      صيارف قد أعــــدّت لانتقــــــــــــــادِ

بأخفاف لها في الرمـــــل نقـــــشٌ       وفي صلد الحصى شرر الزنادِ

وتكتب في صــحائف للصـحارى       سطــوراً للهـــــداية والرشـــــــــــــــــادِ

كأن حروف أســطرها نجــــــــــــوم       بجنح اللـــيل للســـــاري هــــــوادي

فتهــــوي للقرى قبل التدانـــــــــــي       وتبرك للحـــــــبى قبل التنــــــــــادي

وألقيتُ العصـــــا في باب مولى        بلغت ببابه أقصى مــــــــــرادي([3])

([1] ) تاريخ الحلة : 2/237-238 ، وشعراء الحلة للشيخ علي الخاقاني.

([2] ) تاريخ الحلة  : 2/237-2239

([3] ) أعيان الشيعة مج15/15-16

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً