أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / فن الكينسوجي: شفاء الكسر بلون الزمن

فن الكينسوجي: شفاء الكسر بلون الزمن

فيينا/ السبت  31 . 01 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

علي محمد مهاجر

حين يطارد الجديد الجديد، وتستبدل الأشياء قبل أن تتأثر بالزمن، يسطر فن الكينسوجي الياباني شهادة على فلسفة م الكينسوجي أو “إصلاح الذهب”، هو الفن التقليدي لإصلاح الفخار المكسور باستخدام ‘‘اللكم‘‘ الممزوج بغبار الذهب أو الفضة أو البلاتين. الكينسوجي ليس مجرد حرفة ترميم، بل هو بيان فلسفي عميق وقصيدة بصرية عن الجمال الهش وقبول النقص وتقدير التاريخ الذي تحمله الأشياء، كما أن اللَّكُم ليس مجرد مادة لاصقة، بل هو قلب فن الكينسوجي النابض الذي يجسد التحول من الهشاشة إلى المتانة، ومن الكسر إلى الجمال، فمن خلاله تكتسب القطع المرممة هوية جديدة تحكي قوة البقاء والجمال المتولد من النقص.

ينبع الكينسوجي من المفهوم الجمالي الياباني “وابي سابي” الذي يرى الجمال في البساطة والتواضع والتقادم واستحالة الكمال. ففي هذه الرؤية، الكسر ليس نهاية، بل بداية، كما أن الشقوق ليست عيوبا تخفى، بل سجلات مرئية لحياة الكائن. فعندما يملأ الحرفي تلك الكسور بالذهب، فإنه لا يحاول إخفاء الضرر، بل يبرزه ويحتفل به ويمنحه مكانة جديدة.

يقول المثل الياباني: “سبع سقطات، ثماني نهضات” والكينسوجي يجسد هذه الروح، فالجرة المرممة تصبح أكثر قيمة بسبب كسرها، والذهب الذي يلمع في مسارات الكسر يشبه أنهار الحياة على خريطة الوجود.

إذا تأملنا هذا الفن بعين فلسفية نرى مرآة عاكسة للعلاقات الإنسانية. فكما أن الجرة تكتسب قوة وجمالا من إصلاح كسرها، يمكن للروابط الإنسانية أن تتعمق وتتغير بعد الشدائد. فالكينسوجي يعلمنا قبول الكسر كجزء من السيرة الذاتية، ولأننا أصبحنا نعيش في ثقافة تبحث عن الكمال والعلاقات المثالية والمسارات الخالية من العثرات. يذكرنا الكينسوجي أن الكسور ليست فشلا، بل فصولا في روايتنا الذاتية، فالخلافات والخيبات ليست نهاية للمحبة، بل يمكن أن تصبح مصدرا للفهم الأعمق إذا عالجناها بشفافية وصبر. ففلسفة الكينسوجي تقترح أن نعترف بالجروح ونتحدث عنها ونبرزها بدل إخفاءها ودفنها، أن نمنحها مكانا في تاريخ علاقتنا، فالندوب تصبح ذهبا عندما نتعلم منها ونتحول من ضحايا الكسر إلى حرفيين يصلحون بوعي.

الكينسوجي لا يعيد الجرة إلى حالتها الأصلية، بل يخلق كائنا جديدا بجمال مختلف. كذلك العلاقات الإنسانية بعد الأزمات لا تعود كما كانت، بل تتحول إلى شيء جديد، أكثر نضجا وتعقيدا، وأحيانا أكثر جمالا لأنها تحمل تاريخا مشتركا يحتاج إلى زمنه الخاص، إلى صبر على التماسك واحترام لعناصر الطبيعة. الكينسوجي في جوهره، تأمل في هشاشتنا الجميلة. الفخار مادة قابلة للكسر مثل قلوبنا، مثل علاقاتنا، مثل أجسادنا، لكن هذه الهشاشة نفسها هي مصدر قيمتنا، وقبولها يعني قبول إنسانيتنا بكاملها.

وعاء الكينسوجي عندما تنظر إليه لا ترى مجرد أداة، بل ترى قصة بقاء وشجاعة في مواجهة الكسر وإصرار على الاستمرار بكرامة، لأن الذهب في الكسور لا يقول “كانت هنا جراح”، بل يقول “هنا مر النور”، فربما نحتاج جميعاً إلى بعض الكينسوجي في علاقاتنا وأن نتعلم إصلاح ما انكسر ليس بإخفائه، بل بتحويله إلى جزء من جمالنا المشترك وأن نرى في ندوبنا خطوطا ذهبية في خريطة رحلتنا معا لا عيوبا نخجل منها.

في النهاية، يهمس لنا فن الكينسوجي بحقيقة بسيطة وعميقة: أنت لست أقل شأنا لأنك انكسرت، بل أنت أكثر قيمة لأنك أصلحت، وعلاقاتنا ليست أضعف لأنها تعرضت للشدائد، بل أقوى لأنها تعلمت فن الشفاء بالذهب الخفي للصبر والغفران والمحبة.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً