فيينا / الخميس 01 . 01 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
علي محمد مهاجر
لا يبدأ انهيار العلاقات العاطفية دائمًا من الخارج، ولا يحتاج بالضرورة إلى خيانة أو صدمة واضحة. كثيرًا ما يبدأ من تلك المنطقة التي توصف بدوار الحرية، حيث يقف الإنسان أمام احتمالات مفتوحة، فيرتجف لا لأن الأسوأ قد حدث، بل لأن كل شيء ممكن. في هذا الفراغ القَلِق، تولد الجوسكا بوصفها لغة داخلية تحاول أن تُنقذ الذات من ثقل اللايقين، حتى لو كان الثمن تشويه الواقع: فالإنسان لا يبحث عن الحقيقة، بل عن حماية هشّة لذاته. فهو لا يحتمل فكرة أن يكون الحب غير مضمون، فيُفضّل أن يهدمه ذهنيًا قبل أن يهدمه الواقع. هنا تتخذ الجوسكا شكل بطولة زائفة، انسحاب مسبق يُسمّى وعيًا، قطيعة وقائية تُقدَّم على أنها احترام للذات، برودًا يُعاد تعريفه ككرامة، وصمتًا يُلبَس ثوب الحكمة. وما هو في جوهره خوف من الخسارة، يُعرَض باعتباره قوة قرار وسيطرة على المصير.
يرى الفيلسوف كيركغارد في هذا السلوك هروبًا من الحرية لا تعبيرًا عنها. فالحرية، في معناها الوجودي، لا تعني القدرة على الانسحاب، بل الاستعداد لتحمّل القلق الذي يصاحب الاختيار. والجوسكا، بدل أن تواجه هذا القلق، تسعى إلى إسكاته بسردية جاهزة، تُحوِّل الإمكان إلى إدانة، والانتظار إلى ضعف، والثقة إلى مخاطرة غير مقبولة، ليتحول الطرف الآخر إلى كائن غائب حاضر في آنٍ واحد. هو موجود في المخيّلة أكثر مما هو في الواقع. يُحاسَب على ما لم يفعله، ويُدان على مشاعر لم يعرف بها، ويُحمَّل مسؤولية قلق لم يكن مصدره. يصبح مرآة لاضطراب داخلي لا يخصه، وساحة تُفرَغ فيها ذاكرة الجراح القديمة. في الجوسكا، لا نرى من نحب كما هو، بل كما تسمح لنا مخاوفنا أن نراه. وهنا تقع الخيانة الأعمق: خيانة الواقع لصالح الخيال.
عند هذه النقطة، يلتقي تحليل القلق الكيركغاردي مع نقد جان بول سارتر لما أسماه “سوء النية”، فحين ننسب للآخر نوايا لم يصرّح بها، ونبني قرارات مصيرية على حوار لم يحدث إلا في أذهاننا، نكون قد تهرّبنا من حقيقة أساسية: أن مشاعرنا مسؤوليتنا، وأن الآخر ليس مادة خامًا لإعادة بناء قصتنا الداخلية. الجوسكا، بهذا المعنى، ليست مجرد قلق، بل كذب وجودي نمارسه على أنفسنا كي لا نتحمل ثمن الحرية. لذلك يرفض سارتر أن يكون الإنسان ضحية لما يشعر به، ويرى أن تحويل الخوف إلى حكم أخلاقي على الآخر هو شكل من أشكال التنصل من المسؤولية. فبدل أن نعترف بقلقنا وهشاشتنا، نُسقطهما على من نحب، ونغادر العلاقة ونحن مقتنعون بأننا لم نكن نملك خيارًا آخر. والحقيقة أننا اخترنا الهروب، واخترنا أن نُصدّق قصة داخلية لأنها أقل إيلامًا من الاعتراف بأن الحب مقام غير مضمون.
في الجوسكا، لا يُعامل الآخر كذات حرة، بل كشيء داخل بنية نفسية مغلقة. نصادر حقه في الغموض، في التعب، في التناقض، وفي ألا يكون مطابقًا لتوقعاتنا. وهنا، يتحول الحب من علاقة بين حريتين إلى محاولة تملّك رمزي، حيث لا نحب الشخص كما هو، بل كما نحتاجه أن يكون ليخفف وطأة قلقنا الوجودي، والمفارقة المؤلمة أن القلق الذي نحاول القضاء عليه بالجوسكا هو في جوهره علامة حياة. إنه دليل على أن العلاقة ذات معنى، وأن الفقد ممكن، وأن المستقبل غير مضمون. لكن بدل أن نواجه هذا القلق بشجاعة الوجود، نختار أن نغلق الأسئلة قبل أن تُطرَح، وأن نهدم العلاقة ذهنيًا قبل أن تختبر قوتها في الواقع، وبهذا المعنى، تصبح الجوسكا شكلًا من أشكال العدم العاطفي. لا لأنها تخلو من المشاعر، بل لأنها تفرغ العلاقة من حضورها الحقيقي: نتحاور مع خيال، لا مع إنسان. نُخاصم نسخة ذهنية، ونُعاقب شخصًا واقعيًا على جريمة لم يرتكبها. وحين تنهار العلاقة، لا نجد حدثًا واحدًا نُمسك به، بل سلسلة من الافتراضات التي تحالفت ضد الواقع.
النص الوجودي لا يدعونا إلى ثقة ساذجة، ولا إلى إنكار الألم، بل إلى تحمّل مسؤولية الحب بوصفه مخاطرة واعية. فكما يقول كيركغارد، القلق هو إمكانية الحرية، لا نقيضها. وكما يذكّرنا سارتر، لا عذر لنا في تحويل خوفنا إلى حكم على الآخر. الجوسكا، في النهاية، اختبار أخلاقي ووجودي: إمّا أن تكون مساحة وعي نراجع فيها أنفسنا، أو تتحول إلى سلطة صامتة تهدم ما لم يُهدَم.
وبين هذين الاحتمالين، يقف الإنسان عاريًا من الذرائع، مدعوًا إلى أصعب خيار: أن يحب دون ضمان، وأن ينتظر دون يقين، وأن يختار دون أن يختبئ خلف قصة لم تحدث.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل