الرئيسية / دراسات ادبية وعلمية / بين حكمة الحرف ورومانسية المعنى قراءة في مجموعة نبوءات آخر المرسى للشاعر جعفر الخطاط

بين حكمة الحرف ورومانسية المعنى قراءة في مجموعة نبوءات آخر المرسى للشاعر جعفر الخطاط

السيمر / الجمعة 06 . 07 . 2018

د. رحيـــم الغربـــاوي

يبدو أن الشعر هو علامة من علامات صاحبه توجهاً وإيمانا وشعورا لأمر ما , وهو المترجم لشخصيته , وقد غاصت الدراسات النفسية في دراسة الشعر وفهمه من زاوية خاصة , فتلقي عليه أضواء كاشفة , ولكنه في غوصه بأعماق النفس البشرية يستجلي الكثير مما تستشعره وتتوق إليه من خلال تعبير تلك النفس لما يجتاحها من فضاضة الواقع أو حسنه , فينفض ما بدواخل تلك النفس من مشغلات نفسية وفكرية وشعورية .
ومجموعة الشاعر جعفر الخطاط ( نبوءات آخر المرسى ) ضمَّت بين دفتيها تنويعات من القصائد , منها الحديث عن لواعج النفس من تهجدات للوطن والتغني بانتصاراته , أو تعبير عن هواجس رومانسية ومنها التغني في قدراته الشعرية , فضلا عن قصائد في آل البيت عليهم السلام لاسيما واقعة الطف ، قد أخذت مساحة من أشعاره , فجاءت مجموعته نسيجاً من تلك التلاوين , إلا أنَّ قصائدة قد شاعت فيها الروح الرومانسية وهو يعبر عن الحبيبة التي ألهمته الشعر , ومنحته دنيا طيبة من العيش في عوالم الخيال ؛ ليبرق لها أحاسيسه ومشاعره .
ولايفوتنا أن نذكر من جمال أبياته حكمه التي ألبسها رداء العقل وجمال السبك ونشدان الضمير؛ ليحقق ما تبتغيه روحه الشفافة تجاه الإنسان والكون والوجود ,
مستعملاً بعض الرموز الدينية والتاريخية ، فهي متجليات توصل القارئ للمعاني المقترحة التي يرى من خلالها الشاعر ذاته المتحمسة وهو أسلوب يرمي إليه ؛ لإثبات نزعته الوجودية . فنجده يبث لواعجه في كثير من أشعاره ، ومنها قوله في قصيدته ( بقايا وانتظار ) :
أغيثي هزيلاً هدَّهُ البُعــــــد ليلـهُ يكابدُ فيه الوجد من لوعة الجفـــا
وما الحال في شكواه إلا شـماتةٌ تناقلهـا العذَّال بالســـرِّ والخفـــــا
تمكَّنَ منهُ العذل واجتــــاحَ حَيلهُ وغارَ بعمقِ الجرح هتكاً وأردفــا
…………………..
وكلُّ عجاف الشـيب توحيكَ منيةً فذاقَ مرارَ الوجـد حتى تصوَّفــا
ينوحُ كمـــا يعقوب ناجى عزيزه كفيفاً , وما الباقون أنسوهُ يوسـفا
فردِّي بريحِ اليأس ريحاً يتوقُها وروِّي فؤاداً لاعجَ الشوق أهيفـا
فالخطاط وهو يبث شجونه في أبياته الشعريه يعيش نوبات الحب الدافقة نراه يعلن لواعج الحسرة والألم لما ينتابه من معاناة , مما جعله يختار روي قصيدته صوت الفاء ؛ ليخرج زفراته وحسراته عن طريقها , أما صوت العين فقد تفشى في مفاصل القصيدة , وهو يحمل مرارة الألم , بينما أصوات الخاء والشين والكاف والهاء والهمزة , جميعها اشتركت ؛ لتمنح النص معنى التحسر والتوجع ؛ فصارت تلك الأصوات وسيلة لإخراج الزفرات والحسرات التي انتابت الشاعر , وعلى الرغم من أن الشعر العمودي يأتي في أغلب الأحيان في لغة مباشرة إلا أنه يتضمن إشارات مجازية من خلال أسلوب المجاز والكناية والاستعارة والتشبيه , إلا أنَّ الشاعر أتى بتشبيه عميق ينقلنا إلى صورة تكاد تجعلنا نبحر في قصة تاريخية مقدسة قصَّها لنا قرآننا الكريم وهي قصة النبي يوسف (عليه السلام ), فقد شبه الشاعر معاناته كما يعقوب عليه السلام , فنوح الشاعر كما يصفه كنوح النبي عليه السلام حين فقد عزيزه يوسف وهو كفيف , لكنَّ الشاعر يبين أنَّ كفافه هو عدم رؤية الحبيب المجافي وعلى الرغم من أنَّ الأحبة كثر لدى الشاعر , فهو لم ينس الحبيبة المفارقة كما حال أبناء يعقوب التسعة لم يكونوا من القدرة على جعل أبيهم أن ينسى يوسف عليه السلام . والشاعر يخاطب الحبيبة أنْ ترد بريح اليأس وهنا أحدث لنا المفارقة بينه وبين يعقوب إذ كانت ريح يوسف هي ريح أمل أنعشت عينيه وقلبه بالبصر والرؤيا فجعلته يتأمل مقدم يوسف , بينما شاعرنا فهو يعيش اليأس المطبق إلا من ذكرى تجلبها له الريح لعلَّها تروّي قلبه الذي يعتصر شوقا قاتلا جعله يحدق به .

أما قصيدته ( أزفَ الموت يا كربلاء ) فيصف فيها واقعة الطف وأقمارها الكرام , فهو يقول :
أزِفَ الموت فانحني ياســـماءُ لجسومٍ تضمُّهــا الرمضـاءُ
الفراديــــــس للعنــــاق تدانت يقتفيها الوصيُّ والزهـــراءُ
هوِّني حين تحمـــــلين أكفَّــــاً لفَحَتها الشموسُ والصحراءُ
ورضيعـــا تلقفتـــه ســـهــــامٌ عَطِشاً نالَ من ســـناهُ الفناءُ
وذبيحاً على العــراءِ ظميَّـــــاً أفلَ البدرُ قــربهُ والضيـــاءُ
ها هنا داستْ الخيولُ صدوراً وعلى الرملِ قُطِّعتْ أشـلاء
فنراه يصف آل محمد بالفراديس مخاطباً السماء ، وقد أكَّد دلالتهم المدسة بذكر الوصي والزهراء , فالوصي هو علي عليه السلام الذي أوصى الرسول صلى الله عليه وآله به المسلمين بأنه خليفة الله من بعده ، أما الزهراء فهي بنت رسولنا الأكرم وهما آباء ذريته عليهم السلام ؛ ليضفي الشاعر قدسية مضاعفة على شهداء الطف وقد لمَّح إلى أكف العباس عليه السلام التي دافعت عن إمام زمانه الحسين عليه السلام الذي يمثل الشريعة الإسلامية السمحاء آنذاك , مخاطباً السماء أن تحمل تلك الكفين بلطف ولين لما لهما من منزلةٍ عند الله سبحانه , ثم يعطف الشاعر على الطفل الرضيع الذي نالت منه سهام الكفر الحياة , بينما يصف الحسين وهو الذبيح الظمئ الذي داست الخيول على صدره هو وأصحابه وآل بيته فقطِّعوا أشلاء ؛ مما حدا بالبدر أنْ يأفل احتجاجاً على مصرعه عليه السلام ، إشارة إلى حزن الشاعر عليهم نيابة عن شيعتهم .
ولعل السماء هي رمز القداسة في جميع الديانات ؛ لذلك خاطبها الشاعر فهي منزل العرش والملائكة والنبيين والأوصياء , ومنها الخير الذي ينعش الأرض بالحياة ؛ لذا اختارها الشاعر رمزاً لمكانة القوم الذي استشهدوا في سبيل رسالتها القويمة , فهو يطلب منها بقوله :
قبِّلي تربة الطفوف خشـــوعاً لست أرقى لقدسها يا سـماءُ
واخشعي حين تلمسينَ بـدوراً بدمــــاهم توضَّأت كربــلاءُ
فعلى رملها تضرَّجَ ســـــبـطٌ كلُّ ما فيه مُصحَفٌ وكســاءُ
ستضمِّين يا ســـــماء نجومـاً في السمواتِ ما لهم نظــراءُ
وتعودين والحسين ســــتبقى فيهِ لاء الشموخ ، والكبرياءُ
وعلى الرغم من قدسية السماء , فقد طلب منها أن تخشع كونها الأم ، ويمكن للأم أن تخشع للفعل العظيم أليس والدا يوسف قد سجدا لإبنهما ؛ مما يدل على الدرجة العالية عند رب العرش العظيم ، فهم النجوم التي ستضمهم السماء ؛ كونهم لانظير لهم فيها لقدسيتهم العظيمة. أما ( لاء ) الحسين التي قالها بوجه الطغاة , فما هي إلا ( لاء ) التحدي والشموخ والكبرياء .
أما قصائده في وصف مأساة الوطن ، فنراه ينزف الدماء حرقة ؛ لماحلَّ به من فتك وتدمير أثر الاحتلال البغيض وإدارة أذناب ذلك المحتل الذين لم يراعوا مصلحة وطنهم وشعبهم , بل فضلوا العيش خانعين لأجل مصالحهم التي تدفعهم لها أنانيتهم وخنوعهم القبيح , فهو يقول :
وماذا بعدُ يا وطني الجريحُ ؟ أنزفُكَ ينتهي أم فيـــكَ روحُ ؟
مسلسَلُ قتلكَ المشــؤوم أنَّى ؟ يغـــادرُ والمقابـــرُ تســـتريحُ
أراكَ بذنبِ يوســـــفهمُ تهيماً وطفُّكَ سـرمديٌّ , لايــــروحُ
فقل لي بعدَ موتِكَ ما سـيأتي ؟ وأيّ فجيعةٍ أخــرى تلـــــوحُ ؟
……………….
جلالُـــكَ والجمال تخطَّفـــوهُ تراثُكَ والجنائـن والســــفوحُ
طفـــولتُكَ البريئةُ قد توارتْ على خيمٍ يغصغصها النزوحُ
فهو يخاطب وطنه الجريح الذي كبا بفعل الأطماع الخارجية والخيانات الداخلية التي أطاحت به وهو الوطن الذي عرفته الدنيا من أقصاها إلى أقصاها بعزمه وبطولته وإقدامه لكن قوى البغي آثرت إلا تدمير بناه من خلال شحذ الطائفية البغيضة التي اعتاشت عليها نفوس ضعاف حكمت باسم الدين والمذاهب , لكنها تنهش بخيراته الوفيرة وهي الفجيعة الأكثر جرماً عندما يحترق البيت من شرارة بعض أبنائه التبع الذين سيخزيهم الله بشرور أعمالهم .
ثم نرى الشاعر يبث روح العزيمة بالوطن , بنفوس أبنائه الشرفاء ، فهو يقول :
ألا فلتســتَفقْ فحصــاكَ جنـدٌ وبيـــرقُكَ المُرفــرِف لايطيــــحُ
سينهضُ ألف عثمانٍ ليـحمي حُسينكَ ، ما حَوتْ لِوغاكَ سوحُ
ألا قُم يـــاعراق فأنـتَ سـبطٌ وأرضك رغم مانزفتْ ضـريحُ
ولما كان العراق البلد الذي ازدهى بحضاراته فأنه لامحالة سينهض من جديد على الرغم ما أشعلوا به من فتن طائفية , فهو لابدَّ أنْ يتوحد بكل طوائفه , مومئاً إلى عثمان ذلك الشاب الذي لم ينظر إلى المذهب حينما فدى بنفسه , لينجي من غرق في حادثة جسر الأئمة من زوار الإمام الكاظم عليه السلام , وهو من سلالة الحسين عليه السلام .، فالشاعر يدعو العراق للنهوض مرة أخرى ؛ ليعود سالماً معافى .
أمَّا في قصيدته ( طموح ) فنرى سيل من حكمه التي يمكن اتخاذها عبراً ودروسا للنشئ والشباب ؛ ليفيدوا منها في طموحاتهم المشروعة , فنراه يقول :
بغيرِ طموح المرء لا تُبلَغُ المُنى فما بلغ الأحلام مـَن عاشَ بالندبِ
ومنزلُ جاه المرء ما جادَ سعيُهُ ويُحتَقر الكسلان في غيهبِ الجُبِّ
وإنَّ كمال العلمِ ما ثابـرَ الفتى وليس كمال العلم بالمـالِ والثوبِ
ومرتبة الألقاب للدائبِ السمي وليس لِمن يقتات من تالفِ الحَبِّ
يقول الجاحظ : ” المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والأعجمي ” و لعلَّنا اطلعنا على معاني حكمه في ترائنا العربي ، لكن شاعرنا هو من تخير الألفاظ وأقام الوزن فأبدع في السبك والتنشئة فأتى بها في ترافة من الأسلوب , فمن معانيها إنَّ من يعش الندب ويتكل لا يمكنه بلوغ المعالي ، فبالسعي تحقيق المطالب لا بالتقاعس والخمول والكسل , وبذلك يكون منزله الجبِّ كناية عن التخلف والتأخر . كما أنَّ كمال العلم في المثابرة والكفاح لا بالمال والثوب , فهو ينتقد الظاهرة الجديدة التي جعلت من التعليم في العراق يعيش الانتكاسات لاسيما في الشهادات الخالية من المحتوى التي جُلبت بالمال والزينة الظاهرية من دون الامتلاء بالمادة العلمية الرصينة وهو من العيوب التي طاشت بالبلاد بفعل الفساد المشرئب في جميع ميادين الحياة اليوم . بينما المراتب العلمية لايمكن أن تستحصل إلا لمن دأب بالمثابرة وليس لمن يأخذ من القشور ؛ ليجعل منها معلماً له , ويبدو من خلال ظلال الأبيات أن الخطاط يرفض من يدعي العلم وهو لا يحمل من أبجدياته شيئاً لكنه لربما نال الشهادة بالمال والعلاقات وليس مما ناله بالجهد والتفاني للأسف كما هو الحال في بلادنا اليوم .
ومن شعره الحكمي أيضاً قصيدته ( نصيحة ) التي يقول فيها :
تصبَّر لِحُزنكِ عنـــد البــلاء فما خاب من كانَ يوماً صَبَرْ
وعوِّد فـــؤادكَ كَظــمَ الأنين تجد سعدَ عمرِكَ والمُســـتَقَرْ
فمهما يطـــولُ ظلام الهزيع سيأتي النهارُ ويمحو الأثــــر
ومهما يسودُ جفافُ الخريف ستنمو الغصونُ ويعلو الشجرْ
فطول البلاء أشـــــدّ امتحان ومَنْ كــــانَ مُصطَبِراً قدْ ظَفَرْ
فنراه يحكي قصة الصبر وهو الحكيم الذي يمنح معانيه أوراق الثمر من متنوعات الأساليب والصور الفريدة التي تمنح المتلقي طلعاً جنياً من لذائذ المناظر وإن كانت تلك المشاهد نعيشها في الحياة لكن جماليات المعاني في المقابلات والطباقات جعلت من صوره تتمرأى في المخيلة بكل اتزان وتصابي ؛ لتمنح المتلقي بطرافتها الدهشة والمتعة ، وكم منَّا يحتاج إلى الصبر ؛ كي يجعل حياته مستقرة هانئة يسودها الحب والوئام والعيش الرغيد .

اترك تعليقاً