فيينا / الثلاثاء 15 . 07 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، حيث التاريخ يهمس للفرات، وحيث تنضج المعارف تحت ظلال الجوامع، عاش رجل من رجال العلم، حمل اسمه إرثًا من الأصالة، وترك خلفه سيرةً من الوقار والنور، هو الشيخ حسن بن الشيخ محمد صالح بن الشيخ حسن الفلوجي، العالم العامل، والورع التقي، كما وصفه أحد تلاميذه الأوفياء.
ينتمي الشيخ حسن إلى أسرة “آل الفلوجي”، وهي أسرة عراقية عريقة ترجع في نسبها إلى قبيلة ربيعة، أصلها من الفلوجة، ومنها أخذت لقبها، قبل أن تستقر في مدينة الحلة منذ أكثر من ثلاثة قرون. وقد عُرفت هذه الأسرة بانشغالها بالتجارة والمهن الحرّة، لكنها في ذات الوقت أنجبت رجالًا ذوي علم وفكر، من بينهم صاحب الترجمة، الذي أشرق نجمه في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، وكان من ألمع أعلام زمانه.
لم يكن الشيخ حسن الفلوجي عالمًا نمطيًا، بل كان موسوعي المعرفة، ملمًّا بعلومٍ شتى؛ من النحو، والمعاني، والبيان، والمنطق، والفقه، وأصوله، بل حتى الرياضيات، وقد جمعت شخصيته بين الصرامة العلمية، والتقوى العملية. وتتلمذ على يديه نفرٌ من خيرة أبناء الحلة، وكان من أبرزهم: أنجال السيد مهدي القزويني، وهم: السيد محمد، والسيد جعفر، والسيد مرزا صالح، والسيد حسين، إضافة إلى: السيد حيدر آل السيد سلمان، والشيخ صالح الكواز، والشيخ حمادي نوح، والشيخ محمود سماكة وغيرهم([1]).
ورغم أن الشيخ الفلوجي أصيب في أواخر حياته بانكفاف البصر، إلا أن هذه العلّة لم تحل دون استمراره في التدريس وبثّ العلم، فبقي منارًا يقصده طلاب المعرفة، ويأخذون عنه الحكمة والتقوى، وكان أيضًا إمامًا لأحد الجوامع في الحلة، فجمع بين محراب الصلاة ومحراب العلم، وبين حلقات الدرس وخشوع العبادة.
وقد أجمل تلميذه السيد حيدر سيرته في كتابه “دمية القصر”، فقال في وصفه: العالم العامل، والفاضل الكامل، والورع التقي”([2]). كلمات قليلة، لكنها تنطق بعظمة الشيخ وعلو كعبه في العلم والعمل.
أما عن ولادته، فلم تذكر لنا المصادر سنةً بعينها، لكن الراجح أنه توفي قرابة سنة 1298هـ، ولم يُعرف عنه كثرة النظم، بل كان مقلًّا في الشعر، مع أن التذوق الأدبي جزء من تكوينه العلمي([3]).
ويحدثنا أديب آل الفلوجي الحاج مهدي عن جذور هذه الأسرة العريقة، مشيرًا إلى أن المصاهرة والخؤولة كانت تربطهم بـ”آل كبة” في بغداد، بانتمائهم المشترك إلى قبيلة ربيعة، وأن بعض أفراد الأسرة استوطنوا مناطق قرب الفلوجة على الفرات الأعلى، غير أن نوازل الوباء الذي اجتاح تلك المناطق أرغمتهم على الهجرة نحو الحلة، التي اتخذوها مستقرًا لهم قبل نحو ثلاثة قرون([4]).
وهكذا رحل الشيخ حسن الفلوجي عن هذه الدنيا، بعد أن ملأها علمًا وورعًا، وترك بصمته في نفوس تلامذته وفي ذاكرة المدينة. لم يكن من الباحثين عن الشهرة، ولا من طالبي الجاه، بل كان من أولئك الذين يصنعون التاريخ بصمت، ويعبرون الزمن بتواضع العلماء، وسمو العارفين.
كان المترجم ينظم الشعر ولكنه مقلّ ، ومن شعره قصيدة يعزّي بها الحاج محمد صالح كبة في ولده الحاج مهدي سنة(1270هـ) منها :
وقائلة صبراً فقلت لها اقصـــــــــــري فما واجد مثل الخلي من الوجــــــــدِ
وليس المعزّى كالمعزّي ولم نقـــس بمستأجر للنـــوح ثاكلـــة الولــــــــــــــدِ
فكيف الأسى والقلب طاربه الأسى وكيف التسلّي بعد فقد ذوي الـــــــودّ
وأنّى لنا صبرٌ على فقد ماجــــــدٍ بغيبته قد جددتْ غيبة المهــــــــدي
وطبق ما بين السماء الى الثــرى رزايا فأبكى مقلة الحـــــرّ والعبــــــــــدِ
ألم تنظري اني أجيل بناظـــــــــــري فلم ألف إلاّ شخصه حاضراًعنـــدي
لقدقسم الأرزاء في الناس مثلما تقسم يمناه المواهـــــــب للوفـــــــــــــــدِ
فديتك لم هذا التباعد والجفــــــــــا ألست حليف الفضل بالقرب والبعد
فمن للورى إن جار دهر بصرفه ومن ذا يحلّ المشكلات لدى العقدِ
مجير بني الدنيا إذا ما دهتهــــم من الخطب طخياء تذيب حشاالصلدِ
[1] – دمية القصر: السيد حيدر آل السيد سلمان.
[2] – المصدر نفسه.
[3] – الأعيان، المجلد 23.
[4] – إفادة الحاج مهدي الفلوجي (نقلاً عن مقابلة شفوية وردت في النص المصدر).
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل