أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كتاب ليلة عاشوراء للشيخ الحسن والقرآن الكريم (ح 5)

كتاب ليلة عاشوراء للشيخ الحسن والقرآن الكريم (ح 5)

فيينا / الأحد  06 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

د. فاضل حسن شريف
 
جاء في كتاب ليلة عاشوراء في الحديث والأدب للشيخ عبد الله الحسن: عن أنصار الحسين عليه السلام: ظهور هذا الجانب الأخلاقي العظيم في سلوك أنصار الحسين عليه‌ السلام إذ ظهر الصدقُ علىٰ أقوالهم وأفعالهم، حينما عاهدوه على الشهادة معه والدفاع عنه، فكانت نياتُهم في ذلك صادقةً لا يشوبها أيُّ تَردّدٍ أو ميل، فكانوا عازمين بالفعل علىٰ نصرته والذب عنه، وخير شاهد علىٰ ذلك هو وفاؤهم بما ألزموا به أنفسهم، وتسابقهم إلى الشهادة بين يديه، فلم تنحل عزيمتُهم وهم في أوج المحنة وشدتها ـ في ظهر عاشوراء ـ مع شدة العطش وحرارة الشمس، وجراحات السنان، وطعنات الرماح، إذ أن النفس ساعتها ربما سَخت بالعزم وتناست الوعد، وتعلقت بحب البقاء، وحينها يتلاشىٰ ما التُزم به من وعود وعهود. إلا أنهم ـ رضوان الله عليهم ـ ثبتوا أمام الأعداء بلا تراجع أو تردد وقاتلوا بجدارة فائقة منقطعة النظير، وَوفَوا بما التزموا به، فوافقت ظواهُرهم بواطَنهم، وبهذا وصلوا إلىٰ أعلىٰ مراتب الإخلاص في صدقهم، كما أن الوفاءَ بالعهد أفضل أنواع الصدق القولي فكانوا بحق مصداقاً لقوله تعالى: “رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً” (الأحزاب 23). والجديرُ بالذكر أن الحسين عليه‌ السلام كان يُردّد هذه الآية الشريفة حين مقتل أصحابه رضوان الله عليهم، الأمر الذي يدل علىٰ وفائهم وصدق موقفهم النبيل.
 
وعن الصبر وقوة التحمل يقول الشيخ الحسن في كتابه: الصبر: هو حبس النفس عمّا تنازع إليه من ضد ما ينبغي أن يكون عليه، وضده الجزع قال: فَإنْ تَصبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مغبَّة * وإِن تجزَعا فالامرُ ماتَريانِ. ومما يدعو إلىٰ تماسك الشخصية وتوازنها الصبر علىٰ الأحداث وعدم الانهيار أمام محن الأيام وخطوبها، وقد أكد الإسلام علىٰ هذه الظاهرة بصورة خاصة، وحث المسلمين على التحلي بها وأن من يتخلق بها فإن الله يَمنحهُ الاجرَ بغير حساب، قال تعالىٰ: “وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (النحل 96)، وقال تعالى: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (الزمر 10)، وقال تعالى: “وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا” (الانسان 12)، وقال تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ” (السجدة 24)، وقال تعالىٰ في مدحه لنبيه أيوبَ عليه‌ السلام: “إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (ص 44). إنَّ الصبر نفحةٌ من نفحات الله، يَعتصمُ به المؤمن فيتلقى المكارهَ والمصاعب بحزمٍ ثابت ونفسٍ مطمئنة، ولولاهُ لانهارت نفسُه، وتحطّمت قواه، وأصبحَ عاجزاً عن السير في رَكب الحياة، وقد دعا الإسلامُ إلى الاعتصام به لأنه من أهم الفضائل الخُلقية، وقد ذكرهُ القرآنُ الكريم في سبعين آية، ولم يذكر فضيلة أخرىٰ بهذا المقدار، وما سببُ ذلك إلا لعظيم أمره، ولأنه من مصادر النهوض الإجتماعي، فالأمة التي لا صَبرَ لها لا يُمكن أن تصمُدَ في وجهِ الأعاصير، مضافاً لذلك أنه يُربي ملكاتِ الخير في النفس فما فضيلة إلا وهي محتاجةٌ إليه. وقد أثر عنهم في ذلك الشيء الكثير من الأخبار، فقد قال الإمام أبو جعفرعليه‌ السلام: الجنة محفوفةٌ بالمكاره والصبر، فمن صَبَر على المكاره في الدُنيا دخل الجنة، وقال الإمام زين العابدين عليه‌ السلام: (الصبرُ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبرَ له إن الصبر بلسمٌ للقلوب المكلومة التي أثكلها الخطب وجار عليها الزمانُ، وهو عزاءٌ للنفوس الحزينة التي هامت بتيار الهواجس والهموم، وهو تسليةٌ للمعذبين يجدون فيه الاطمئنان، وتحت كنفه ينعَمون بالراحة والاستقرار). وفي ليلة عاشوراء التي حَفلت بعظيمِ المكاره والمصائب والأرزاء، والتي لا يُعهد لها مثيل في تاريخ البشرية، نرىٰ وقد برزَ الصبرُ فيها، وصار أحدَ سِماتها، وصفةً قد تحلىٰ بها أصحابُها، حتىٰ أصبحَ كلُ واحد منهم كالجبل الأصم لا تهزه لعواصف ومِنْ بينهم سيدُ شباب أهل الجنة ـ صلوات الله عليه ـ الذي كُلما ازداد الموقف شدةً ازداد صبراً وإشراقةً. يقول الأربلي: شجاعةُ الحسين عليه‌ السلام يُضربُ بها المثل، وَصبرُه في مأقط الحرب أعجزَ والاواخر الأوائلَ والأواخر.
 
ويستطرد الشيخ عبد الله الحسن عن الصبر وقوة التحمل قائلا: أن الحسين عليه‌ السلام الذي كان يَلحظ ذلك بعينه، لا تجد أثراً من ذلك في نفسه بل كان يزدادُ صبراً وعزيمةً، وتحمل تلك الأعباء الثقيلة، وتسلح بالصبر على الأذىٰ في سبيل الله تعالىٰ وهو القائل: ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين فكان عليه‌ السلام نعم الصابر المحتسب عند الله تعالىٰ. وقد جاء في الزيارة عن الإمام الصادق عليه‌ السلام: وصَبرتَ على الأذىٰ في جنبه محتسباً حتىٰ أتاك اليقين. وناهيك تعجب ملائكة السماء من صبره كما جاء في الزيارة: وقد عجبت من صبرك ملائكةُ السموات. وكان يقول عليه‌ السلام في أوقاتِ الشدة يوم عاشواء وهو متشحّط بدمه: صَبراً علىٰ قضائك يا رب لا إلهَ سِواكَ، يا غِياثَ المستغيثين ما لي ربٌّ سواك ولا معبود غيرك صبراً علىٰ حكمك وناهيك عن موقفه المرير وهو يُشاهد مقتلَ رضيعه الصغير وهو يقول: اللهم صبراً واحتساباً فيك. وكيف لا يكونُ صابراً محتسباً وهو من الذين عناهم الله تعالىٰ في قوله: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا” (السجدة 24) وقوله: “وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا” (الانسان 12). فالحسين عليه‌ السلام شخصيةٌ منفردةٌ بجميع صفات الكمال، وتجسدت فيه كلُ صور الأخلاق، وقد أراد عليه‌ السلام أن يضفي من كماله علىٰ أصحابه وأهل بيته بوصاياه لهم بالصبر الجميل، وتوطين النفس، واحتمال المكاره، ليستعينوا بذلك في تحمُّل الأعباء ومكابدة الآلام، وليحوزوا علىٰ منازل الصابرين وما أعَد اللهُ لهم. فأما أصحابه فقد أوصاهم عليه‌ السلام مراراً بالصبر والتسلُّح به في مواجهة النوائب والمحن، والصبر علىٰ حدِّ السيف وطعن الأسنَّة وعلىٰ أهوال الحرب. وكما لا يخفىٰ أن هذا ليس بالأمر السهل إذ أن مواجهة ذلك يحتاج إلى التدرُّع بالصبر والحزم، وعدم الجزع من أهوال المعركة والثبات عند القتال، وعدم الاستسلام أو الانهزام، فإذا ما تسلح المقاتل بالصبر كان في قمة المواجهة، لا يبالي بما يلاقيه وما يتعرَّض إليه من ألم السنان وجرح الطعان. ولذا نادى ـ صلوات الله عليه فيمن تبعه من الناس في بعض المنازل قائلاً لهم: أيها الناسُ فمَنْ كان منكم يصبر على حدِّ السيف وطعن الأسنة فليقُمْ معنا وإلا فلينصرف عنَّا. فإذا كان المقاتل لا صبر له علىٰ ذلك كيف يثبت في ساحة القتال حينما يرى أهوال المعركة إنّ هذا وأمثاله لا يؤمن منه الجزع، فإما أن ينهزمَ أو يستسلم للأعداء. وهنا لا ننسى تأكيد القرآنُ الكريم في هذا الجانب إذ حثّ المجاهدين في سبيل الله تعالى علىٰ التحلَّي بالصبر والثبات في ساحة القتال قال تعالىٰ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا” (آل عمران 200)، وقال تعالىٰ: “إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ” (الأنفال 65)، وقال تعالىٰ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (الأنفال 45). ومن الواضح أن نجد الحسين عليه‌ السلام في هذه الليلة ـ استعداداً للمواجهة ـ أن يوصي أصحابه بذلك ويرغبهم في احتمال المكاره قائلاً لهم: فإن كنتُم قد وطأتم أنفسكم علىٰ قد وطّأتُ عليه نفسي، فاعلمُوا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفةَ لعبادة باحتمال المكاره، وإن الله وإن كان قد خَصَّني مع مَنْ مضىٰ من أهلي الذين أنا آخِرهُم بَقاءً في الدُنيا من الكرامات، بما سَهّل معها علىٰ احتمال الكريهات، فإنَّ لكم شطرَ ذلك من كرامات الله، واعلموا أن الدُنيا حُلوها مرٌ، ومرُّها حُلوٌ، والانتباه في الاخرة، والفائزُ من فاز فيها والشقي من يشقىٰ فيها.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً