فيينا / الجمعة 06 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف
للقضاء على المجتمع الفاسد فإن معالجته تحتاج إلى تدرج في المعاملة فاللين اولا “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” (طه 44) هكذا بداية الرسل مع الفاسدين الطغاة. و”فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (ال عمران 159) كذلك فعل الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قومه الفاسدين في بداية الدعوة وخلالها إلا إذا اعتدوا وتعدوا الحواجز، بالإضافة إلى استخدام الحكمة. بنما الكاتب الذي يشجع الآخرين على الفساد بتحليل اعمالهم اي ضلالهم فإنه يتحمل وزر اخطائهم “لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ” (النحل 25). ومن أساليب مكافحة الفساد تحفيز الموظفين والعاملين ذوي الأمانة ومعاقبة المفسدين ولو بالتدريج. والعقوبة تكون حسب درجة الفساد وأهميته وقيمته النسبية. وللقضاء على الفساد تبدأ بالقضاء على الفاحشة “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ” (النور 19). وان المثابرة والاستمرار على مكافحة الفساد سيقضي على الفساد ولو بعد حين”وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ” (التوبة 106) فان تاب الفاسدون فأمرهم إلى الله بعد ارجاع حقوق المظلومين. و “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة” (إبراهيم 24) فافراد جهاز مكافحة الفساد الصابرة المحتسبة مثل الشجرة الطيبة. و “وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ” (ابراهيم 26) والفاسدون شجرة خبيثة على المجتمع اجتثاثها.
عن موقع الجزيرة كيف حارب القرآن الكريم الفساد بأوجهه المختلفة؟ للكاتب فوزي بن حديد: والفساد ملة واحد إن صح التعبير، فليس هناك فساد محظور وآخر محبوب، وليس هناك فساد ممنوع منعًا باتاً، وآخر باتَ ضرورة لتمرير مصالح معينة، لأن الفساد معاملة لا أخلاقية تربط النتيجة بالمصلحة الشخصية فوق كل اعتبار، واستجابة للشهوة والغريزة فوق كل حساب، ولأنه ينخر المجتمعات من الداخل ويصيبها بالشلل اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، ربما لا تظهر آثاره بسرعة، وقد يستمتع الراشي والمرتشي بالرشوة، ويتلذذ العاصي بالمعصية، وينتشي الظالم بما يقوم به من قهر للآخرين وحرمان من الحقوق وتعدٍّ على الممتلكات ولكنه لا يدري ما يخبّئه له القدر، وما يبتليه الله المنتقم، وما يحصل له في قادم الأيام كما حصل لبقية الأمم، والقرآن كتاب يذكّر الناس بأن لا يقعوا في الفخ كما وقع سابقوهم من البشر. حيث اغترّ قارون بماله وظن أنه يستطيع أن يحوز على مال الدنيا كله بكل الوسائل، وربما ظن أن ماله سيخلده، ماذا قال عنه المولى عز وجل: “إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين” (القصص 76-83). بينما استمرأ قوم لوط المعصية التي لم يأت بها أحدٌ من قبلهم، فأرسل الله عز وجل النبي لوطا عليه السلام ليذكرهم ولكنهم تمادوا في الفساد ونكروا نعمة ربهم عليهم فجاء العذاب من حيث لا يشعرون، يقول المولى عز وجل: “وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ ﴿80﴾ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴿81﴾ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿82﴾ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿83﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿84﴾” (الأعراف 80-84) فلم يتأخر العذاب كثيرا، نتيجة إصرارهم على الفساد وحبهم لإرضاء الشهوة والغريزة دون تقييد ولا ضبط.
تكملة للحلقة السابقة جاء في موقع دار السيدة رقية عليها السلام للقرآن الكريم عن الفساد في المفهوم القرآني للكاتب مصطفى الشيخ عبد الحميد المرهون: السبب الرابع: الاصرار على التمرد: يقول تعالى: “وإذا قِيَل لَهُمْ لا تُفسِدوُا في الارْضِ قالوا إنَّما نحْنُ مُصلِحونَ * ألا إنَّهُمْ هُمُ المُفسدُونَ وَلكِنْ لاَيشعرُوُن” (البقرة 11-12)، وقد نزلت هذه الايات في المنافقين. (وكان من جملة فسادهم في الارض: 1ـ تهيج الحروب والفتن، بمخادعة المسلمين، ومعاونة الكفار عليهم بإفشاء أسرارهم إليهم. 2ـ الاخلال بالشرائع التي برعايتها ينتظم العالم، بإظهار المعاصي. 3ـ الدعوة في السر إلى تكذيب المسلمين وجحد الاسلام، وإلغاء السنّة). ومع هذا يكون جوابهم بإصرار: (إنما نحن مصلحون) ظانين أنَّ هذا الكلام يمكن أن يكون مقبولاً عند المسلمين، فلا يمكن للمسلمين أن يحملوهم دائماً على الفساد، وليس هذا بغريب، فإنَّ المرء في بعض الاحيان يخترع المبررات لبعض أفعاله القبيحة، لكي يقنع ذاته بما يفعل وهو يعلم في بداية الامر أنَّه يغالط نفسه، ولكن سرعان ما يقتنع مع الوقت أن فعله صحيح وليس بخطأ، ومع الاسف هذا ما نجده عند البعض أحياناً. المعروف منكراً: يشترك المنافقون كطابور خفي، والكفار كطابور ظاهر في هدف واحد، وهو محاربة الحق والصدُّ عنه، وعدم قبوله بحال من الاحوال، وهذا ما نجده ظاهراً في كل موقف يصطدم فيه الحق والباطل. كما نلاحظ القرآن استشهد على ذلك في موقف مع موسى عليه السلام حين جبهه بالحق، فأحس فرعون بالخطر المحدق به، ورغب في الانتقام الشنيع: “فَلَمَّا جَاءَهُم بِالَحْقِّ مِنْ عِنْدِنَا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيوا نساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَل * وَقالَ فِرْعونُ ذرُونِي أَقُتلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظِهرَ في الارْضِ الْفَسادَ” (غافر 25-26). (فقد جاءهم بالحق، وكان من الواجب أن يقبلوه، لا نه حق، وكان ما جاء به من عند الله، وكان من الواجب أن يقبلوه ولا يردوه، فقابلوه بالكيد وقالوا ما قالوا لئلا يؤمن به أحد، لكن الله أضل كيدهم فلم يصب المؤمنين معه). وعلى كل آمر بالمعروف وداعية للحق أن يتهيأ في مسيرته إلى دعايات المنافقين والملحدين، وإنَّ في زماننا الكثير من ذلك، لكل عامل في الساحة الاسلامية، وكل داعية في سبيل الله، ومصلح في مجتمعه. وهذا ما أشارت إليه روايات أهل البيت في آخر الزمان، فإنَّ المعروف ينقلب منكراً، والمنكر معروفاً، والله المستعان. وهنا لابد من أن يشعر المرء بما عليه عند تعاضد قوى الكفر والنفاق في مواجهة الحق، وأن يعمل بتكليفه الشرعي في مثل هذا المجتمع المريض، حتى لو استدعى الامر الهجرة في سبيل الله، لكي لايضطر إلى ولايتهم والتأثر بأخلاقهم. وهنا يؤكد القرآن الكريم بعد ذم الذين لم يهاجروا قائلاً: “وَالَّذِينَ كَفَروُا بَعْضُهُمْ أولياءُ بَعْض إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ” (الأنفال 73)، (فإن الولاية مما لا غنى عنها في مجتمع من المجتمعات البشرية، سيما المجتمع الاسلامي الذي اُسس على اتباع الحق وبسط العدل الالهي، كما أن تولي الكفار ـ وهم أعداء هذا المجتمع ـ يوجب الاختلاط بينهم، فيسري فيه عقائدهم وأخلاقهم وتفسد سيرة الاسلام المبنية على الحق بسيرهم المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان، وقد صدق جريان الحوادث في هذه الاونة، ما أشارت إليه هذه الاية). السبب الخامس: كثرة المعاصي: يقول تعالى: “ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بما كَسَبَتْ أَيدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم 41). (الآية بظاهر لفظها عامة لا تختص بزمان دون زمان، أو بمكان أو بواقعة خاصة، فالمراد بالبر والبحر معناهما المعروف، ويستوعبان سطح الكرة الأرضية. والمراد بالفساد الظاهر: المصائب والبلايا الظاهرة فيهما، الشاملة لمنطقة من مناطق الارض، من الزلازل وقطع الامطار والسنين والأمراض السارية والحروب والغارات وارتفاع الأمن. وبالجملة، كل ما يفسد النظام الصالح الجاري في العالم الأرضي سواء كان مستنداً إلى اختيار بعض الناس أو غير مستند إليه، فكل ذلك فساد ظاهر في البر أو البحر، مخل بطيب العيش الانساني. وقوله: “بِمَا كَسَبَتَ أيدِي النِّاسِ” (الروم 41) أي بسبب أعمــالهم التي يعملونها من شرك أو معصية). وسيأتي الحديث عن هذه النقطة في نتائج الفساد.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل