كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، عن تعريفات جمركية جديدة واسعة النطاق، تضمنت فرض رسوم على كثير من الدول العربية مثل الإمارات والسعودية والمغرب والجزائر وسوريا. ورغم تفاوت نسب الرسوم المفروضة، إلا أن تداعياتها على اقتصادات الدول المعنية بحسب مراقبين، حتمية. فإلى جانب دول الخليج، قد تتأثر عدة دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل مباشر بالقرار، خاصة تلك التي تتمتع بنفاذ تفضيلي إلى السوق الأمريكية أو التي لديها معدلات تعريفات غير متكافئة مع واشنطن.
في خطوة لاقت تنديدا من شركاء واشنطن وخصومها على حد سواء، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء أمرا تنفيذيا فرض بموجبه “رسوما جمركية متبادلة” على واردات بلاده من “كل دول العالم” لكن بنسب متفاوتة، ما أثار تحذيرات من مخاطرها الجسيمة على الاقتصاد العالمي.
ورغم أن خطوة ترامب تستهدف بدرجة أولى أبرز منافسيها اقتصاديا، الصين والاتحاد الأوروبي، فإن تداعياتها المحتملة علىالدول العربية تبدو جلية ولو بنسب متباينة.
بحسب ترامب، تهدف واشنطن عبر هذه الإجراءات التي تدخل حيز التنفيذ السبت 5 أبريل/نيسان، إلى الرد على التعريفات الجمركية والعوائق غير النقدية، مثل الدعم الصناعي وضرائب القيمة المضافة ودعم العملات، التي تدعي الإدارة الأمريكية أنها “تضر بشكل غير عادل” بالمنتجات الأمريكية.
رسوم جمركية أمريكية ثقيلة وضرائب إضافية على كل دول العالم
يتضمن الهجوم الحمائي الذي يشنه البيت الأبيض، وهو غير مسبوق منذ ثلاثينيات القرن العشرين، تعريفات جمركية إضافية بنسبة 10% كحد أدنى على كل الواردات ونسب أعلى على البلدان التي تعتبر معادية بشكل خاص في المسائل التجارية.
نسب متفاوتة وضرر ثابت
تتراوح نسبة التعريفات التي فرضها ترامب على الدول العربية من 10% على السلع القادمة من مصر والسودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين والمغرب وموريتانيا وعُمان وجزر القمر، إلى 41 في المئة على واردات سوريا، 39 في المئة على السلع العراقية، ونسبة 20 في المئة على المنتجات الأردنية، في حين فرض 28 في المئة على تونس، و30 في المئة على الجزائر، و31 في المئة علىليبيا.
دول الخليج
خلال عام 2023 بلغت قيمة الصادرات الخليجية إلى الولايات المتحدة ما يزيد قليلا عن 30 مليار دولار، مما يجعل اقتصادات المنطقة غير معتمدة بشكل كبير على هذه التجارة.
لكن دول الخليج ترى في الولايات المتحدة شريكا مهما في مجالي الأمن والاستثمار، لذلك لا يتوقع الخبراء أن تسعى دول مجلسالتعاون الخليجي إلى اتخاذ خطوات انتقامية كبيرة.
ومع ذلك، قد تحاول دول الخليج التفاوض للخروج من هذه التعريفات في الأسابيع المقبلة، أو ربما تسعى للحصول على مزايا إضافية مقابلها، مثل زيادة الوصول إلى أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة الأمريكية.
المنتجات غير النفطية لا تمثل سوى 6% من صادرات السعودية لأمريكا
بالنسبة للسعودية، فإنها تصدر بضائع إلى الولايات المتحدة بقيمة 10 مليارات دولار سنويا، ولا تمثل المنتجات غير النفطية سوى 6% من هذا الرقم، فهي تستورد سلعا مثل المعدات العسكرية والتكنولوجيا التي تحتاجها، لذا يرى مراقبون أنه لن يكون من المفيد لها فرض تعريفات جمركية على هذه الواردات.
ورغم فرضها تعريفات على الواردات الأمريكية بنسبة 5% وعلى بعض السلع بنسبة تصل إلى 25%، من غير المرجح أن تتأثر المملكة مباشرة بسبب علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن وارتباطاتها العميقة في قطاعي الطاقة والدفاع.
في السياق ذاته، من المقرر أن يقوم ترامب بزيارة إلىالسعودية والإمارات وقطر في مايو/أيار – وهي أول رحلة خارجية له في ولايته الثانية – مما سيشكل حافزا إضافيا لهذه الدول للتعاون مع واشنطن وضمان سير الأمور بسلاسة.
أما عمانوالبحرين، فهما الدولتان الخليجيتان الوحيدتان اللتان لديهما اتفاقياتتجارةحرة قائمة مع الولايات المتحدة، ما يعني تداعيات أقل حدة.
الإمارات وقطر تعدان أيضا محميتان نسبيا بفضل علاقاتهما العسكرية والاستثمارية القوية مع الولايات المتحدة، وعدم وجود احتكاكات تجارية كبيرة في القطاعات التي تستهدفها إدارة ترامب.
تداعيات سلبية لمصر؟
إلى جانب دول الخليج، قد تتأثر عدة دول في الشرق الأوسط وشمالأفريقيا بشكل مباشر بالتعريفات الجمركية المتبادلة التي فرضها ترامب، خاصة تلك التي تتمتع بنفاذ تفضيلي إلى السوق الأمريكية أو التي لديها معدلات تعريفات غير متكافئة مع واشنطن.
تفرض مصر تعريفات جمركية مرتفعة على العديد من السلع الأمريكية، لكنها في المقابل صدرت في سنة 2023 فقط ملابس إلى الولايات المتحدة بقيمة 1.1 مليار دولار، مستفيدة من إطار المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، الذي يمنحها إعفاءات جمركية بشروط، من بينها إشراك مكونات إسرائيلية في المنتجات، ورغم أن نسبة التعريفات المفروضة على القاهرة لا تتجاوز 10 في المئة، فإنها تعتبر من أكثر الدول المرجح تعرضها لتداعيات سلبية إثر قرار ترامب إذا طبقت إدارته مبدأ المعاملة بالمثل بصرامة.
الأردن ضمن المتضررين المحتملين
رغم اتفاقية التجارة الحرة الموقعة في 2001، يحتمل أن يكونالأردن الذي بلغت صادراته إلى الولايات المتحدة نحو 2.9 مليار دولار في عام 2024، منها 1.7 مليار دولار في الملابس بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، من بين المتضررين المحتملين، لا سيما بعد تقدير واشنطن أن تعريفاته على المنتجات الأمريكية غير متوازنة.
المغرب أقل تضررا مقارنة بالجزائر وتونس؟
المغرب هو الآخر لم تتجاوز نسبة التعريفات المفروضة على وارداته 10 في المئة، لكنه مع ذلك قد يواجه ضغوطا مماثلة وتداعيات بنفس الحجم، فالمملكة صدرت ما يقرب من 969 مليون دولار من الملابس إلى الولايات المتحدة في عام 2023 بموجب اتفاقية التجارة الحرة، ما يفسر المخاوف المرتبطة بقرار ترامب.
وبشكل أكثر حدة، يرتقب أن تتأثرالجزائر وتونس، اللتان لا تمتلكان اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، وتطبقان معدلات تعريفات جمركية تتراوح بين 18-19، بإجراءات أوسع نطاقا.
“تداعيات وخيمة على البلدان العربية”
أوضح الباحث في الاقتصاد السياسي العراقي حميد الكفائي أن قرارات ترامب ستكون لها تداعيات وخيمة على البلدان العربية إذ ستؤدي إلى إفقارها، سواء كانت ضمن خانة البلدان المصدرة أو المصدر لها.
من بين آثار خطوة ترامب وفقا للمتحدث ارتفاع الأسعار وتقلص المبيعات ما يعني تسريح العمال وارتفاع معدلات البطالة التضخم.
في المقابل، وخلافا لما زعم ترامب، لن تستفيد الولايات المتحدة من القرار حسب المتحدث، “لأن الشركات التي يقول إنها ستعود إلى الولايات المتحدة لتشغيل العمال لا تملك أي ضمانات لفعل ذلك، كما أن عودتها ستستغرق وقتا، فبناء المصانع ليس بالأمر السهل، وبالتالي أستبعد أن نرى ثمارا للأمر، على الأقل، خلال السنوات الأربع”.
يضيف الكفائي متسائلا: “من قال إن هذه التعريفات ستبقى طويلا، ليس هناك ضمانات، وبالتالي لن تغامر الشركات المعنية، خاصة وأن ترامب لن يبقى في السلطة” للأبد.
تضرر سوق النفط
القرار قد ينعكس أيضا ولو بشكل غير مباشر على سوق النفط، إذ يرجح أن يؤدي إلى انخفاض الطلب عليه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقد تتسبب إجراءات ترامب أيضا في خلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي والتباطؤ في النشاط الصناعي العالمي، مما قد يقلل الطلب على موارد الطاقة مثل النفط والغاز الطبيعي. وقد يؤدي تراجع الإنتاج الصناعي، لا سيما في الصين – أكبر مستورد للنفط – وأوروبا، إلى انخفاض أسعار النفط عالميا.
الدول التي تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، مثل السعودية، العراق، الجزائر، والكويت، قد تواجه عجزا في الميزانية، مما قد يجبر الحكومات على تقليص الإنفاق العام، وتأجيل مشاريع البنية التحتية، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات.
أسواق بديلة
وفقا للكفائي، يرجح أن يدفع قرار ترامب شركاء بلاده مثل دول الخليج إلى البحث عن أسواق أخرى بديلة. فارتفاع الأسعار سيؤثر بقوة على واردات هذه البلدان من الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر يضعف واشنطن التي أضحت ثرية نظرا لهذه التحالفات وبفضل تعزيز نفوذها وسياساتها الاقتصادية، وهيمنتها على المؤسسات المالية العالمية، إضافة إلى مراعاة الدولة الحليفة لسياساتها، لكن بعد كل هذه السياسات الانعزالية سيتقلص نفوذ واشنطن في نظري” يقول الباحث الاقتصادي “يجب الإشارة في الأخير إلى أن سياسات ترامب المرتبطة بالتعريفات الجمركية بدائية جربت سابقا ولم تؤت أكلها”.
المصدر / فرانس 24
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات