فيينا / الأربعاء 01 . 10 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
أجمع عدة خبراء حاورتهم فرانس24، على أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، اللذين اجتمعا الأربعاء في كوبنهاغن لبحث سبل مواجهة “الاختراقات الروسية” المتكررة مؤخرا، يواجهان عدة تحديات، أبرزها لجوء موسكو إلى “حربٍ هجينة” غير معلنة صراحة، ولكن أيضا، حفاظها على منسوب تصعيد محدد يسمح بإرباك القيادة الأوروبية والغربية، ويجعل احتمالات رد الناتو عليها عسكريا “بلا مبرر”.
زودت دول غربية عدة بينها الولايات المتحدة وفرنسا السلطات الدانماركية بمعدات مضادة للطائرات المسيّرة ردا على عدة حوادث أخيرة ربطت بروسيا.
وبدءا من الأربعاء وحتى الخميس، تستضيف كوبنهاغن قمة أوروبية يشارك فيها أربعون رئيس حكومة، لبحث هذه الأزمة. وستناقش الدول السبع والعشرون سبل تعزيز الدفاعات الأوروبية.
تريد بروكسل في هذا الإطار، إعطاء الأولوية لأربعة مشاريع رئيسية: الدفاع الجوي وتعزيز خاصرتها الشرقية والدفاع الصاروخي و”الجدار المضاد للمسيّرات“.
“روسيا تشكل تهديدا لأمن أوروبا”
تعقيبا على هذه التطورات، قال حسام شاكر خبير الشؤون الأوروبية والدولية من فيينا، في تصريحات لفرانس24، إن حلف شمال الأطلسي والدول الأوروبية أظهرا “في الأسابيع الأخيرة استجابة سريعة وقياسية نسبيا ردا على التحديات والتهديدات المستجدة المتمثلة في اختراق أجوائها. بدا هذا ملحوظا من خلال إطلاق مبادرة الحارس الشرقي وجدار المسيّرات، ورسائل التضامن داخل أوروبا وحلف الناتو”.

يأتي هذا فيما حلّقت مسيّرات مجهولة فوق عدد من مطارات الدانمارك مؤخرا، ما أدى لإغلاق مطار العاصمة لفترة وجيزة، ومنشآت عسكرية. وعلى الرغم من عدم تحديد هوية المسيّرات، اتهمت رئيسة الوزراء موسكو. وقالت ميته فريدريكسن إن “هناك دولة رئيسية تشكل تهديدا لأمن أوروبا، هي روسيا”.
ومنذ 22 سبتمبر/أيلول، رُصد تحليق متكرر لطائرات مسيّرة مجهولة فوق مواقع دانماركية ونرويجية حساسة، كالمطارات والقواعد العسكرية. تزامن تحليق المسيّرات في الدول الاسكندنافية مع اختراقات جوية روسية في أجواء دول الناتو مثل بولندا ورومانيا وإستونيا.
وكانت ثلاث طائرات حربية روسية قد دخلت الجمعة 19 سبتمبر/أيلول المجال الجوي الإستوني فوق خليج فنلندا وبقيت فيه لمدة 12 دقيقة.
“روسيا تشن حربا هجينة”
والأربعاء، دعت فريدريكسن إلى “رد قوي جدا” من أوروبا على “الحرب الهجينة” التي تشنها روسيا. وقالت: “نحن في حاجة إذا إلى رد قوي جدا”. وتابعت، لدى افتتاحها القمة: “آمل أن يكون الجميع يقر الآن بأن هناك حربا هجينة. في بولندا يوما، وفي الدانمارك يوما آخر، والأسبوع التالي سنرى على الأرجح في مكان آخر عمليات تخريب أو مسيّرات تحلق”.
يضيف حسام شاكر أن دول الناتو والاتحاد الأوروبي قد تلجأ إلى اتخاذ إجراءات جماعية، وتوقع أن تخرج قمة كوبنهاغن بخطوات معينة “لكن لن تقوى على معالجة جوهر المعضلة المتمثل في أن القيادة الروسية تبدو أقل تحفظا في استثارة خصومها الغربيين، والتوجه إلى إجراءات مستفزة واختراق ما كان يعد خطوطا حمرا”.
وحتى قبل القمة، بادرت عدة دول بالتحرك تحسبا لأي تداعيات لتلك الاختراقات. فقد نشرت فرنسا “وحدة موقتة مشتركة في الدانمارك سبق أن بدأت مهمتها، تضمّ 35 عنصرا ومروحية من طراز فينك بالإضافة إلى معدات فعّالة لمكافحة الطائرات المسيّرة”.

كما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الثلاثاء، أنه سيرسل فريقا عسكريا إلى الدانمارك من أجل “تبادل الخبرات” في مجال التصدي للطائرات الروسية المسيّرة خلال “تدريبات مشتركة”.
ودائما ما تتهم عواصم أوروبية عدة موسكو بشن حرب هجينة على الدول التي تدعم كييف، من خلال عمليات سرية، أو تدخل رقمي، أو عن طريق اختبار جهوزية الدفاعات العسكرية، بهدف زعزعة استقرار أوروبا وحلف شمال الأطلسي أو اختبار قدراتهما.
“منسوب التصعيد لا يبرر رد الناتو”
في هذا السياق، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأربعاء، إن التكتل لن يسمح لروسيا بزرع “الشقاق والقلق في مجتمعاتنا”. وصرحت: “لدينا مسيّرات في بولندا، واجهنا اختراقا للمجال الجوي الإستوني”، مشددة على أن روسيا تسعى إلى “اختبارنا” لكن “أيضا إلى زرع الشقاق والقلق في مجتمعاتنا. لن نسمح بحصول ذلك”.
من جانبه، أكد وزير الدفاع الفنلندي الثلاثاء، أن بلاده لن تخضع لأي ترهيب في مواجهة محاولات لزعزعة الاستقرار، سواء ضدها أو ضد بقية دول أوروبا، بواسطة مسيّرات أو هجمات “هجينة”. ولفت أنتي هاكانن إلى “عدم وجود دليل مباشر” على مسؤولية موسكو، لكنه اتهمها بممارسة “شتى أنواع التأثيرات الهجينة”، وبأنها “تسعى لإثارة اضطراب الغرب بمثل هذه المسيّرات”.
على الرغم من ذلك، يبدو أن الرد الأوروبي سينتظر مزيدا من الوقت. يشرح حسام شاكر، بأن موسكو دأبت منذ السنتين الأوليين للحرب في أوكرانيا، على التلويح بالخيار النووي، “بينما تلجأ اليوم إلى خيارات هجينة ضاغطة ومستنزفة لمعنويات القيادة الأوروبية”. ويشير الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية إلى أن بقاء روسيا عند هذا المنسوب من التصعيد “لا يبرر لحلف الناتو القيام بأي رد عسكري”.
من جهته، اعتبر د. محمد صالح الفتيح خبير في الشؤون الدفاعية والدولية من لندن، بأن روسيا تبحث عن “حلول غير تقليدية” لمواجهة التفوق التقني للغرب، “عبر استخدام الطائرات المسيّرة في اختراق المجال الجوي لدول الناتو وإرباك حركة المطارات والفعاليات الاقتصادية ومن ثم الحكومات الأوروبية وإثارة الاحتجاجات لدى الرأي العام الأوروبي”.
كما أثار الفتيح في تصريحات لفرانس24، مسألة الحرب الهجينة أيضا، معتبرا أن “فشل الرهان الروسي السابق على إثارة قلاقل اجتماعية في أوروبا عبر أزمة الطاقة، يدفعها إلى اقتباس دروس من التجربة الإيرانية في عمليات المنطقة الرمادية أو تكتيكات الحروب الهجينة”. مضيفًا: “ينصب التركيز الروسي على تأكيد عدم المسؤولية لإرباك صانعي القرار الأوروبيين، الذين أكدوا استعدادهم للجوء للخيار العسكري”.
القلق الأوروبي… من السماء إلى البحار
لكن الهواجس الأوروبية لم تعد تتوقف عند الخوف من الهجمات الجوية وحسب، بل مما يطلق عليه “الأسطول الشبح” الروسي المكون من عدة سفن، ويشتبه في استخدام موسكو له لشن هجمات، بما في ذلك بالطائرات بدون طيار.
في هذا السياق، أعلنت فرنسا أنها تحقق في انتهاك مزعوم من قِبل ناقلة النفط الروسية “بوراكاي” التي ترفع علم بنين، والخاضعة لعقوبات، وهي راسية قبالة ساحل سان نازير (لوار أتلانتيك) بشمال غرب فرنسا. وقال متحدث باسم البحرية الفرنسية الثلاثاء: “بعد الاشتباه في انتهاك ناقلة النفط “بوراكاي”، قُدم بلاغ إلى مكتب المدعي العام المحلي في بريست. والتحقيق جار”.
ووصلت السفينة الروسية إلى عرض السواحل الفرنسية الإثنين، ويُشتبه في انتمائها إلى “الأسطول الشبح” الروسي، ومشاركتها في تحليق طائرات مسيّرة فوق الدانمارك مؤخرا. والسفينة التي يطلق عليها أيضا “بوشبا” هي إحدى السفن التي تُشكل محور التحقيق الدانماركي، إلى جانب أسترول-1، وكذا سفينة أوسلو كارير-3.
يتابع د. محمد صالح الفتيح أن روسيا أجرت أصلا أبحاثا واختبارات في هذا المجال منذ فترة سبقت حرب أوكرانيا، “شملت تطوير منظومة Klub-K التي يمكن أن تطلق صواريخ Kalibr الجوالة المضادة للأهداف البرية، انطلاقا من مستوعبات شحن تجاري من قياس 40 قدما، أو صواريخ KH-53UE البعيدة المدى المضادة للسفن من مستوعبات شحن تجارية من قياس 20 قدما”.
وكانت شرطة العاصمة الدانماركية أكدت لفرانس24 الأربعاء الماضي، أن تحليل “البيانات حول تواجد سفن بالمنطقة التي من المحتمل أن تكون الطائرات المسيّرة قد انطلقت منها وحطت فيها” هو ضمن التحقيقات الجارية. تسمح معرفة مصدر المسيّرات في تحديد هوية المسؤولين عن إطلاقها. يتجلى هذا في الروابط الوثيقة إلى حد ما بين موسكو والسفن الثلاث التي ذكرتها وسائل الإعلام الدانماركية.
وقد تم فعلا تحديد مسار سفينتين وناقلة نفط من مراقبين ومحللين من مصادر مفتوحة، يعملون على تتبع السفن “المشبوهة”. فمثلا، اتبعت سفينة الشحن أسترول-1 “مسارا غير منتظم مع عدد كبير من التعرجات” قبل أن تمر قرب كوبنهاغن، وفق بيتر مولر صحافي قناة TV2 الذي حلل رحلة السفن الثلاث.

من جهته، يوضح جاسم محمد باحث في الأمن الدولي من بون في ألمانيا، ومدير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، في تصريحات لفرانس24، بأن احتمال استخدام السفن الروسية و”أساطيل الظل” كمصدر لإطلاق المسيّرات على أجواء الدول الأوروبية هو “واحد من السيناريوهات المحتملة”، لكنه يدعو في المقابل إلى “التأكد والتحقق أولا من خط سير هذه السفن”. من جهة أخرى، عندما تكون هناك سفن واصلة إلى موانئ دول أوروبية يمكن إجراء تحقيق جنائي على متن هذه السفن للبحث عن بقايا أو آثار لإطلاق مثل هذه الطائرات المسيّرة، يضيف نفس الخبير.
“عمليات تنفذ من الداخل الأوروبي”
موقع ذا إنسايدر The Insdier ضرب مثلا بمسار سفينة الشحن “أسترول 1” التي ترفع العلم الروسي، وهي من أوائل السفن التي خضعت للتدقيق. ووفقا لنفس المصدر، أظهرت بيانات تتبع موقع “ستاربورد“، دخولها مضيق كاتيغات شمال كوبنهاغن في 21 سبتمبر/أيلول، وقيامها بعدة مناورات بحرية متعرجة غير عادية قبل أن تبحر إلى مضيق أوريسند قرب العاصمة الدانماركية في صباح اليوم التالي، ثم عبورها المضيق في خمس ساعات، قبل أن تواصل رحلتها إلى بحر البلطيق.
يضيف د. محمد صالح الفتيح أن التسريبات الاستخبارية حول استخدام روسيا “أسطول الشبح”، لإطلاق المسيّرات، “ذات مصداقية عالية”. وهو يذكّر بأن موسكو عملت منذ سنوات “على تطوير أسلحة يمكن إطلاقها من مستوعبات شحن تجارية قياسية والتي تنقلها السفن التجارية”.
يختم محمد جاسم، بأن مسألة الهجمات التي تتهم روسيا بالوقوف وراءها عبر أكثر من بلد أوروبي، بشكل عام، هي ما أثاره مؤخرًا سيناريو طرحته الاستخبارات الأوروبية وخاصة الألمانية، وهو يتحدث عن “تواجد عملاء، ينشطون لمرة واحدة، من داخل الدول الأوروبية. حيث يقومون بتجميع الطائرات المسيّرة وإطلاقها من قلب أوروبا نفسها. هم في الغالب من الموالين لروسيا” وفقا له.
المصدر / فرانس 24
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل