أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / الجمعة  08  . 08 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

رسل جمال*

“ماكو شي ميفيد إلا ذخر السوء”… مثل شعبي عراقي توارثته الأجيال، تتناقله الجدات كما تتناقل الحكايات، وتردده الأمهات في لحظات التأمل والخذلان، وغالباً ما يأتي على ألسنتهن بعد صدمة من قريب أو خذلان من شخص توقّعن منه الخير، فإذا به لا يجلب إلا الضرر.
المثل في ظاهره بسيط، لكن في جوهره يحمل حكمة عميقة: كل شيء في هذه الدنيا له فائدة ما، وظيفة، مهمة، دور يؤديه ولو كان بسيطاً أو غير ظاهر للعيان, النبات، الحيوان، الجماد، حتى الألم له أحياناً غاية، والخذلان قد يفتح أعيننا، والخسارة قد تعلمنا، كل شيء له “فائدة” في النهاية ما عدا الإنسان السيّئ، ذلك الذي وجوده في الحياة يُثقل كاهل الآخرين، لا يضيف، لا يُصلح، لا يعين، بل قد يتحوّل إلى نقمة تمشي على قدمين.
ذلك الإنسان الذي يختار بإرادته أن يكون أداة أذى، لسانه سيف مسموم، أفعاله نار تحرق من حوله، لا يُرجى من ورائه خير، ولا تُؤمَن جانبه. بل قد يدعو الناس عليه، يتمنّون زواله، يقولون “يا ريت ما عرفناه”، يهمسون أو يجهرون: “الله يميته شر ميته”، وهي عبارة فيها من الأسى ما يكفي لتدل على حجم الضرر الذي سببه لهم.
والمدهش أن الأمثال الشعبية مثل هذا، لا تُقال عبثاً، بل هي محصلة تجارب ومواقف، ودروس عميقة تختصرها جملة واحدة، لكنها تحمل تأريخاً من المعاناة، هذا المثل تحديداً يضعنا أمام سؤال مرير: ما الذي يجعل الإنسان – وهو أعقد وأرقى مخلوق – يتحول إلى كائن بلا فائدة؟ بل أسوأ من ذلك، إلى مصدر ضرر؟
الجواب لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل، إنه خيار نعم، خيار أن نكون جزءاً من البناء أو جزءاً من الخراب ،أن نترك أثراً أو نبقى عابرين كالغبار، خيار أن يكون وجودنا إضافة، حتى لو بسيطة، أو أن نكون ثُقلاً على صدور من حولنا.
وهنا تكمن المفارقة… الحيوان حين يؤذي، إنما يفعل بدافع غريزة أو دفاع عن نفسه، أما الإنسان حين يؤذي، فإنه في أحيان كثيرة يخطط ويُتقن الإيذاء، بل يستلذ به، وهنا يصبح وجوده بلا غاية، بل وجوده يفسد الغايات.
فلنتأمل، كلٌ منّا، في أثره. نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن ذخر أم عبء؟ هل غيابنا سيترك فراغاً أم راحة؟ هل نُذكَر بالدعاء أم بالحسرات؟
ولعل هذا المثل الذي نردّده دون أن ننتبه لعمقه، هو دعوة غير مباشرة للمراجعة الذاتية… لأننا لا نريد أن نكون “ذخر السوء” الذي لا فائدة تُرجى منه، بل نريد أن نُذكَر يوماً بأننا كنا خيراً لمن حولنا، أو على الأقل، لم نكن شراً.

*سكرتير التحرير بغداد 

بغداد / 08 . 08 . 2025
جريدة السيمر الاخبارية
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً