الرئيسية / مقالات / عيد الفطر بين نداء السماء وصرخة كربلاء

عيد الفطر بين نداء السماء وصرخة كربلاء

فيينا / الخميس  19. 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

يحل علينا عيد الفطر هذا العام لا كباقي الأعياد، بل في زمنٍ تقاطعت فيه أصوات التكبير مع هدير العدوان الأميركي‑الصهيوني الذي يحاول ترويض آخر قلاع الصمود في هذه الأمة والتي تأبى الركوع والإستسلام. يأتي هذا العيد وسط حصارٍ مفروض على الشعوب الحرة، وفي مقدمتها إيران رأس حربة محور المقاومة والشرف والتي تقف شامخة على خط المواجهة الأول، حاملة راية المقاومة كما حملها الحسين بن علي عليه السلام يوم اختار طريق الشهادة على حياة خاضعة للظلم والإستكبار.

بين محراب الصوم وميدان المواجهة استقرت روح الإيمان المقاوم، فكما علمنا شهر الصيام أن ننتصر على أهوائنا لنصير أحرارا من الداخل، تعلمنا كربلاء أن الحرية لا تُستجدى من الطغاة، بل تصان بالدم والعقيدة والثبات. لذلك، فإن العيد هذه السنة ليس نهاية صيام فحسب، بل ولادة جديدة للإنسان المؤمن، الذي يرى في فرحة الفطر دعوة لمواصلة الجهاد على طريق الحق والكرامة.

إنّ فرحة المؤمن لا تنفصل عن قضية المظلومين، ولا تكتمل إلا حين يُكسر قيد المحاصرين ويُرفع صوت المستضعفين. في هذا العيد، حيث تُمطَر أرواح الأبرياء بنيران الاستكبار، نتذكّر الحسين عليه السلام وهو يواجه جيشا يفوقه عددا وعدة، لكنه امتلك ما لم يمتلكوه واستشرف بوعي الحق والإيمان بالعدل وعد الله لعباده المؤمنين. وهكذا فإن كل مقاومٍ اليوم على أي أرضٍ وفي أيّ بقعة يهددها الاحتلال، إنما يُعيد تمثيل كربلاء في زمنه ويواصل رسالتها الخالدة من خلال شعارها هيهات منّا الذلة.

في هذا العيد لا يمكن أن تمر الفرحة من فوق دماء الشهداء دون أن تنحني القلوب إجلالا لهم. ففي جنوب لبنان حيث تتعانق أرواح المقاومين مع أنين الأرض، وفي فلسطين التي تنزف منذ عقود ولا تزال تنجب الشهداء كزهورٍ لا تذبل، وفي إيران التي قدّمت العلماء والجنود دفاعا عن محور المظلومين، وفي العراق الذي واجه الإرهاب والاحتلال بجلد وإيمان، تتجلّى وحدة الدم والمصير. فإلى أولئك الذين سقطوا على ثرى لبنان وفلسطين وإيران والعراق واليمن، إلى رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه وجعلوا من جماجمهم جسورا لعبور الأمة نحو حريتها، نوجّه تحية الفخر والعهد وننحني إجلالا وإكبارا. إن كل شهيد من هذه الأرض الطيبة هو امتداد لدم الحسين عليه السلام الذي خطّ بدمائه معنى الكرامة الأبدية، وهم اليوم يواصلون ملحمته على جبهات جديدة، مؤمنين بأن النصر لا يقاس بعدد المعارك، بل بصدق النية وطهارة الهدف. إنّ عيد الفطر الحقيقي هو انتصار روح الإنسان على الخوف، وانتصار المبدأ على المصلحة. إنه عيد الذين يصومون نهارهم عن الرذيلة والخيانة ويقفون ليلهم في وجه الباطل والظلم. وكما خرجت دمعة زينب يوم كربلاء لتكون بيانا للوعي والكرامة، يجب أن يصدح صوت الأمة في وجه الإمبريالية والاستعمار، صرخة لا تهدأ حتى يُستعاد الحق وتُطهّر الأرض من الطغيان.

يا أبناء الأمة الأحرار… لنجعل من هذا العيد منبرا للكرامة ووعدا صادقا بالمواصلة. لنُجدّد عهدنا مع الله ومع الدماء الطاهرة التي سالت في طريق الحسين، ومع كل شهيدٍ منذ كربلاء حتى اليوم، بأن لا نلين ولا نستسلم، كل في ثغره، وأن نصون إرادة الأمة كما صانتها زينب ببيانها وشجاعة موقفها.

عيد الفطر هذه السنة ليس فاصلا بين الصوم والفرح، بل هو امتداد لملحمةٍ مستمرة، ملحمة يكتبها الأبطال بدمائهم وأرواحهم.

كل عامٍ وأنتم بخيرٍ وثبات، وقلوبكم خاشعة لله لا للطغاة، وسواعدكم ممدودة بالعمل لا باليأس. عيدكم مقاوم، يفيض بالعزّة كما فاضت أرض كربلاء بالبطولة، وتعلو فيه التكبيرة لتكون وعدًا جديدًا: أن لا عيد حقيقي حتى تُرفرف رايات الحق فوق كل أرض ظُلِمت، وحتى يُسمع صدى كربلاء من جديد في وجه كل يزيدٍ معاصر.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً