فيينا / الثلاثاء 30. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
بينما كان مجلس النواب العراقي يلتقط أنفاس جلسته الأولى بانتخاب نائب أول محسوب على الفصائل، كانت واشنطن ترسم على الضفة الأخرى ملامح معادلة عقابية غير مسبوقة، يتحدّث عنها المستشار السابق لترامب غابريل صوما بوصفه “العراف بخبايا البيت الأبيض وسياسة ترامب”، ويذهب إلى حد التحذير من لحظة قد يجد فيها العراقيون أنفسهم يشترون ما يعادل دولارًا واحدًا مقابل “5 أكياس” من العملة العراقية. بين هذه الصورة الكارثية، وبين برلمان يعلن على لسان نائب من كتائب حزب الله أنّ “ميله حشدي” وأن قانون الحشد سيمرّ رغمًا عن واشنطن، يبدو أنّ العراق يتقدّم نحو اختبار قاسٍ بين اقتصاد مرتهن للدولار، وسلطة تشريعية تعلن تمردها على الشروط الأمريكية.
غابريل صوما.. نبوءة العقوبات و”ليلة الانهيار” المحتملة
غابريل صوما ليس مجرّد معلّق سياسي؛ الرجل قدّم طويلًا بوصفه أستاذًا في القانون الدولي وخبيرًا في شؤون الشرق الأوسط، وعضوًا في الفريق الاستشاري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدورة السابقة، وشارك في نقاشات حساسة حول شرعية الضربات الأمريكية في العراق وإيران والسياسة المالية والعقابية لواشنطن في المنطقة. حين يتحدّث اليوم بهذه اللغة القاطعة عن “إجراءات لم ير العراق مثيلاً لها في السابق” إذا فشل مارك سافايا في تنفيذ شروط ترامب في بغداد، فهو يعكس المزاج السائد داخل الدائرة الضيقة حول الرئيس، أكثر مما يقدّم تحليلًا أكاديميًا باردًا.
حين يقول صوما إن سافايا “يمثّل ترامب 100%، و99٪ غير مقبول”، فهو يرسم حدود التفويض: مبعوث خاص لا مساحة لديه للمناورة خارج النص الصارم، في لحظة يلوّح فيها البيت الأبيض بخيارات تتدرّج من خنق قنوات الدولار عبر الاحتياطي الفدرالي، إلى قيود أوسع على القطاع المصرفي والطاقة، وصولًا إلى نموذج شبه حصار إذا قرّرت بغداد الانحياز كليًا لمعسكر الفصائل. هذا التلويح ينسجم مع المسار العام لاستراتيجية ترامب في ولايته الحالية تجاه العراق وإيران، التي تقوم على تصعيد أدوات العقوبات والضغط المالي بدل الانخراط العسكري الواسع، مع استخدام التهديد بقطع المساعدات وإعادة النظر في الإعفاءات النفطية كورقة تفاوضية مستمرة.
في هذا السياق، تصبح صورة “العراقيين يشترون بدولار واحد مقابل 5 أكياس من العملة العراقية” ليست توقعًا اقتصاديا حرفيًا، بقدر ما هي استعارة خشنة عن احتمال انفلات سعر الصرف وانهيار القدرة الشرائية، إذا قرّرت واشنطن استخدام كامل ترسانة الضغط المالي دفعة واحدة ضد دولة تعتمد بشكل شبه كامل على الدولار في تمويل تجارتها ونظامها المصرفي.
مارك سافايا.. مبعوث الصفقة القاسية بين البيت الأبيض وبغداد
مارك سافايا نفسه ليس دبلوماسيًا تقليديًا. رجل أعمال عراقي – أمريكي من أصول كلدانية، صعد من عالم تجارة التجزئة ثم القنّب الطبي في ميشيغان إلى منصب المبعوث الخاص لترامب إلى العراق في تشرين الأول 2015، في خطوة وُصفت بأنها انحياز من الرئيس لنمط “دبلوماسية الصفقات” بدل التراتبية الدبلوماسية الكلاسيكية. كتاباته وخطابه العلني يشيان بميل واضح إلى استخدام أدوات الاقتصاد والمال في إعادة تشكيل العلاقة مع بغداد: تشجيع الاستثمار والبنى التحتية من جهة، وربط أي امتيازات أو إعفاءات بمستوى التزام العراق بكبح نفوذ إيران والفصائل المسلحة من جهة أخرى.
من هذا الباب، يصبح سافايا حلقة وصل خطرة: إذا نجح في إقناع القوى السياسية العراقية – خصوصًا الشيعية – بصيغة “تسوية” تُخضع الفصائل لسلطة الدولة وتجمّد أي مسار لتكريسها قانونيًا كقوة موازية، فإن شبح العقوبات القصوى قد يتراجع. أما إذا فشل، كما يحذّر صوما، فإن ذات التفويض الذي يحمله من ترامب يمكن أن يتحوّل بسلاسة إلى ملف اتهام ضد بغداد أمام ماكينة العقوبات الأمريكية.
برلمان بميل حشدي معلن.. حين يتقدّم منطق التحدي
في المقابل، تتصرّف قوى الفصائل وكأنها تلتقط لحظة القوة داخل البرلمان الجديد. انتخاب نائب أول من إحدى القوى الشيعية المسلّحة والمصنّفة أمريكيًا ضمن خانة “المجموعات المدعومة من إيران” أثار قلقًا واضحًا في تحليلات غربية، رأت في هذه الخطوة رسالة بأن بغداد التشريعية تميل أكثر نحو المعسكر الحشدي، في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الأمريكية على ملف الحشد وقوانينه.
قانون الحشد بين رسالة ماركو روبيو و”وعد المرور” الجديد
الصدام حول قانون الحشد الشعبي ليس جديدًا، لكن مستواه اليوم مختلف. حين طُرحت خلال عام 2025 مسودّة “قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي” وما تلاها من مشاريع لتنظيم هيئة الحشد، تحوّل الملف إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية بين بغداد وواشنطن. تسريبات لرسائل ومكالمات أمريكية كشفت عن تحذيرات مباشرة من وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بأن تمرير القانون سيُفسَّر في واشنطن بوصفه “تكريسًا رسميًا لنفوذ إيران والفصائل” داخل بنية الدولة، مع التلويح بعقوبات تطال قطاعات الطاقة والأمن وربما إعادة النظر في المساعدات العسكرية والمالية.
تحت هذا الضغط، ومع انقسام داخلي حتى داخل البيت الشيعي حول توقيت وشكل القانون، سحبت الحكومة المسوّدة من جدول أعمال البرلمان في نهاية صيف 2025، بعد أسابيع من الجلسات المؤجّلة والتجاذبات الحادة، في مشهد بدا وكأنه انتصار أمريكي تكتيكي على الأقل، وتأجيل للصدام النهائي أكثر مما هو تسوية حقيقية.
اليوم، حين يخرج نائب مقرّب من كتائب حزب الله ليقول إن البرلمان بميله الحالي “سيُمرر قانون الحشد”، فهو عمليًا يتعهّد بإعادة فتح الملف ذاته، ولكن من موقع قوة عدديًا داخل قاعة البرلمان، وبزخم سياسي يستند إلى انتخاب رئاسة جديدة وتبدّل موازين داخل التحالفات الشيعية. هذا التعهّد لا يُقرأ في واشنطن كخلاف قانوني تقني، بل كاختبار مباشر لمدى جدّية تهديدات ترامب وفريقه، تمامًا كما يترك لمبعوثه سافايا هامشًا ضيقًا للمساومة قبل أن تتحوّل “أدوات الضغط” إلى واقع.
حرب الدولار المحتملة.. من سلاح العقوبات إلى كابوس الشارع
ما يلوّح به صوما من “إجراءات غير مسبوقة” لا يأتي من فراغ. خلال الأشهر الماضية، أرسلت واشنطن أكثر من إشارة إلى استعدادها لاستخدام سلاح الاقتصاد بشكل تدريجي ومتّسع ضد العراق: توجيه تحذيرات بشأن مزج أموال إيران بالدورة المالية العراقية، الحديث عن سلسلة عقوبات متدرجة على فصائل وشخصيات ومصارف تحت مظلّة مذكرة رئاسية جديدة، والتلويح بتقييد وصول العراق إلى الدولار إذا واصل احتضان جماعات تصنّفها واشنطن “منظمات إرهابية” أو “أذرعًا للحرس الثوري”.
في سيناريو متشدد، يمكن تخيّل حزمة قرارات تبدأ بتشديد القيود على مزاد العملة والتحويلات عبر المصارف المراسلة، وتمرّ عبر إدراج مصارف عراقية جديدة على لوائح العقوبات، وتصل إلى تقليص الإعفاءات الخاصة باستيراد الغاز والكهرباء من إيران، وربما إعادة فتح ملف “الحظر الجزئي” على قطاعات محددة، في تكرار – معدّل – لتجربة تسعينيات القرن الماضي ولكن بأدوات مالية أكثر دقة وأقل ضجيجًا. في مثل هذا السيناريو، تصبح صورة “5 أكياس من العملة العراقية مقابل دولار واحد” تعبيرًا مبالغًا فيه عن واقع محتمل: انهيار حاد في قيمة الدينار، تضخم يلتهم الرواتب، وطبقة وسطى تتبخّر خلال أشهر قليلة.
في المقابل، تراهن قوى الحشد وحلفاؤها على أن واشنطن لا تستطيع الذهاب بعيدًا إلى حد حصار شامل، لأن العراق ما زال حاجة لأسواق الطاقة العالمية وللاستقرار الإقليمي، وأن أي انهيار تام سيخلق فراغًا تستفيد منه قوى منافسة للولايات المتحدة، من إيران إلى الصين وروسيا. لكن هذه المراهنة، وإن حملت شيئًا من الواقعية الجيوسياسية، تغفل أن ما تلوّح به إدارة ترامب اليوم هو عقوبات “واسعة بما يكفي لتأديب بغداد، دون أن تصل إلى حدّ إسقاطها بالكامل”، وهو مستوى كفيل وحده بإحداث صدمة اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة في بلد خرج بالكاد من أزمات سعر الصرف في السنوات الأخيرة.
من شعار “أهلًا بالموت” إلى سؤال: من يدفع الثمن؟
في النهاية، المشهد كما يتبدّى اليوم يبدو كأنه سباق نحو الحافة. مستشار لترامب يلوّح أمام العراقيين بصورة اقتصاد ينهار بين ليلة وضحاها إذا لم تُنزع سلاح الفصائل وفق الشروط الأمريكية، ومبعوث خاص يحمل تفويضًا كاملًا لإبرام “صفقة” قاسية مع بغداد، وبرلمان جديد يفاخر بعض أقطابه بأن “ميله حشدي” وأنه مستعد لتمرير قانون الحشد متحدّيًا ضغوط واشنطن، ونائب يختصر المزاج بخطاب: “لا تهمّنا أمريكا… إن هددتنا بالموت، أهلًا بالموت”.
بين هذه الشعارات والتهديدات، يغيب صوت الطرف الوحيد الذي لا يملك خيارًا حقيقيًا: المواطن العراقي الذي سيستيقظ، في أسوأ السيناريوهات، على رواتب تتآكل وقوة شرائية تنهار، وسوق عمل يتجمّد، ودولة مشدودة بين واشنطن وطهران وبرلمان يفاوض على مستقبل السلاح بينما تتهاوى العملة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل يجرؤ ترامب فعلًا على دفع العراق إلى حافة الانهيار الاقتصادي إذا تعمّد البرلمان تكريس الحشد بقوة القانون؟ بل أيضًا: هل تدرك القوى “الحشدية” داخل قبة البرلمان أن رهانها على تحدّي واشنطن حتى النهاية قد يجعل شعار “أهلًا بالموت” يقترب من حياة الناس اليومية، لا بوصفه خيار مقاومة، بل كواقع فقر وحرمان وانسداد أفق؟
في لحظة كهذه، يبدو أن العراق يقف فعلًا على خط تماس حاد بين “حرب الدولار” و”حرب القوانين”، حيث قد يقرّر توقيع واحد في البيت الأبيض، أو تصويت واحد تحت قبّة البرلمان، الشكل الذي ستسلكه السنوات المقبلة: طريق تسوية صعبة ومؤلمة، أو طريق صدام مفتوح يدفع ثمنه أولًا وأخيرًا الشارع العراقي.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية والسياسية في بغداد اليوم
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل