أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / الثلاثاء  09. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

كيف تكون العمرة مرآةً للشعوب؟

ليست العمرة مجرّد شعيرةٍ دينية يؤديها المسلم في زمانٍ ومكانٍ محددين، بل هي نافذة واسعة تُفتح على أحوال الشعوب الإسلامية، ومرآة صادقة تعكس ما تخفيه نشرات الأخبار، وما تعجز السياسة عن قوله صراحة. ففي هذه الرحلة الروحية، يلتقي الإيمان بالواقع، ويتشابك الدعاء بالحكايات، ويغدو الحرم مساحةً إنسانية تتقاطع فيها آلام البلدان قبل آمال العباد.
في ساحات المسجد النبوي، وتحديدًا عند الروضة الشريفة، تبدأ الحكاية. هناك، حيث يفترض أن تكون الدموع خشوعًا فقط، تتحول أحيانًا إلى بكاءٍ على الأوطان. التقينا سيدة سودانية، بدت عليها آثار الإملاق والتعب، وجهٌ نحتته السنوات القاسية قبل أن تنحته المسافات. اقتربت وسألتنا بصوتٍ مكسور: هل تدعون للسودان؟
سؤالٌ بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان أثقل من أن يُحتمل.
سردت قصتها وهي تغص بالكلمات والدموع معًا. قالت إن الأوضاع في السودان “فضيعة”، أطفال وكبار يُقتلون بوحشية، مدن تُستنزف، وحياة تُسرق على مرأى العالم. جاءت لأداء العمرة، لكنها لم تكن تعلم أن الأقدار ستحتجزها خارج بلدها، وأن الطرق ستنقطع بها، وأن من قدموا معها سيتبخرون واحدًا بعد آخر، لتبقى وحيدة، بلا سند، إلا الدعاء.
قالت جملةً لا تُنسى: كنا ندعو للعراق وأهله، فهل تدعون لنا؟
هنا، لم يكن السؤال موجّهًا لأشخاصٍ بعينهم، بل للضمير العربي كله.
ذلك السؤال فتح جروحًا عميقة، وأعاد طرح تساؤلات مؤلمة عن تَخاذل الإعلام العربي عن مآسيٍ كاملة، وعلى رأسها ما يعيشه الشعب السوداني اليوم. كيف يمكن لمأساةٍ بهذا الحجم أن تمرّ بلا ضجيج؟ وكيف تتحول معاناة شعبٍ كامل إلى خبرٍ عابر أو سطرٍ منسي في أسفل النشرات؟
في العمرة، يكتشف الإنسان أن الأمة الإسلامية ليست خطابًا موحدًا، بل حكايات متراكمة، بعضها يُقال، وأكثرها يُهمَل. هناك، ترى المسلم محمّلًا بأخبار بلده، بطباع شعبه، وبأثقال السياسة والاقتصاد والحروب، يأتي ليخففها عند الكعبة، لكنه يجد من يصغي إليه قبل أن يجد من يحلّ له المشكلة.

هكذا تكون العمرة مرآةً للشعوب:
تكشف الفجوة بين الشعارات والواقع، وتفضح صمت العالم أمام نزيف المستضعفين، وتذكّرنا أن الدعاء، رغم قدسيته، لا يجب أن يكون بديلاً عن الموقف، ولا الإيمان ذريعةً للسكوت.
ربما لا تملك العمرة حلولًا سياسية، لكنها تملك قدرة نادرة على كشف الحقيقة الإنسانية العارية. حقيقة تقول إن آلام الشعوب تتقاطع في الحرم، حتى وإن فرّقتها الجغرافيا، وإن الدعاء الذي لا يرافقه وعيٌ وموقف، يظل ناقصًا… مهما كان صادقًا.

*سكرتير التحرير
بغداد / 09 . 12 . 2025
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً