أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ذاكرة الأب حين تختبر إنسانيا

ذاكرة الأب حين تختبر إنسانيا

فيينا / السبت  24 . 01 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

حين يصاب الأب بمرض الزهايمر لا يمكن اختزاله في كونه واقعة طبية أو خللا عصبيا معزولا، بل تجربة وجودية شاملة تعيد طرح أسئلة مرعبة حول الذاكرة والهوية بالإضافة إلى الزمن والمغزى. فهذا المرض لا يصيب الشخص وحده بل يمتد أثره إلى شبكة العلاقات التي تمنحه كونيته إسما ودورا. وحين يتعلق الأمر بالأب، فإن من يصاب بالإعتلال ليس الشخص نفسه، ولكن أحد الأعمدة الرمزية التي تقوم عليها العائلة والذاكرة، وفي هذا السياق لا يعود الزهايمر مجرد نسيان بل آلية تفكيك بطيء للذات والسردية التي كان الأب يشكل محورها الرئيس.

بالنسبة لي لم تكن ذاكرة أبي شأنا شخصيا أو مستودعا للذكريات والأحلام الخاصة، لقد كانت ذاكرة ممتدة في علاقتها بالآخرين، فاستحضاره للماضي لم يكن مجرد حنين إليه، بل ليمنحه معنى في الحاضر ويجعله عنصرا للفهم والنقد والتوجيه، وبهذا الوسع كانت الذاكرة عند والدي ممارسة اجتماعية وأخلاقية تتجاوزه إلى الجماعة في فضاءها الأوسع، وحين هاجم الزهايمر هذه الذاكرة، لم يشطب الماضي دفعة واحدة، لكنه شتته وأفقد العائلة مرجعا سرديا كان يمنحها تماسكها، لنجد أنفسنا أمام فراغ لا يملأه التذكر الفردي وحده، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء للذاكرة بشكل جماعي، يحولها من ملكة ذهنية إلى مسؤولية أخلاقية، فما لم يعد الأب قادرا على حمله سيلقى على عاتق الأبناء.

إن الهوية مسار يتشكل عبر الزمن من خلال القدرة على ربط التجارب واستحضارها وتأويلها، وليست معطى ثابتا. فالوالد في اكتمال وعيه كان قادرا على أن يسرد نفسه وحكايته، وأن يمنح لحياته شكلا ومعنى، لكن المرض قطع هذا الخيط السردي وفصل الذات عن قصتها الخاصة وفكك هذه العلاقة ليبقى الجسد حاضرا، بينما تتلاشى القدرة على الإعتراف بالذات بوصفها استمرارا، وهذا ما يجعل المرض قاسيا إلى حد لا يطاق، يبقى الإنسان حيا ويحرمه من الإمتداد الذي يمنحه شعور الهوية والإنتماء.

تميز والدي بنمط من الأبوة منسجم مع التزامه الفكري والثقافي، فلم يكن يمارس السلطة داخل البيت، بل مارس الحوار في النقاش تمرينا لنا على الحرية وجعل من الإختلاف شكلا تربويا على تحمل المسؤولية، فكان يتحمل معارضتنا الفكرية بصبر، ويدخل معنا في نقاشات طويله لم تكن تهدف إلى فرض الرأي بل اختباره. وفي لحظات كثيرة كان يتراجع عن مواقفه حين تتلاشى حجيتها لا بوصف ذلك هزيمة، بل وفاء للحقيقة والصدق. وهذا السلوك لم يكن مسلكا تربويا فقط، بل مسلكا سياسيا في جوهره، حيث ينقل القدرة على التعبير ويقوض احتكار الرأي مع الإعتراف بالآخر بوصفه ندا في التفكير. لم تبق هذه الأبوة الحوارية نفسها حبيسة البيت، لكن امتدت إلى دعم علني من خلال تقديمنا في المجالس والندوات لا باعتبارنا امتدادا له، لكن بوصفنا ذواتا فكرية مستقلة. لم يكن هذا التوجه مجرد فعل عاطفي، بقدرما هو اعتراف ثقافي وسياسي بقدرتنا على المشاركة وتحمل تبعات الكلمة. كان يمنحنا شرعية الظهور والكلام ويدخلنا المجال العام دون وصاية منه.

أربك الزهايمر علاقتنا بالزمن، حيث يفقد الماضي قابليته للإستحضار وينفصل الحاضر عن جذوره ويغدو المستقبل بلا أفق واضح، والدي الذي كان يربط الأزمنة ويمنح للأحداث سياقها، يفقد هذه القدرة.

هذا الإنكسار الزمني لم يصبه وحده، بل امتد إلينا لنجد أنفسنا مضطرين لحمل زمنين: مستمر ومتوقف، ويتحول من عنصر طبيعي إلى عبئ أخلاقي. إصابة الوالد بالزهايمر جعلت من الوعي والنقد والموقف مشروع حياة ومفارقة وجودية مؤلمة، فالمرض لا يصيب الذاكرة الشخصية فقط، بل يهدد الذاكرة النقدية التي تشكلت عبر سنوات من الإلتزام، ويفرض صمتا لا يمحى أثره، فما يتعذر على الأب قوله، يصبح مسؤوليتنا، تفكيرا ومتابعة وحراسة، وقبل الكل الأم التي تعيد تشكيل حياتها بالكامل، فهي لا تواجه المرض بوصفه حدثا عابرا، بل تعيشه كزمن يومي طويل يتسرب في التفاصيل الصغيرة التي لا تسجل، كالتذكير المتكرر والانتظار وإعادة الشرح مع السهر وضبط الإيقاع الهش للحياة المشتركة.

تنتقل الأم من شريكة تتقاسم الذاكرة إلى من يحملها وحده دون اختيار، لأن العلاقة تفرض إعادة توزيع صامت للأدوار. أصبح جسدها وسيطا للزمن تحفظ مواعيد دواءه وتعيد ترتيب يومه ملأ للفجوات التي يتركها النسيان. وفي هذا العمل غير المرئي، تستنزف طاقتها ويعاد تعريف ذاتها بعيدا عن أي اعتراف علني.

معاناتها ليست درامية بقدر ما هي مستمرة متراكمة لا تنفجر في لحظة. وهي معاناة غالبا ما تفهم اجتماعيا بوصفها امتدادا طبيعيا لدورها كزوجة، لا كتجربة إنسانية تستحق الإصغاء. ومع ذلك فهي تواصل الرعاية لا بوصفها تضحية بطولية بل شكلا من أشكال الوفاء اليومي الذي لا يحتاج إلى لغة عالية ليبرر نفسه.

يفرض الزهايمر شكلا خاصا من الحداد، حداد بلا موت بلا خاتمة وبلا لحظة فاصلة، بلا نهاية. إنه فقط يتكرر مع كل نسيان جديد، ويطال الجميع بطرق مختلفة. لنحزن على إنسان حي يتآكل حضوره الرمزي بيننا، لنحزن عليه بوصفه مرجعا ومعنى، وتحزن الأم على رفيق العمر، وعلى علاقة كانت تقوم على التشارك، ثم وجدت نفسها تدار من طرف واحد. في هذا الإطار لا يتوزع الألم فقط بل يتكثف ويختبر كل طرف فقده الخاص، وفي الوقت نفسه يشهد فقد الآخرين، فتتضاعف القسوة لتتشكل وحدة هشة داخل العائلة لا تقوم على التماثل، بل على المشاركة الصامتة في الاحتمال، فتتسلل في هذا السياق رغبة قاسية، تمني الرحيل قبله لا رفضا للحياة، بل عجزا عن احتمال هذا الانطفاء البطيء. هي رغبة لا تقال، لكنها تكشف حدود القدرة الإنسانية حين يطول الفقد ويغيب أفقه.

حين تعجز الذاكرة، لا يتوقف الزمن، بل يعاد توزيعه، لأن ما يفقده الأب من قدرة على التذكر، تحمله الأم في تفاصيل يومية صامتة، ويحمله الأبناء في الذاكرة والسرد والمعنى حتى لا يختفي الماضي ويتغير موضعه. حين يغيب الأب الذي جعل من الحوار والالتزام سيرة حياة عن قصته دون أن يختفي أثره، تصبح الأم التي لم تكن في الواجهة، الحافظة الخفية لهذا الأثر، ليس بالكلام بل بالاستمرار، وبينهما يتشكل معنى آخر للوفاء، لا يقوم على التذكر وحده، بل على البقاء معا داخل الزمن حتى حين ينكسر، وبهذا المعنى لا يكون الزهايمر نهاية، بل امتحان أخير للعلاقات الإنسانية، امتحان يظهر أن ما يبقى منا في نهاية المطاف ليس الذاكرة وحدها، بل الطريقة التي يحاط بها حين تتلاشى كل الروابط التي تواصل حمله حتى في الغياب.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً