فيينا / الأربعاء 18. 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
يسوِّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته لسردية حتمية الحرب مع إيران وإنه لم يكن بالإمكان تجنبها، وأن العالم سيكون مكانا أفضل بدون النظام الإيراني. بيد أن الواقع وما تكشف من شهادات، بعد 19 يوما من الحرب، يثير الكثير من الشكوك حول هذه السردية بعد تساؤلات حول طبيعة التهديد الذي كانت تمثله إيران وما إذا كان مباشرا وآنيا على الولايات المتحدة والمصالح الغربية، بل إنها كانت مستعدة، بحسب “الغارديان” البريطانية، لتقديم تنازلات تفضي لإغلاق هذا الملف نهائيا وإلى التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة.
غم مرور 19 يوما على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يزال الكثير من المتابعين والخبراء يتساءلون عن الأسباب والأهداف الحقيقية وراء هذه الحرب التي باتت تداعياتها تطال الجميع على هذا الكوكب.
في كل ظهور له أمام الصحافيين، يدلي الرئيس الأمريكيدونالد ترامب بتصريحات متضاربة. فتارة يحاول الإقناع بأن هدفه الرئيس من الحرب هو القضاء علىالبرنامج النووي الإيراني، وتارة يتحدث عن إزالة الخطر الذي يمثله النظام. ويوما آخر، يخرج بهدف جديد ألا وهو تدمير برنامج الصواريخ الباليستية، وفي اليوم الذي يليه يقول بأن السيطرة على النفط الإيراني هو ما يود فعله كما فعل في فنزويلا. في حين أن وزير خارجيته ماركو روبيو أعطى سببا آخر لا علاقة له بكل ما سبق ألا وهو أن الولايات المتحدة قررت شن هجوم علىإيران استباقا لضرباتها الانتقامية التي كانت ستقوم بها بعد هجوم إسرائيلي جديد على طهران.
قد يكون ما قاله روبيو زلة لسان وكشفا غير مقصود عن الضغوط القوية التي مارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على نظيره الأمريكي من أجل إقناعه بمشاركة إسرائيل في التخلص من الجمهورية الإسلامية، حسب محللين. فلقد أصبح الكثير من الأمريكيين مقتنعين الآن بأن هذه الحرب ليست حربهم وأن بلادهم قد جرت جرا إليها ولا ناقة لها ولا جمل فيها.
هل نصب “فخ محكم” لإيران؟
لم يحاول أحد من الرؤساء الأمريكيين السابقين مهاجمة إيران من قبل لأنهم كانوا متأكدين أن تبعات هذا الفعل وخسائره تفوق بكثير مكتسباته الآنية قصيرة الأمد، ولكن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب قرر سلوك مسلك مخالف لكل من سبقه متعللا بموقف طهران المتعنت من المفاوضات وإصرارها على استكمال برنامجها النووي وهو ما كان سيمكنها، حسب واشنطن، من امتلاك قنبلة نووية في القريب العاجل. في رأي ترامب، فإن امتلاك إيران لقنبلة نووية يعد تهديدا وجوديا لإسرائيل، حليفة واشنطن المقربة.
وترامب لم يفتأ يهدد إيران طوال المفاوضات النووية، التي جرت على جولتين إحداهما في مسقط والأخرى في جنيف بوساطة وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، مهددا ومتوعدا إيران بالأسوأ إن لم تبد مرونة في التفاوض وتقبل الطلبات الأمريكية. وزيادة منه في الضغط عليها فقد حشد البوارج والمدمرات وحاملات الطائرات في الخليج العربي وأمام السواحل الإيرانية.
لكن المفاجأة تكشفت خيوطها، فقد خرجت صحيفة الغارديان البريطانية يوم الثلاثاء 17 مارس/آذار بمقال للصحافيين باتريك وينتاور وجوليان بورجر يكشفان فيه حضور جوناثان باول مستشار الأمن القومي البريطاني لجلسات المفاوضات النهائية مع إيران حتى يومين قبل اندلاع الحرب أي يوم الخميس 26 فبراير/شباط. وذكرت مصادر الجريدة أن باول كان مندهشا حقا للقدر الكبير من المرونة الذي أبداه الإيرانيون أملا في الوصول إلى اتفاق يغلق هذا الملف مرة واحدة وللأبد.
ووفقا لباول ومسؤولين بريطانيين، فقد حظي استعداد إيران للتوصل إلى اتفاق بالإعجاب. وذهبت طهران في مساعيها لأبعد مما كان في الاتفاق النووي السابق لعام 2015 ووافقت على إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تخفيف درجة تخصيب مخزونها البالغ 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب داخل الأراضي الإيرانية والتعهد بعدم بناء أي مخزونات مستقبلية من هذا النوع من اليورانيوم. كانت هذه واحدة من أكبر النقاط الخلافية مع الولايات المتحدة، وتنازل الإيرانيين عنها كان مؤشرا على غياب أي رغبة للدخول في صراع عسكري مع واشنطن.
وفي الجلسة الختامية للمحادثات، قبلت إيران بتجميد أنشطة التخصيب المحلية لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لكن الولايات المتحدة طالبت في جلسة بعد الظهر، عقب مشاورات مع ترامب، بوقف يمتد لعشر سنوات. وعمليًا، لم تكن لدى إيران القدرة على التخصيب محليًا بعد قصف منشآت التخصيب التابعة لها في عام 2025.
كما قدّمت إيران عرضًا وصفه الوسطاء بأنه “فرصة اقتصادية هائلة”، إذ منحت الولايات المتحدة إمكانية المشاركة في برنامج نووي مدني مستقبلي. وفي المقابل، كان من المفترض أن يُرفع نحو 80 بالمئة من العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، بما في ذلك الأصول المجمّدة في قطر، وهو مطلب كانت طهران قد طرحته في مفاوضات عام 2025.
ورأى الوسيط العُماني أن عرض إيران عدم الاحتفاظ بأي مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب شكّل اختراقًا جعل التوصل إلى اتفاق أمرًا ممكنًا.
“مستشارون ليسوا على المستوى”
دخلت الولايات المتحدة هذه المفاوضات يمثلها فيها صهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص لترامب في عدد من الملفات. وتفيد مصادر الغارديان إلى أن حضور جوناثان باول في المفاوضات بصفته مستشارا للوسيط العماني كان إشارة إلى القلق الواسع من تدني مستوى الخبرة الأمريكية في المفاوضات.
فويتكوف لا يمتلك أية خبرة في شؤون المنطقة؛ حتى إنه أشار إلى مضيق هرمز في أحد مقابلاته الأخيرة باسم “خليج هرمز”. وبالمثل، اعترف في مقابلة أخرى بأن معرفته بالبرنامج النووي الإيراني سطحية للغاية، لكنه مع ذلك كان لديه الجرأة على القول إنه “مؤهل لمناقشته”.
وفي مقال آخر صدر الأربعاء، يواصل باتريك وينتاور المحرر الدبلوماسي بالجريدة القول بإن ويتكوف نادرا ما كان يدون الملاحظات أثناء الاجتماعات كما أنه لم يصاحبه أي خبير في المسائل التقنية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.
فيما قال مسؤول سابق اطّلع على ما جرى في محادثات جنيف من بعض المشاركين فيها: “لم يجلب ويتكوف وكوشنر فريقًا فنيًا أمريكيًا معهم. لذلك اصطحب جوناثان باول فريقه الخاص”. وأضاف المسؤول السابق: “فوجئ الفريق البريطاني بما طرحه الإيرانيون على الطاولة. لم يكن عرضًا متكاملًا، لكنه مثّل تقدمًا، وكان من غير المرجح أن يكون العرض النهائي من جانب الإيرانيين. وكان الفريق البريطاني يتوقع أن تُستأنف الجولة التالية من المفاوضات استنادًا إلى هذا التقدم الذي تحقق في جنيف“.
وتختلف الروايات بشأن ما إذا كان كوشنر قد غادر المفاوضات وهو يعطي انطباعًا بأن ترامب سيرحب بما تم التوصل إليه، أم أن الفريق الأمريكي كان يدرك أنه سيحتاج إلى “إنجاز ضخم” لإقناع ترامب بأن الحرب ليست الخيار الأفضل.
وحسب ما تنقله “الغارديان” فقد قال دبلوماسي خليجي مطّلع على ما دار في المحادثات: “كنا نرى ويتكوف وكوشنر أشبه بدمى إسرائيلية جرّت رئيسًا يريد الخروج من الحرب إلى خوض حرب جديدة”.
لا خطر وشيكا
لا شك أن حضور باول في محادثات جنيف، وكذلك في جولة سابقة من الاجتماعات في المدينة السويسرية ذاتها مطلع الشهر، سيسهم في تفسير تردد الحكومة البريطانية في تأييد الهجوم الأمريكي على إيران، وهو تردد ألحق توترًا غير مسبوق بالعلاقة بين لندن وواشنطن. فلم ترَ المملكة المتحدة أدلة مقنعة على تهديد وشيك يتمثل في هجوم صاروخي إيراني على أوروبا، أو على أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي. كما اعتبرت أن الهجوم كان غير قانوني ومتسرعًا، إذ كان باول يعتقد أن الطريق إلى تسوية تفاوضية من أجل طمأنة إيران للولايات المتحدة بأنها لا تسعى إلى سلاح نووي ما زال مفتوحًا.
وهو السبب الحقيقي الذي كشفته وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر في تعليقها على إحاطة برلمانية بالقول: “قدّمنا دعمًا للمفاوضات والعمليات الدبلوماسية المرتبطة بالمناقشات النووية. كنا نرى أن هذا المسار مهم وأردنا له أن يستمر، وهذا أحد الأسباب التي دفعتنا إلى تبني الموقف الذي اتخذناه من الضربات الأمريكية الأولى”.
لقد عكست رحلة المفاوضات عبر الأطلسي قناعة عُمانية بأن ويتكوف وكوشنر، عن قصد أو عن جهل، لم ينقلا لترامب حقيقة ما جرى في المفاوضات. كما حامت شكوك في مدى تركيز ترامب نفسه؛ ففي محاولة سابقة لشرح وضع المحادثات له، انحرف الحديث حين حوّل الرئيس دفة النقاش إلى واحد من موضوعاته المفضلة: الأحذية. وبالنظر إلى الوراء، يرى البعض أنه ربما كان من الأفضل إرسال مبعوث أرفع مستوى لمحاولة جذب انتباه ترامب، لكن الوقت قد فات بالفعل واندلعت الحرب في اليوم التالي.
لذا يقول الإيرانيون الآن إنهم يعتقدون أن المفاوضات كانت مجرد “خدعة منذ البداية” هدفت إلى منح الولايات المتحدة الوقت اللازم لحشد قوتها العسكرية في المنطقة. فيما وصف ويتكوف، من جانبه، الإيرانيين بأنهم “مخاتلون” و”مراوغون”. بينما قال دبلوماسي خليجي: “الوقت والخبرة الإضافيان لم يكونا ليضمنَا التوصل إلى اتفاق، لكنهما كانا سيساعدان بلا شك على تحقيق ذلك. ما يمكنني قوله هو أنه في كل الروايات عما جرى، كان الإيرانيون عادةً هم الطرف الذي يقول الحقيقة”.
الحرب لم تكن حتمية
بعد 19 يوما من الحرب تبين لكثيرين أن الحرب لم تكن حتمية وأن إيران لم تكن التهديد المباشر والآني على حرية الملاحة في الخليج العربي كما يروج ترامب وإدارته، بل على العكس كان الوضع قبل الحرب أفضل بكثير من بعدها.
المصدر / فرانس 24
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل