فيينا / الخميس 29. 05 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
ابتداء من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، باشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بإنشاء شبكة واسعة من المواقع الإلكترونية التي كانت تبدو عادية. لكنها في الواقع كانت منصات تواصل بين الوكالة الأمريكية ومخبريها حول العالم.
وقد عُرفت مؤخرا أسماء هذه المواقع، التي كانت معطلة لأكثر من عشر سنوات، فقد انكشف أمرها منذ فترة ولكن بطريقة مأساوية للمخبرين الأمريكيين الذين كانوا يعيشون في دول كإيران والصين.
“لوك، أنا الضابط السري المسؤول عنك.” أكيد أن الشخص الموجود على موقع “ستاروورزويب.نت” (starwarsweb.net) ويتم الاتصال به، لا يحمل اسم الجيداي في سلسلة أفلام حرب النجوم. لكن على الجانب الآخر من الشاشة، هناك بالفعل عميل من وكالة الاستخبارات المركزية، مسؤول عن المخبر الذي يستخدم الموقع كوسيلة “آمنة” للتواصل مع سي آي إيه (CIA).
في الواقع، كان موقع “ستاروورزويب.نت” يعتبر جزءا من شبكة واسعة تضم أكثر من 880 موقعا إلكترونيا مزيفا أنشأها جواسيس أمريكيون في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للبقاء على اتصال مع مخبريهم حول العالم، وفق ما أفاد سيرو سانتيلي، وهو مهندس كمبيوتر وباحث مستقل، في تقرير مطول عن نتائج دراسة قام بها ونشرت على الإنترنت يوم الإثنين.
“التواصل السري”
لقد تم إغلاق هذه الشبكة في أوائل العام 2010 بعد أن كشفتها جزئيا أجهزة مكافحة التجسس الإيرانية والصينية. وكانت قد تحدثت تحقيقات ياهو ورويترز – في عامي 2018 و2022 تواليا – عن وجود وزوال هذه الوسيلة لـ”التواصل السري”… ولكن دون الكشف عن أسماء جميع المواقع الإلكترونية التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
واكتملت الصورة بفضل اكتشافات سيرو سانتيلي. فعند محاولة الاتصال بموقع starwarsweb.net “ستاروورزويب.نت” في العام 2025، يتم إعادة توجيه المستخدم تلقائيا إلى الموقع الرسمي لوكالة المخابرات المركزية.
ويشار إلى أنه في حدود العام 2010، كانت هذه البوابة تعد عشاق عالم “حرب النجوم” بكل ما يحلمون به، لا سيما من خلال عرض إعلانات لألعاب فيديو جديدة مستوحاة من فيلمهم المفضل. ولكن إذا تم استعمال كلمة مرور معينة في شريط البحث فسيُفتح باب عالم آخر، وهو عالم التجسس… إنها واجهة للتواصل مع مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وقد استخدمت العملية نفسها مع جميع المواقع الأخرى في هذه الشبكة التي أنشأتها المخابرات الأمريكية والتي اكتشفها سيرو سانتيلي، على غرار موقع « Lessummumdelafinance.com » “ليسومومدولافينانس.كوم” الذي يدعي أنه يستهدف هواة سوق الأسهم الناطقين بالفرنسية، أو موقع “إيرانفوتبولسورس.كوم” « Iranfootballsource.com » وهو أحد المواقع التي أنشأتها المخابرات المركزية الأمريكية لمخبريها في إيران تحت غطاء مشجعي كرة القدم.
وينطبق الأمر أيضا على موقع “نوتيسياسموزيكا.نت” « Noticiasmusica.net »، الذي زعم أنه بوابة لعشاق الموسيقى البرازيلية، وموقع تيشوت.نت t-shot.net، الذي يُعد، بحسب سيرو سانتيلي، أحد مواقع الغولف الوهمية العديدة من إنشاء سي آي إيه.
شغف الـ”سي آي إيه” بوسائل الاتصال الحديثة
ويوضح دانيال لوماس، المتخصص في أجهزة الاستخبارات بجامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة قائلا: ” لقد تطورت الوسائل التي يستخدمها الجواسيس الأمريكيون للتواصل مع عملائهم في الميدان مع التقدم التكنولوجي…لا تزال تستخدم الاجتماعات السرية، مثلما كان الحال إبان الحرب الباردة، لكن استعمال المساحات الافتراضية كخدمات المراسلة المشفرة أصبح أكثر تداولا.”
ويتيح هذا النوع من الواجهات تبادلا أسهل للوثائق الرقمية، مثل الصور ومقاطع الفيديو وغيرها. كما يُفترض أن يكون أقل خطورة من مقابلة المخبر شخصيا، “خاصة في بلدان ذات الأنظمة الاستبدادية كالصين أو إيران“، على حد تعبير لوكاس ترينتا، المتخصص في مجال الاستخبارات بجامعة سوانسي في ويلز.
ولم تخفِ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) شغفها بتقنيات الاتصالات الحديثة في سعيها لتجنيد عملاء جدد. وفي هذا الصدد يفيد دانيال لوماس فرانس24 قائلا: “في أوائل مايو/أيار، نشرت الوكالة الأمريكية إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية لتجنيد مخبرين، وفعلت الشيء نفسه باللغة الروسية على تطبيق تيليغرام عام 2023.”
لكن استخدام مواقع إلكترونية عامة، بشكل كامل، كبوابات للتواصل مع المخبرين، حتى في المناطق الخطيرة، “ليس مألوفا لما نعرفه عن السي آي إيه”، وفق لوكاس ترينتا.
فقد كشف تحقيق رويترز، الذي نشر عام 2022، أن هذا النظام تم تطويره في بادئ الأمر كحل مؤقت للبقاء على اتصال مع العملاء في مهام بمناطق نزاع. وكانت الآلية بدائية نوعًا ما، لكن كافية للاتصالات العرضية. أما المعضلة، فتكمن في أن سي آي إيه حافظت على هذه الشبكة بل ووسعتها، بما أنها أثبتت جدواها آنذاك.
مواقع إلكترونية وهمية ومخاطر حقيقية
في بداية العام 2008، حذرت مصادر داخل الوكالة الأمريكية من ثغرات في هذا النظام، حسبما أوضحته ياهو في تحقيقها عام 2018 . وتمثلت إحدى المشاكل في تشابه أسماء العديد من هذه المواقع الإلكترونية بشكل غريب، مثل Iraniangoals.com وIraniangoalkicks.com، بحسب تفاصيل أوردتها رويترز.
وضمت بعض المواقع التي أنشئت بهذه الطريقة (عناوين IP معرفات الشبكة) متتابعة، “وكأنها منازل متجاورة”، وفقا لرويترز. وكان ذلك كافٍ لإثارة شكوك أي عميل في مكافحة التجسس.
وهذا ما حدث بالضبط في إيران. إذ تم تفكيك خلية من مخبري “سي آي إيه” في أوائل العام2010 ، وأُعدم بعضهم. ويرجح أن يكون ذلك نتيجة اكتشاف هذه الشبكة من المواقع الوهمية، بحسب رويترز، التي نشرت مقالا شديد اللهجة ضد الوكالة الأمريكية بعنوان “جواسيس سي آي إيه يرمَوْن في إيران”.
ويبدو أن اعتقال وإعدام عشرات المصادر الاستخباراتية الأمريكية في الصين في الفترة بين عامي 2010 و2012 كان نتيجة اكتشاف بكين لهذه الشبكة من المواقع الإلكترونية المزيفة “صنعت في سي آي إيه”
ويوضح لوكا ترينتا قائلا: “أن تكتشف أجهزة استخبارات في دول أخرى هذا النظام، فالأمر وارد. لكن المشكل هو أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ظلت تستعمل هذه الوسيلة للتواصل مع عملائها لفترة طويلة جدًا بعدما انتبهت لعيوبها”.
ويرى الخبراء الذين قابلتهم فرانس 24 أن هذه القضية تكون قد “جعلت بعض الأشخاص المهتمين بأن يصبحوا مخبرين لدى السي آي إيه، يفكرون مرتين”.
لكن، ومع مرور الوقت، تلاشت صدمة هذه الاكتشافات. إذ يؤكد دانيال لوماس قائلا: “لا تزال سي آي إيه واحدة من الوكالات المرجِعية في مجال الاستخبارات، القادرة على الحفاظ على شبكة من المصادر البشرية حول العالم. فالأمر ليس كما لوكان للمخبر خيارات لا منتهية للانضمام إلى أجهزة استخبارات بمؤهلات سي آي إيه.”
المصدر / سبوتنيك
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل