أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / السيد صادق الفحّام الفقيه الشاعر وشيخ الأدب في عصره

السيد صادق الفحّام الفقيه الشاعر وشيخ الأدب في عصره

فيينا / الجمعة  18 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

في أعماق الحلة، وفي ثنايا قرية عرفت يومًا باسم حصن أسامة، انبثق نور رجل اجتمع فيه الفقه والأدب، وتلاقى في شخصه المجد الهاشمي بالتأمل العارف، والفكر المتوقد بضياء البيان. إنه السيد صادق الفحّام، المكنّى بـ أبي النحاة، والعَلَم الذي وُصِف بأنه أستاذ أساتذة، ومربي جهابذة، وواحد من أعلام القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، ممن تنحني له العقول إجلالًا لما تركه من أثر خالد في ميادين الفقه واللغة والشعر.

ينتهي نسبه الشريف إلى عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وهو نسب عريق، تزينه العمامة وتدعمه الأريحية النسبية والعلمية معًا. وقد كنى نفسه بـأبي النحاة، دلالة على اعتزازه بعلمه في اللغة والنحو، وهي كنية لم تكن مجرد لقب، بل كانت دليله في الحياة العلمية والأدبية، حيث أصبح مرجعًا في علم العربية وأستاذًا لأهلها.

أما لقب “الفحّام”، فقد ذكر في المصادر أنه ليس له، وإنما يعود لأبيه أو لجده، كما ورد في روضات الجنات حيث جاء التعبير عنه: “ابن الفحام”، وهي إشارة تجعل النسبة ترجع إلى السلف دون أن تُعرف بالضبط أسباب التسمية أو منشأها.

ولد السيد صادق في قرية الحصين، إحدى قرى الحلة الجنوبية، الواقعة على الضفة الشرقية من شط الحلة، تلك القرية التي احتفظت باسمها القديم “حصن أسامة” في بعض الوثائق الحلية القديمة، وهو ما نلمسه أيضًا في شعره حين كتب إلى تلميذه محمد رضا النحوي قائلًا:

ولي جسدٌ في حصنِ سامةَ موثقٌ    وقلبٌ بأكناف الغريّ رهيـــــنُ

لقد بدأ دراسته في الحلة، فنهل من علوم النحو والصرف واللغة على يد جملة من أفاضلها، ثم ارتحل إلى النجف الأشرف برغبة من والده، حيث أكمل دراسته في الفقه وأصوله، فدرس على أعلام أمثال السيد محمد الطباطبائي والشيخ خضر المالكي، ثم أصبح أستاذًا تخرج عليه كبار العلماء كـالشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء والسيد بحر العلوم والشيخ محمد رضا النحوي.

وقد أجمع من كتب عنه على مكانته المرموقة في العلم والأدب. يقول الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه سعداء النفوس: “له شرح على الشرائع من أول الطهارة إلى آخر صلاة ليلة الفطر، رأيته في مجلد، وهو نسخة الأصل.”([1])

    كما أشار إلى ذلك أيضًا صاحب أحسن الوديعة قائلًا: “العالم الفاضل والفقيه الكامل السيد صادق الفحام من أفاضل العلماء الأواخر، كانت له صحبة مع العلامة الطباطبائي بحيث نقل أنه كان يقدمه على سائر أقرانه… توفي سنة (1209هـ)، وقيل (1205هـ).”([2])

ولم يكن السيد الفحام فقيهًا فحسب، بل كان شاعرًا له ديوان جمعه بنفسه، رتب فيه قصائده على حروف المعجم. وقد اختصر مقدمته في عشرة أسطر، وقسمه إلى ثلاثة أبواب: الأول في تقريظ اللغة الفصحى، والثاني والثالث في الشعر العامي من الركباني والموّال، وهما من الفنون الدارجة في أرياف العراق وبواديه.

وقد نقلت نسخة من ديوانه عن الأصل بخط العالم السيد أحمد زوين سنة 1232هـ، أي بعد وفاة الناظم بثمانية وعشرين عامًا. ويضم هذا الديوان قصيدة طويلة بعنوان الرحلة المكية نظمها بمناسبة حجه سنة 1188هـ، وتناهز أبياتها 180 بيتًا. وقد علّق الباحثون أن هذا الديوان ليس مصدرًا أدبيًا فحسب، بل وثيقة تاريخية ثمينة تسلط الضوء على أحداث العراق في عهد المماليك وما قبله، وتذكر أسماء كثير من الأعلام في مختلف الميادين ممن غاب ذكرهم عن كتب التراجم اللاحقة.([3])

وقد كان السيد صادق محط إعجاب معاصريه، حتى إن شيخ شعراء العراق آنذاك، الشيخ كاظم الأزري، أهداه مقاطع من هائيته الشهيرة في مدح النبي (ص) والإمام علي (ع)، والتي مطلعها:

لمن الشمس في قباب قباها    شفَّ جسم الدجى بروح ضياها

ولكن حين لم يجد من السيد استحسانًا لقصيدته كما كان يتوقع، أنشد الأبيات المشهورة:

عرضتُ درَّ نظامي عندَ من جهلوا    فضيّعوا في ظلام الجهلِ موقعَهُ

فلم أزلْ لائماً نفسي أعاتبُهــــــــــــــا    من باعَ درّاً على الفحامِ ضيّعهُ

وفي هذه الأبيات تظهر المفارقة الساخرة التي أراد بها الأزري التنفيس عن خيبته، لا انتقاصًا من مكانة السيد، بل إقرارًا خفيًا بثقله العلمي الذي لا يُغرى بسهولة، ولا يصفّق للإعجاب المجامل.

وقد ذكره الشيخ النوري في دار السلام ناقلًا عن الشيخ جواد بن الشيخ حسين نجف، بأن السيد بحر العلوم والشيخ جعفر كانا يقبّلان يده بعد أن بلغا الرئاسة العلمية، وفاءً لحق التعليم، وقد درج السيد صادق في ديوانه على مناداتهما بـ”الولدين الأكرمين” دلالة على ذلك التقدير الأبوي التربوي.([4])

لم يكن السيد صادق الفحّام مجرد شخصية علمية في عصره، بل كان رمزًا لأصالة العراق العلمية، وامتدادًا لنبض الحلة والنجف، ومجسدًا لصورة العالِم الذي يكتب بلغة الشعر ويُعلِّم بلغة الفقه، ويزرع في تلاميذه الإبداع والصرامة والوفاء معًا. لقد مضى، ولكن صدى خطاه ما زال يتردد في كتب العلماء، ومجاميع الشعراء، وقلوب المريدين.

من شعره :

قال في أبي تمام :

حبيبٌ الى قلبي حبـــيبٌ وإننــــــــــي    لَمُقتبسٌ مِن فضلِ نورِ حبــيبِ

أديبٌ جرتْ في حلْبة النظمِ خيلُهُ     مغبـّـــــــــرة في وجهِ كـــــــلّ أديبِ

ولكنّني وحدي شقــقتُ غُبَـــــــــــــارَهُ    الى صــلوي نهـــــدٍ أغرّ نجيــــبِ

ولاغرو ان صلى جوادي دونهم      وإن يك قد جلّى فغيرُ عجيـــبِ

لأني من قومٍ إذا عـــنّ منبـــــــــــــرٌ     فلم يعـــن إلاّ منــهم بخطيــــــبِ

وقال متحمّساً ومعرّضاً بأبي الطيب المتنبي أحمد بن الحسين :

وإني نبيُّ الشعــــــــرِ كــــم لي معجــــزٌ       تجلّتْ به للمبصرينَ الحقائـــــــقُ

فدع عنك قولَ ابنِ الحسينِ بمعزلٍ      وإن هدرتْ بالشعرِ منه الشقاشقُ

فكم بين ما يأتي به النــاسُ كاذبٌ      تنبّى وما يأتي به الناسُ صــادقُ

فأجابه تلميذه النحوي منتصراً للمتنبي :

أرى بعض من جاوز الحدّ يدّعي    نبوة شعرٍ والدعاوى شقاشـــــقُ

على المتنبي ظلّ يفخـــرُ والـــذي     تأمَّل لا تخفى عليه الحقــــائقُ

فكم مدّعٍ فضلَ النبـــــــوّة قبـــــــلَهُ      ولا يدّعيها بعدأحمد)(صادقُ)

توفي المترجم له في النجف في (21) رمضان سنة (1204هـ) وله من العمر ثمانون سنة ، ورثاه جماعة من شعراء عصره ، منهم تلميذه النحوي والسيد العطار …” ([5])

    فجع رحمه الله بستة أولاد اخترمهم الطاعون الذي أصاب العراق سنة 1186ه ذكرهم في مقطوعة رثاهم فيها وأمّهم معهم وهم محمد وجعفر وأحمد وعلي وحسن وحسين منها :

محمدٌ وعلـــــيٌ فلذتــــــــــا كبــــــــــــدي      وجعفــــــرٌ وحسينٌ قرّتـــــــا عينـــــــــــي

وأحمدٌ وأخوه المجتبـــــــى حســــــــنٌ      ســـرورٌقلبي أجابوا داعيَ الحيــــن(!)

وأمهم فاطمٌ ستُّ النساءِ قفــــــــــتْ       آثـــارَهم وانتحتْ أرضَ الغريّيـــــــــــــنِ

همْ سبعة لبثوا في كهفهم فمتى        يا فتية الكهف فيكم ينقضي بيني

هيهات لا أمدٌ يرجى ولا كمــــــــــدٌ        يسلي ولا عيش يهنا بين هذيـــــنِ

ورزق بعدهم ولدين سمى أحدهما أحمداً والآخر علياً وكنّاه أبا المحاسن وعقبه من ولده الأول أحمد … ([6]) .

  له ديوان شعر كبير طبع مؤخراً بتحقيق السيد مضر سليمان الحلي .

[1] – آغا بزرك الطهراني، سعداء النفوس.

[2] – أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة، ج1

[3] – البابليات. 1/178-180

[4] – الشيخ النوري، دار السلام: 2/393

([5] ) تاريخ الحلة :2/186-189 . ومن مصادر ترجمته :معجم رجال الفكر والأدب :1/195وأعيان الشيعة :11/377و7/360ومعارف الرجال :1/365- 368والبابليات 1/177وريحانةالأدب :4/297و غيرها كثير .

([6] ) البابليات:1/183

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً