أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الخطة صفر في العلاقات الإنسانية: حين تُرتكب الجريمة الأخلاقية باسم النجاة

الخطة صفر في العلاقات الإنسانية: حين تُرتكب الجريمة الأخلاقية باسم النجاة

فيينا / السبت  27. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

علي محمد مهاجر
من الظواهر التي فشت حديثا غي مجتمعنا العربي اعتماد ما يسمى الخطة صفر لحلحلة المشاكل الإجتماعية والأسرية في سابقة لم تعرفها مجتمعاتنا المحافظة، مما أسهم في كثير من الخراب  والتشوهات الإجتماعية، كشفت عن عورة ثقافية رديئة تحتاج الكثير من المراجعات النفسية والإجتماعية.
فالخطة صفر ليست وصفة في كتب الحب، ولا اعتبار لها في مساحات العلاقات الإنسانية، بل هي وسم فقط في خرائط الطوارئ حين يُهدَّد البشر بالموت المباشر، وتحت ضوء هذا المعطى فقط تُفهم الفكرة: إنقاذ الحياة أولًا وآخرا، وتأجيل كل ما عداها. لكن حين تُمارس هذه الفلسفة القاسية في إدارة العلاقة الإنسانية بين رجل وامرأة، وتُعتمد لتبرير التخلي والترك، فإننا لا نكون أمام خيار صعب، بل أمام انزلاق أخلاقي خطير يتنكر في ثوب الواقعية.
من سيم العلاقات التي تؤسس على المشاركة، مواجه الضغوط بوصفها امتحانًا مشتركا. غير أن ما يحدث أحيانًا هو العكس تمامًا: تتراكم المشاكل، يختل التوازن، فيقرر أحد الأطراف تحت ضغط الإرهاق والخوف الانسحاب، ويُبرّر ذلك بقوله الصامت أو المعلن: هذه خطتي صفر لتحقيق (وضع البقاء)، لتتحول الأزمة من طارئ مشترك إلى اختيار فردي،  وبالتالي لا يعود الانفصال مجرد قرار عاطفي، بل يتحول إلى ممارسة لمنطق الطوارئ كقاعدة دائمة. فالطرف الآخر لا يُستبعَد لأنه مؤذ أو غائب أخلاقيا، بل لأنه أصبح عبئا في معادلة النجاة الفردية.
حتى في المجال الإنساني، الخطة صفر، لا تُبرّر إلا حين يكون الخطر وجوديًا ومباشرًا. أما في العلاقات، فإن تحويل الخلافات والقلق أو حتى التعب النفسي إلى حالة بقاء دائمة، هو تبسيط مخلّ للتجربة الإنسانية، لأن أول مواطن الضرر هنا هو إلغاء المسؤولية المشتركة.  فالعلاقات لا تُدار بمنطق “أنقذ نفسي ثم أفكّر لاحقًا”، بل بمنطق “نواجه أو نعيد التفاوض”. حين يُلغى هذا المبدأ، يتحول الطرف الآخر إلى خسارة مقبولة، لا إلى إنسان له تاريخ وحق في المحاولة.
إن تجريد العلاقة من بعدها الأخلاقي تحت شعار الضرورة، يخلق سردية مريحة: لا ذنب، لا مساءلة، فقط ظرف قاهر. لكن الظروف القاهرة لا تُلغي السؤال الأخلاقي، بل تجعله أكثر إلحاحا. بالإضافة إلى وسم الهروب بوصفه شجاعة حيث تُقدَّم القطيعة هنا كفعل قوة، بينما هي في جوهرها تعليق للعلاقة دون محاولة حقيقية لإعادة المعايير الأساسية: الحوار، الدعم، أو حتى الانفصال المسؤول.
عندما لا يكون هناك عنف، ولا تهديد حقيقي للسلامة، ولا استحالة واضحة للاستمرار، يصبح اللجوء إلى منطق الخطة صفر آلية دفاعية لا ضرورة وجودية. إنها أكبر خدعة نفسية يختلط فيها التعب بالرغبة في الخلاص السريع، فيُعاد تعريف العلاقة من شراكة إلى خطر، والأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا ينتهي بالانسحاب، بل يترك أثرًا طويل الأمد: شعور بالذنب المؤجل، أو برودة عاطفية، أو تكرار النمط ذاته في كل العلاقات اللاحقة.
هنا يطرح السؤال نفسه: كيف تُدار الأزمات العاطفية دون منطق الإلغاء؟
الإدارة الصحيحة للأزمات في العلاقات الإنسانية لا تعني أبدا البقاء بأي ثمن، لكنها ترفض منطق التجريد، فليست كل أزمة تهديدا وجوديا، فكثيرا من العلاقات لا تحتاج إلى هذه الخطة، بل القدرة على التفريق بين الطوارئ والضغوط من أجل إعادة ترتيب الأدوار والحدود والتوقعات. فحتى قرار الانفصال إن كان ضروريا، يجب أن يُدار كفعل أخلاقي بعيد عن التهديد: واضح صريح وغير مُلغ للآخر، للانتقال من النجاة الفردية إلى المسؤولية الثنائية، فالمعيار في العلاقة هو الاعتراف والاحترام وعدم تحويل الآخر إلى ضحية جانبية في قصة الخلاص الشخصي.
الخطة صفر، حين تُستعمل في العلاقات، تكشف هشاشتنا أكثر مما تحمينا. فهي قد تُنقذ الفرد لحظة، لكنها تُدمّر الإنسانية على المدى البعيد. فالعلاقات لا تُقاس بمنطق النجاة، بل بمنطق القدرة على البقاء معا أو الانفصال دون محو إنسانية الآخر. 
إن أخطر ما في هذا النوع من التخلي، أنه لا يبدو قاسيا، بل عقلانيا. لكنه في العمق، جريمة أخلاقية ناعمة، تُرتكب باسم الضرورة، بينما الحقيقة أنها ثمرة الخوف من المواجهة، لا استحالة الاستمرار.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً