فيينا / الجمعة 11 . 07 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
محمد علي محيي الدين
في النصف من شعبان سنة 1277 هـ، وفي قرية السادة من قرى العذار، وُلد شاعر كأنما جاء يحمل في دمه نبض الطفّ، وحرقة النجف،
لم يكن جعفر الحلي رجلاً عاديا، بل كان نسيجًا من الذكاء الوقّاد والبديهة التي تلد القصيدة كأنها تنهض من بين ضلوعه لا من قريحته فقط. شارك في العلوم، فنبغ، ونهل من الفقه والأصول، فذاع صيته، وزامل الكبار في دروسهم، فكان تلميذًا للفقيه الشيخ محمد طه نجف، كما درس على يد الشيخ ميرزا حسين ابن العلامة ميرزا خليل، فجمع بين سعة العلم وحرارة الوجدان، وبين دقة المنطق وسحر البيان.
وإذا قيل الشعر، ذُكر اسمه. لا لأنه قال الكثير، بل لأن القليل الذي بلغنا منه كافٍ ليعكس عبقريته الفطرية وموهبته المدهشة. قيل إن كثيرًا من شعره ضاع، لأنه كان ينظمه ارتجالًا، في المجالس والمناسبات، فإذا ما قاله تلاشى مع تصفيق السامعين وانبهارهم. وقد جمع أخوه السيد هاشم ما تيسر من شعره بعد وفاته في ديوان سمّاه: “سحر بابل وسجع البلابل”، اسمٌ لا يخطئ في الإشارة إلى شجن موسيقاه وفتنة عبارته.
كان الحلي حسن العشرة، رقيق الطبع، صافِي السريرة، جميل المحضر، يمزج بين الوقار الأدبي وخفة الروح، وبين الوقفة المهيبة أمام السلاطين، والمسامرة العذبة في حلقات الدرس أو السمر. مدح الملوك والعلماء، ونال جوائزهم، لكنه ظل في قرارة نفسه ابن التراب، ابن العتبة العلوية، لا تغريه الدنيا بما فيها. وما دام الشعر شفيعه، فقد ترك أثرا طيبا في نفوس معاصريه.
ولما مات، بكاه الشعراء. وكان من أصدق مَن رثاه الشيخ محمد السماوي صاحب الطليعة بقصيدته التي بدأها:
أيّ فُؤادٍ عليكَ ما احترقا وأيُّ دمعٍ عليكَ ما اندفقا
لكن ما أبكى القلوب أكثر، هو ما نُقل من رؤيا بعد وفاته، إذ يُقال إن أحد أصحابه رآه في المنام في داره في السماوة، فصافحه وسأله عن حاله، فشكى له تراخي الودّ، وقال بعتب المحبة: “هذا وأنتَ تدّعي المودّة؟ فتراخيتَ عن قبضها إلى ظُفرها!”. ثم، وقد استجمع صوته في الحلم، قال مطمئنًا: “أما نحن أصحاب السيد مهدي القزويني، فكلنا من أهل الجنة”.
كأنه في حياته لم يكن يعيش في عالمنا التام، بل بين الحرف والسماء، بين المجلس والمدى، بين التشيّع شعلةً، والشعر طهارةً وجمرًا. ورغم قِصر عمره، بقي اسمًا متوهّجًا في سماء الشعر الحسيني والوجداني، عاش كما تعيش القصيدة الخالدة: قصيرة، مكثّفة، مشتعلة، ثم تموت فتُخلّد..
و في الطليعة أنه هنأ السيد إبراهيم الطباطبائي في عرس ولده السيد حسن بقصيدة فريدة و هنأته أنا بقصيدة أولها:
أطلع ساقي الكأس و الليل داج شمس الحميا من سماء الزجاج
ثم سافرت أنا و السيد جعفر لزيارة الحسين(عليه السلام) فكتب إلي السيد إبراهيم قصيدة يفضل فيها قصيدتي على قصيدة السيد جعفر أولها:
أهل أنت سقّيت المنازل بلقعا معاهد أقوت بالغميم و أربعا
فأخفيتها عن السيد جعفر و كتبت له الجواب مجاريا بقولي:
إلا حي من أجل الأحبّة مربعا غدا بعد ما شطّت أهاليه بلقعا
فاطّلع السيد جعفر على القصيدتين من حيث لا أدري و كتب إلى السيد إبراهيم يقول:
أ يا أخـــــــــــــــوي السائليّ حكـومة إذا كنتـــــما حكّمتماني فاسمعا
محمد قد جلـــــــــــــى بحلبة شـــعره سباقا وإبراهيم يشكو التظلّعا
تخلف عن مجرى السماوي عاثرا فلا دعـــدعا للعاثرين و لا لعا
وأصبح كالمبهوت في آخرالمدى إذا أبصرالمجتاز يسأله الدعا
فغضب السيد إبراهيم و جعل يهجونا معا بأبيات في ديوانه- قلت و لم أعثر عليها لأثبتها و لعلها أسقطت منه. و محاسنه و نوادره كثيرة اهـ.
و له مؤرخا ولادة السيد صالح ابن السيد مهدي البغدادي و ليست في ديوانه المطبوع:
الا بشراك يا مهدي بابن يلوح على مخايله السعود
وآمل أن يسود الناس طرا كمــــــا كانت أوائلكم تسود
به عم الأنام جديد خير فارّخنا أتى الخير الجديد
و قال مؤرخا ولادة أخيه السيد شمس الدين و ليست في ديوانه:
لك المنّة العظمى على ما منحتنا بقُـــــــرّة عين طاب فيه لنا المحيا
لقـــــــد ســــــرت العليا بمولـــــــد سيد بدا زاهيا كالخال في وجنة العليا
وأشرقـــت الأيام في شمس ديننا سرورا فارّخنـــا أضاءت به الدنيا
وأرسل هذه الأبيات إلى إمام اليمن المتوكل على الله يحيى حميد الدين ثم جعلها في مدح الميرزا الشيرازي وزاد عليها أبياتا كما فعل في كثير من غيرها ومنها:
مر وانه وأحكم فأنت اليوم ممتثل والأمر أمرك لا ما تامر الدول
عنك الملــــــــــوك انثنوا و ما علموا أأنت زدت علــوا أم هم سفلوا
نجاة ذي التاج أن يعطيــك مقوده لأمـه أن عصاك الثكل والهبل
فأجاب امام اليمن بما صورته: الأخ الأديب العالم العلامة النحرير السيد جعفر الحلي النجفي نفعنا الله تعالى بعلومه و تقواه و حفظه من فوقه و قدامه و وراه نعم يا أخي قد وصلت أبياتكم الرائعة المشتملة على المعاني الفائقة لله در قريحة نظمت و يد صاغت و التواصي بتقوى الله و الدعاء إلى الله و العلم الخالص لوجه الله مما يشوبه من التخليط لا سيما علم أصول الدين والله يجمع القلوب على رضاه والسلام عليكم ورحمة الله. وفيها يقول:
بيض الظبا و صدور الخيل و الأسل يصلحن ما أفسد الأوغاد و السفل
هبت لنا نسمات الشــــــــوق من نجف حنـــت لها صافنات الخيل و الإبل
يا ناظما من بني الزهـــــــراء هيج من شوقي إلى نصرماجاءت به الرسل
نظمـــــــــــــــــــــــــا يطأطئ سحبان لرقته ويحتذي مااحتذاه المسك لا الجعل
وأرسل إلى السيد محمد القزويني مضمّنا بعض شطور من قصيدة السيد حيدر الحلي على سبيل الهزل و هي في ديوانه المطبوع سوى البيتين الرابع و الخامس:
لي زوجة كان أخو أمها يحسن في حالي و في حالها
يهدي لنا العنبر من رزه والجوع لا يخطـــــــــر في بالها
و العام نالت زرعه حمرة فاحتـــــــرق العنبر من خالها
لما رأت قوتي لم يكــفها فـــــــــــــــــرّت لأهليها باطفالها
كتبت أن زوري عليا فما ردّت جوابي و هــي في آلها
إذا درت أنــــــك واصلتني زارت على رقبـــــــــــــةِ عذّالها
فأجابه السيد محمد القزويني يقول:
أكتب لها تقبل على سرعة واقتبــــــــــــــــل العمر بإقبـــــالها
ماشية تطـــــرب من مشيها لكن على رنــــــــــــــّة خلخـــالها
والكل منّا لك يحبـــــو غنى فاستغن من مالي ومن مالها
وله في رجل اسمه- مجهول- من شيوخ العرب المعروفين بالمعدان واحده معيدي إضافه فلم يعرفه فلم يقم في ضيافته بما يجب فقال:
عن المغرور مجهول سمعنا حديث الجود عن عمرو و زيد
فجئت فلم أجد من ذاك شيئا فصــحّ القول تسمع بالمعيدي
ولست بخازن عنه لســــــاني ولــــــــــــــو قيدتــني في ألف قيد
فأرسل إليه مقدارا عظيما من الأرز و اعتذر إليه، و من ملحه قوله:
إن عيشي بالحويش ضيق أقبح عيش
بين عباس خميس وعلــي بــن رفيش
وقال يخاطب الفاضل الشرابياني ملا محمد و هو على المنبر بعد الفراغ من الدرس ارتجالا على سبيل المطايبة :
أ شيخ الكل قد أكثرت بحثا بأصل براءة و باحتياط
و هذا فصل زوار و سرط فباحثنا بتنقيـــح المناط
وقال فيه أيضا:
للشربياني أصحاب و تلمذة تجمّعوا فـــــرقا من هاهنا و هنا
ما فيهم من له بالعلم معرفة يكفيك أفضل كل الحاضرين أنا
وقال في رئيسي النجف : السيد محمد الطباطبائي والسيد محمد القزويني:
شتـــــــــــــان بين محمد و محمد ذا طبطبائيٌّ و ذا قزويني
أنا أعرف الرجل المهذّب منهما بالله لا تسأل عن التعيين
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل