فيينا / الأثنين 13 . 10 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
وقّع الإثنين، قادة مصر وقطر وتركيا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وثيقة إنهاء الحرب في غزة، وذلك مع انطلاق قمة شرم الشيخ المصرية. غير أن خطة ترامب بشأن السلام في القطاع الفلسطيني المدمر، تواجه سلسلة من التحديات التي تهدد تنفيذ بقية مراحلها. خصوصا في ظل غموض الآليات المقترحة لانسحاب إسرائيلي كامل، حسب الضمانات التي تطلبها حركة حماس، والتباين في مواقف الأطراف المعنية، وسط انقسامات داخلية فلسطينية، وعدم توافق الأطراف على بعض البنود الجوهرية، إضافة إلى شروط إسرائيلية من أجل “ضمانات أمنية” صارمة.
شرعت الإثنين، كل من حركة حماس وإسرائيل في تطبيق المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة والمتعلقة خصوصا بتنفيذ عمليات تبادل للرهائن الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين، وذلك بعد دخول وقف إطلاق النار الذي يشمل وقف جميع العمليات العسكرية البرية والجوية من كلا الجانبين الجمعة الماضي حيز النفاذ، وتوقيع وثيقة اتفاق شامل الإثنين، بشرم الشيخ المصرية، ينهي الحرب في غزة.
ويمكن القول إن ما نفذ إلى الآن من الاتفاق هي المراحل السهلة نسبيا، وبمقدور الطرفين الوفاء بالتزاماتهما حيالها فوريا. لكن المعضلة الأساسية تكمن في المراحل التالية التي تتميز بصعوبة بالغة في تنفيذها. فخطة ترامب بشأن غزة، تتضمن الخطوات المستقبلية التالية:
أ. الانسحاب الإسرائيلي التدريجي: تشرع القوات الإسرائيلية في الانسحاب الميداني من قطاع غزة على مراحل، إذ يتم تحديد مناطق خفض التوتر أولا، وتعقبها مراحل انسحاب كاملة حتى الحدود. وتتولى لجان مراقبة دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر ومصر الإشراف الميداني والتوثيق.
ب. نشر قوة رقابة دولية: فور اكتمال الانسحاب، تنشر قوة دولية أو عربية موسعة (ذات تفويض أممي) في النقاط الحدودية والمعابر ومواقع التماس لمنع العودة إلى العمليات العدائية وللإبلاغ عن أي خروقات محتملة.
ج. ضمانات أمنية وحقوقية: تؤسس لجان رقابة تثبيت دائمة للتأكد من تنفيذ الاتفاق، وتتابع التزامات الطرفين عبر تقارير دورية للجهات الضامنة (أمريكا، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي).
جميع هذه المراحل من الاتفاق مقترنة بإجراءات تدريجية تعتمد مبدأ “خطوة مقابل خطوة”: لا يتم الانتقال لمرحلة تالية إلا بعد توثيق تنفيذ الخطوة السابقة بالكامل.
كما إنها مرتبطة بخطط زمنية مرنة تعتمد على تقارير الرقابة والتزام الأطراف، ولكنها تظل، وفق معظم الخبراء، مرهونة بمدى جدية المجتمع الدولي في المتابعة وعدم السماح لأي طرف بالإخلال بالتنفيذ أو تعطيله.
غموض فعالية الآليات المقترحة
تكشف مصادر متعددة، منها صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، أن الخطة تتناول مراحل تتويجها بانسحاب إسرائيلي متعدد المراحل، مع تشكيل قوة دولية لمراقبة التنفيذ، لكن مصادر فلسطينية وإسرائيلية تشير إلى عدم وضوح التفاصيل، خاصة فيما يتعلق بآلية نزع السلاح وفرض الرقابة.
ويقول الدكتور إيال زيسر، من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، للصحيفة إن “الآليات المقترحة لا تزال غير محددة بشكل كاف، مما يهدد احتمال تطبيقها في ظروف معقدة مثل [تلك السائدة في غزة، توضيح المحرر] غزة”.
فيما تُظهر استطلاعات رأي أن غالبية الإسرائيليين، بواقع حوالي 66 بالمئة، يؤيدون خطة ترامب، لكن هناك معارضة من بعض الأحزاب، خاصة من اليمين الحاكم، مثل حزب بنيامين نتنياهو (لليكودا)، الذي يطالب بتعديلات على البنود، لا سيما مسألة نزع السلاح وإعادة الانتشار، وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت“.
وقد ذكر مسؤولون أمنيون أن نتنياهو يطمح لتعديل بعض البنود قبل الموافقة النهائية، للتأكد من أمن إسرائيل، وهو موقف يلقى دعما من أحزاب اليمين، التي تعتبر أن الخطة قد تضعف الردع الإسرائيلي إذا تمت الموافقة عليها على النحو الحالي.
وترفض أحزاب اليمين القومي المتشدد (مثل الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش وحزب عوتسما يهوديت بقيادة بن غفير) إلغاء سيطرة إسرائيل الأمنية الكاملة على غزة أو تسليم المسؤولية لأي جهة غير إسرائيلية. واتهما الخطة بأنها “رضوخ لإرهاب حماس” وهددا بالانسحاب من الائتلاف إذا جرى تخفيف متطلبات الأمن.
الوضع في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مختلف قليلا، إذ ترى بعض القيادات العسكرية إمكانية قبول الخطة، بشرط وجود ضمانات أمنية صارمة، وانتشار قوة دولية كافية للسيطرة على الحدود ومواقع التماس. وهؤلاء يميلون لمرونة أكبر حال تحقق الأمن، خاصة تحت ضغط المجتمع الدولي والأمريكي.
يقول أمير بار شالوم، المحلل الأمني الإسرائيلي: “أي قوة رقابة دولية ستوجد مناطق تماس ومنع حركة أمام الجيش الإسرائيلي، مما يضعف فاعليتنا الميدانية… أي خطأ تنظيمي كفيل بخلق فراغ أمني أو مواجهات غير متوقعة مع عناصر مسلحة لم توقع على الاتفاق”.
بينما يقول الخبير العسكري الإسرائيلي، ناحوم برنياع، إن “فشل تطبيق الآليات بسبب التعنت الإسرائيلي أو رفض حماس سيعرقل أي جهود حقيقية، مما يضع مستقبل غزة في مهب الريح”.
أما أحزاب المعارضة الإسرائيلية اليسارية والوسطية (مثل القائمة المشتركة وحزب العمل) فإنها تدعم وقف إطلاق النار وتحقيق تهدئة طويلة المدى، وتعتبر أن المخرج الحقيقي يكمن في حل سياسي يضمن الحقوق للفلسطينيين. وصرح يائير لبيد، زعيم المعارضة، أن “الأولوية يجب أن تكون لحماية أرواح الجنود والمدنيين، ويجب السعي لنهاية حقيقية للنزاع، لا مجرد هدنة مؤقتة”.
لكن هناك قلق شعبي ملموس في الداخل الإسرائيلي من “تكرار تجربة الانسحاب من غزة عام 2005″، لذا يطالب كثيرون بوجود ضوابط صارمة وإجراءات مراقبة دولية قوية. تشير كل هذه المواقف إلى أن التوافق الداخلي هشّ، وأن نجاح الخطة يتطلب جسر فجوة الثقة بين الحكومة، الأمن، المعارضة والجمهور، إضافة إلى رضى القوى الإقليمية والداعمين الدوليين.
حركة حماس والفصائل الفلسطينية
حماس، وفق تصريحات قياداتها، تتخذ موقفا متشككا من الخطة، وتؤكد على أن نزع سلاحها غير قابل للنقاش، وتعتبر ذلك شرطا أساسيا للموافقة على أي اتفاق.
يقول القيادي في حماس، حسام بدران لسكاينيوز العربية: “لا نسمح بالتفريط بسلاح المقاومة، وهو خط أحمر غير قابل للمراجعة”. ويضيف: “لن نسلّم سلاحنا لأي قوة، ولن نسمح بأي حصار جديد تحت مسمى رقابة دولية أو قوة أجنبية. التجربة علمتنا أن المجتمع الدولي لا يستطيع ضمان سلامة شعبنا أو تنفيذ الاتفاقات”.
وتصر الحركة على مطالبها بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وتربط بين ذلك وبين أي تفاوض جدي، مما يعقد مفاوضات تطبيق الخطة. وتشارك الفصائل الفلسطينية الأخرى مثل “الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” الموقف نفسه مع حركة حماس.
ويؤكد الدكتور حسن أبو حسن، أستاذ العلاقات الدولية، أن “حجم الضغوط الدولية وإرادة المجتمع الدولي قد يكون العامل الحاسم، خاصة في تطبيق القوة الدولية وإلزام إسرائيل بجدول زمني واضح”.
من جهة أخرى، يبدو أن السلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس محمود عباس ترى أن الخطة فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع، لكن مع تحفظات على بعض البنود، خاصة فيما يتعلق بتقديم ضمانات حقيقية لسيادة الدولة الفلسطينية.
يقول وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي: “نرحّب بأي خطوة تقود لإنهاء الاحتلال، لكن شروط التنفيذ يجب أن تكون واضحة وملزمة”.
التحديات الميدانية والتنفيذية
التحديات الميدانية والتنفيذية للمرحلة الثانية من خطة ترامب الخاصة بوقف الحرب وإعادة ترتيب المشهد في غزة تُعد من أكبر العقبات التي تهدد نجاح أي اتفاق على الأرض.
إن أهم الإشكاليات التي تطرح نفسها كقنابل موقوتة في وجه هذه الخطة هو رفض حركة حماس وغيرها من الفصائل نزع السلاح ممّا يجعل عملية جمعه أو تحييده شبه مستحيلة عمليا وسببا مرجحا لتعطيل أي تنفيذ ميداني فعلي للاتفاق.
وترفض الفصائل الأخرى (الجهاد الإسلامي، لجان المقاومة) هي الأخرى أي حصار فعلي لنشاطها المسلح، ما يُعرِّض الأجهزة المنفذة للخطة والرقابة الدولية لمخاطر أمنية دائمة.
إدارة غزة هي الإشكالية الثانية التي تتميز بضبابية توزيع المهام الأمنية والإدارية. فلم تتفق الأطراف بعد على قوة شرطة محلية محل توافق أو على هوية الجهة المدنية-الإدارية الحاكمة خلال المرحلة الانتقالية، ما يهدد بظهور فراغ أمني وسياسي قد تستغله مجموعات متطرفة أو تؤدي إلى فوضى ميدانية. غموض التفويض الدولي للقوة الدولية قد يزيد من خطر الاشتباك المباشر مع عناصر المقاومة أو مدنيين فلسطينيين رافضين.
إشكالية ثالثة تظهر جلية أيضا بين ثنايا بنود هذا الاتفاق ألا وهي تردد إسرائيل في تقديم تنازلات ميدانية. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تُشكك في جدوى الانسحاب الكامل وتطالب بحرية تدخل فوري في القطاع إذا رُصد أي تهديد أمني، وهذا ما عبّر عنه ضباط في هيئة الأركان. والأحزاب اليمينية تضغط بدورها لمنع أي تسويات نهائية بشأن المعابر أو إعادة الانتشار دون رقابة ومتابعة إسرائيلية صارمة.
إضافة لذلك فإن ضعف الضمانات العملية وعدم الجاهزية الدولية قد يعد عاملا في فشل تطبيق هذا الاتفاق في مراحل ما بعد تسليم الأسرى والمحتجزين. فلم يتم الاتفاق حتى الآن على حجم القوة الدولية، قواعد تدخلها أو التمويل، ما دفع محللين في “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت“، مثل أمير بار شالوم وآخرون، إلى التشكيك في جدوى مراقبة الخطة ميدانيًا في ظل هشاشة الالتزامات الدولية والضغوط الإقليمية.
ناهيك عن التحديات اللوجستية والإنسانية وحجم الدمار الكبير الذي سيجعل تنفيذ أي خطة إنسانية أو إعمار مستدام مشروطا برفع الحصار دون عودة الجيش الإسرائيلي أو استمرار القصف، وهو أمر يراه المراقبون غير محسوم في غياب ضمانات ثابتة وطويلة الأمد.
هذه الإشكاليات تمثل نواة الإخفاق المحتمل لأي تطبيق واقعي للمرحلة الثانية من خطة ترامب، ولن تزول هذه التحديات إلا عبر توافق شامل وضغوط ووساطة دولية فعّالة ووجود خطط بديلة مرنة لكل سيناريو محتمل.
إن نجاح خطة ترامب في تطبيق المرحلة الثانية يعتمد على التوافق السياسي والأمني الفعّال، ووجود آليات رقابة وتطبيق صارمة، وتحقيق ضمانات دولية نافذة. وفي غياب ذلك، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار التعقيدات، خاصة في ظل استقطابات داخلية وإقليمية، وعدم توافق الأطراف على البنود الجوهرية.
المصدر / فرانس 24
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل