أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / أرقام فلكية: 5 مليارات لكل حزب سنويا بمجموع 1.7 تريليون من الموازنة.. والرواتب سبب العجز!

أرقام فلكية: 5 مليارات لكل حزب سنويا بمجموع 1.7 تريليون من الموازنة.. والرواتب سبب العجز!

فيينا / الخميس  11. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

يقف الاقتصاد العراقي اليوم أمام مفترق يصفه خبراء الاقتصاد بأنه “خياران أحلاهما مر”: إمّا الاستمرار في وصفة تقشفية على الطريقة التقليدية لصندوق النقد الدولي، تتحمل كلفتها الفئات الفقيرة وذوو الدخل الثابت، وأمّا التوجّه نحو إصلاح هيكلي عميق يمس امتيازات الأحزاب وشبكاتها الاقتصادية، ويتطلب إرادة سياسية غير مألوفة في بنية نظام ما بعد 2003.

هذا النقاش لا يجري في فراغ؛ فالإيرادات النفطية ما زالت تمثّل في السنوات الأخيرة أكثر من 85–90% من إيرادات الدولة، بحسب بيانات وزارة المالية وتقارير دولية، ما يجعل الموازنة شديدة الهشاشة أمام أي هزّة في أسعار النفط أو كميات التصدير.

في حديثه لـ”بغداد اليوم”، يختصر الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر التميمي المشهد بالقول إن “العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي صعب، يتمثّل في وجود برنامجين للإصلاح، كلاهما يحمل كلفة عالية، غير أن انعكاساتهما تختلف على الفئات الاجتماعية والسياسية في البلاد”. الخيار الأول – كما يوضح – هو المسار المتماشي مع توجّهات صندوق النقد الدولي، والمتجسّد في ما عُرف بـ”الورقة البيضاء”، عبر إجراءات تقشفية تشمل تخفيض قيمة الدينار، وضغط النفقات الحكومية، وتقليل الرواتب، وإلغاء أو تقليص الدعم الحكومي، ولا سيما دعم الوقود والبطاقة التموينية، وهي خطوات تقع كلفتها بشكل مباشر على الفئات الفقيرة وذوي الدخل الثابت. أمّا الخيار الثاني، فيتمثّل في إصلاحات هيكلية عميقة تمس البنية السياسية والاقتصادية، وتستهدف الحد من الامتيازات والمكاسب الاقتصادية الواسعة التي تتمتع بها الأحزاب السياسية ومحيطها، وهو برنامج “ضروري لإنقاذ الاقتصاد من التشوّهات المتراكمة”، لكنه يحتاج – كما يصف التميمي – إلى “إرادة حكومية قوية، وتوافق سياسي، وضغط شعبي مستمر” بسبب اصطدامه بمصالح نافذة في المشهد السياسي والاقتصادي.

الورقة البيضاء.. حين تُدفَع الكلفة من جيب الفقراء

وُلدت “الورقة البيضاء” في خريف 2020 تحت ضغط مزدوج: انهيار أسعار النفط بفعل جائحة كورونا، وتراجع العوائد الحكومية بشكل حاد، في وقت كانت فيه النفقات الجارية، ولا سيما فاتورة الأجور والتقاعد، تلتهم الجزء الأكبر من الموازنة. تقديرات دولية أشارت يومها إلى أن الإيرادات الحكومية تراجعت بنحو يقارب نصف مستواها مقارنة بسنوات الطفرة، مع ارتفاع خطر العجز إلى مستويات قد تتجاوز 20–25% من الناتج المحلي الإجمالي لو لم تُتَّخَذ إجراءات تصحيحية.

أمام هذه الأزمة، اختارت الحكومة في كانون الأول 2020 تخفيض قيمة الدينار من مستوى يناهز 1200 دينار إلى 1450 دينارا للدولار، أي بما يقرب من خمس قيمته، وهي خطوة زادت فورا من الإيرادات النفطية المحسوبة بالدينار وساعدت على سد فجوة التمويل في المدى القصير، لكنها في المقابل رفعت أسعار السلع المستوردة في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد للغذاء والدواء والمواد الأولية. تقارير للبنك الدولي ومنظمات أممية قدّرت أن الصدمة المزدوجة – كورونا وتخفيض قيمة الدينار – دفعت نحو 4.5 ملايين عراقي إضافي تحت خط الفقر، لترتفع نسبة الفقر من حوالى 20% في 2018 إلى أكثر من 30% في ذروة الأزمة، قبل أن تتراجع تدريجيا خلال العامين الماضيين إلى حدود 17–18% بحسب تقديرات محدّثة.

هذه الصدمة لم تضرب “الهامش” فقط، بل مست مباشرة شرائح الموظفين والمتقاعدين وذوي الدخل الثابت، الذين وجدوا أنفسهم أمام ارتفاع حاد في الأسعار مقابل رواتب لم تُعدَّل بالسرعة نفسها. ومن زاوية الاقتصاد السياسي، بدت الوصفة التقشفية وكأنها تُطبَّق من الأسفل إلى الأعلى: تحميل الفئات الأضعف كلفة التصحيح من خلال التضخم، بدل أن يبدأ الإصلاح من أعلى هرم الامتيازات السياسية والاقتصادية.

موازنة منفوخة وأجور تبتلع الدولة

حتى بعد تحسّن أسعار النفط، ظلّت بنية الإنفاق العام تعكس اعتمادا عاليا على الأجور والتحويلات. بيانات حديثة لصندوق النقد الدولي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق الحكومي في العراق يدور حول 44–48% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن فاتورة الأجور والتقاعد وحدها تقترب من 20% من الناتج، وهو مستوى مرتفع مقارنة بكثير من الاقتصادات الناشئة. في موازنة 2023، التي بلغ حجمها حوالى 199 تريليون دينار، تجاوز العجز المخطط 60 تريليون دينار، مع اعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية لتغطيته. وفي موازنة 2024 ارتفع الإنفاق إلى نحو 211 تريليون دينار، بينما بلغت كتلة الرواتب والتقاعد قرابة 90 تريليون دينار، أي أكثر من 40% من إجمالي الإنفاق، بحسب تصريحات رسمية لمستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.

في الوقت نفسه، تُبيِّن بيانات مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية وغيرها أن النفط ما زال يؤمّن نحو 90–93% من الإيرادات العامة للدولة، ما يعني أن الاستقرار المالي مرتبط عمليا بسعر برميل النفط وحجم التصدير. تقديرات دولية حديثة تشير إلى أن السعر المطلوب لمعادلة الموازنة العراقية تجاوز في السنوات الأخيرة مستوى 80 دولارا للبرميل، مع زيادة الإنفاق وعدم نمو الإيرادات غير النفطية بالوتيرة نفسها، ما يرفع حساسية المالية العامة لأيّ هبوط في الأسعار العالمية.

بهذه المعطيات، أيّ هزّة كبيرة في أسعار النفط تعني عمليا العودة إلى مربع العجز العالي والنقاش حول “وصفات تقشفية” جديدة: إمّا تخفيض إضافي في قيمة العملة، أو زيادة الضرائب غير المباشرة، أو تقليص أوسع للدعم، وهي خطوات تميل – مرة أخرى – إلى تحميل الفئات الأضعف الجزء الأكبر من العبء ما لم تترافق مع إصلاحات تمس البنية الحزبية والاقتصادية المحيطة بالدولة.

دعم طاقة ضخم واقتصاد غير منتج

في قلب “البرنامج الثاني” الذي يتحدث عنه التميمي – وهو برنامج يمس امتيازات الأحزاب وشبكاتها – تقبع بنية دعم الطاقة والعقود العامة. أرقام منشورة عن الإنفاق على قطاع الكهرباء تشير إلى أن العراق أنفق في بعض السنوات الأخيرة ما بين 8–10 مليارات دولار سنويا على القطاع، بين وقود واستيراد طاقة واستثمارات وصيانة، في حين ظل تجهيز المواطن متذبذبا وتعتمد المنظومة على استيراد الغاز والكهرباء من دول الجوار لتغطية فجوة تصل إلى عشرات بالمئة من الطلب الفعلي.

هذا الدعم لا يذهب للفقراء وحدهم؛ بل يستفيد منه أصحاب المولدات، والمنشآت كثيفة الاستهلاك للطاقة، وأطراف تستغل الفارق بين التعرفة المدعومة والكلفة الحقيقية، إضافة إلى الهدر الكبير وضياع الإيرادات في الشبكة. أيّ إصلاح جدي يفرض إعادة توجيه هذا الدعم نحو آليات أكثر عدالة: دعم نقدي أو عيني موجه للفئات الأشد فقرا، وتعرفة تدريجية تعكس حقيقة الكلفة، بدل دعم “ليتر” الوقود أو “الكيلوواط” للجميع بالدرجة نفسها.

في المقابل، تُظهر بيانات رسمية ودولية أن أقل من 1% من قوة العمل في العراق تعمل في قطاع النفط والأنشطة المرتبطة به، رغم أن النفط يوفّر أكثر من 90% من الإيرادات العامة، ما يعني أن ملايين العراقيين يعيشون خارج “الجزيرة الريعية” التي تموّل الدولة. في الوقت نفسه، تشير مسوحات القوى العاملة إلى أن أكثر من نصف العاملين – تصل النسبة في بعض التقديرات إلى 60–70% – يعملون في القطاع غير الرسمي، خارج مظلة الضمان الاجتماعي والتقاعد، ما يعكس هشاشة سوق العمل وخطورة أيّ صدمة سعرية جديدة تطال السلع والخدمات الأساسية على هذه الشرائح.

وهنا يبرز سؤال جوهري حول موقع الأحزاب من هذه الكتلة الهائلة من الإنفاق. الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي كشف في تصريحات متلفزة أن الأحزاب السياسية تحصل على (5) مليارات دينار سنويا من الموازنة كمنح رسمية، استنادا إلى نصوص واردة في الجداول، وإذا ما جرى تطبيق منحة مقدّرة بنحو (5) مليارات دينار سنويا على كل حزب، وعلى أساس وجود حوالي (343) حزبا مسجلا، فإن الكلفة النظرية تصل إلى ما يقارب (1.7) تريليون دينار سنويا تذهب لمنظومة الأحزاب وحدها، بين منح مباشرة وامتيازات ورواتب ونفقات مرتبطة بنشاطها. هذا يعني أن جزءا معتبرا من الإنفاق العام لا يذهب إلى الفقراء أو الطبقة الوسطى، بل إلى شبكات المصالح الحزبية، عبر تعيينات سياسية، ورواتب خاصة، وحمايات، ومكاتب، وعقود توريد وخدمات، وتمويل مباشر أو غير مباشر لنشاطاتها.

لماذا ينتصر الخيار الأول في السياسة ويُهمَّش الثاني؟

صندوق النقد الدولي، في مشوراته الأخيرة مع العراق، يطالب بوضوح بـ”ضبط فاتورة الأجور”، و”إزالة الدعم غير الكفوء”، و”زيادة الإيرادات غير النفطية”، مع سيناريو يفترض تخفيض الإنفاق الجاري تدريجيا مقابل حماية الإنفاق الاستثماري والاجتماعي الضروري. على الورق، يبدو هذا برنامجا متوازنا: تقليص تدريجي للإنفاق غير المنتج، تحسين في الجباية، وحماية للشرائح الهشّة.

لكن على مستوى الممارسة، القرار السياسي في بغداد يميل إلى مسار مختلف؛ الرهان الأساسي يبقى على استمرار تدفق الإيرادات النفطية، فيما تُعامَل الرواتب بوصفها “خطا أحمر”، ويجري تأجيل المساس بالامتيازات العليا، في حين يتم التفكير بالإجراءات الأسهل نسبيا: تخفيض قيمة العملة، أو رفع بعض الأسعار والضرائب غير المباشرة، أو تقليص مفردات البطاقة التموينية، وهي خطوات لا تتطلب مواجهة مباشرة مع الأحزاب والفاعلين المسلّحين، لكنها تضرب القدرة الشرائية لمن لا يملك قوة تفاوضية أو تمثيلا سياسيا قويا.

البرنامج الثاني – الذي يراه التميمي “الأكثر واقعية لتحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي، لكنه أيضا الأكثر صعوبة” – يتطلب العكس تماما: فتح ملفات المنافذ الحدودية التي تُقدَّر خسائرها السنوية بالمليارات نتيجة التهرّب الجمركي والضريبي، مراجعة عقود الكهرباء والطاقة والمقاولات الكبرى، إعادة هيكلة الشركات العامة التي تحولت في حالات كثيرة إلى عبء مالي ومصدر نفوذ حزبي، وضبط آليات التوظيف والتعيين الخاص، بما في ذلك ما يرتبط بالأحزاب وأذرعها الاقتصادية. هذا النمط من الإصلاح يصطدم مباشرة بمصالح شبكات واسعة من المنتفعين، ما يجعل تمريره سياسيا أصعب بكثير من قرار تقني جديد يمس سعر الصرف أو دعم الوقود.

هل ثمة طريق ثالث؟

وصف “خياران أحلاهما مر” يعكس حقيقة أن العراق مقيّد بهوامش ضيّقة للحركة: اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 85–90% من الإيرادات العامة، موازنة منفوخة برواتب وتقاعد تشكل أكثر من 40% من الإنفاق، قاعدة إنتاجية ضعيفة، سوق عمل هش يغلب عليه الطابع غير الرسمي، ومستويات فقر ما زالت، رغم بعض التحسن، تدور حول 17–18% من السكان وفق تقديرات محدّثة.

مع ذلك، لا يبدو أن العراق محكوم حتما بالاختيار بين سحق الفقراء أو خوض معركة مستحيلة مع الأحزاب دفعة واحدة. ثمة مسار ثالث ممكن يقوم على مزج مدروس بين المسارين: إصلاح يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، من حلقات الهدر الكبرى في المنافذ والعقود والدعم غير الموجَّه والرواتب الوهمية، بالتوازي مع مقاربة أكثر عدالة في توزيع كلفة الإصلاح، تحمي الحد الأدنى من الإنفاق الاجتماعي، وتعيد تصميم شبكات الأمان للفئات الأشد هشاشة، وتضع سقوفا واضحة لتأثير أيّ إجراء نقدي أو مالي على قدرتها الشرائية.

جوهر النقاش الذي يفتحه التميمي، حين يصف البرنامج الثاني بأنه “الطريق الأكثر واقعية للإصلاح”، هو أن كلفة تأجيل هذا النوع من الإصلاح تتراكم عاما بعد عام. كل دورة ارتفاع وانخفاض في أسعار النفط تعني عمليا العودة إلى طاولة التفاوض مع المؤسسات الدولية بشروط أشد، ومساحة أضيق لحماية الفقراء، لأن كتلة الأجور والدعم غير المنتج والامتيازات الحزبية تلتهم الجزء الأكبر من الموارد. والسؤال لم يعد فقط: أيّ الخيارين أقل مرارة؟ بل: إلى متى يمكن للعراق أن يؤجل الإصلاح الذي يمس البنية السياسية والاقتصادية، قبل أن تُفرَض عليه وصفات أكثر قسوة، في ظرف مالي واقتصادي لا يسمح هذه المرة حتى بهامش المناورة الذي ما زال متاحا اليوم؟

تقرير: محرر الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً