أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / الشيخ عباس العذاري سليل الخط والأدب

الشيخ عباس العذاري سليل الخط والأدب

فيينا / الأربعاء 23 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

في رحاب الحِلّة، المدينة التي سُقيتْ من معين الفقه والأدب، وُلد رجل خُطّت حياته بالحبر، ونُسجت سيرته بخيوط العلم والبيان. هو الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ حسين بن عبد الله بن كاظم الحلّي العذاري، الذي حمل في اسمه سلالة فكرية، وميراثًا لغويًا، ونهجًا أدبيًا عتيقًا.

تفتح وعي الفتى عباس على يد والده، ينهل من معين النحو والصرف والأدب، ويتغذّى على ما يغرسه فيه ابن عمّته الشيخ صالح الكوّاز، أحد أعلام الأدب في زمانه. وحين اشتدّ ساعده، واكتهل جسده، شقّ طريقه إلى النجف، المدينة التي تنضح بالحكمة والفكر، حيث ارتوى من ينابيعها على أيدي جماعة من أفاضل علمائها. لم تطل غربته عن الحِلّة، فعاد إليها عالمًا، تقيًا، ناسخًا، ثم أقام في بغداد زمناً، فازدادت معرفته عمقًا، وتوثقت أواصر صداقته بجماعة من العلماء والأدباء الذين قدّروا رهافة طبعه وجمال خطه.

كان الشيخ عباس العذاري من أولئك الذين تمسّكوا بالقلم كأنه سيف، يخطّ به لا أوراقًا فحسب، بل تاريخًا أدبيًا بأكمله. جيّد الخط، بديع النسق، ورقيق النظم، لا يتعثر قلمه في دروب الشعر والنثر. وقد وصفه من ترجم له بأنه “رقيق النظم جيد الأسلوب فيه، حسن الخط للغاية”، وقد كتب بخطه كتبًا كثيرة، منها ما لا يزال شاهداً على دقته وإتقانه. من بين تلك الآثار: كتاب (الصوارم الماضية) في الإمامة للعلامة السيد مهدي القزويني، وقد نسخه في حياة المؤلف سنة 1283هـ، دلالة على صلته المباشرة بجيل من العلماء الأعلام¹.

ولم يكن نسخه للكتب عملاً عابرًا، بل رسالة علمية، يؤديها بإخلاص وصبر، وكأنّه ناسخ الزمن وحافظه. في نهاية كتاب (نجاة العباد)، وهو رسالة فقهية للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، دوّن بخطّه الجليل:”تمت الرسالة المباركة تصنيف علامة العلماء ورئيس الفضلاء قدوة المحققين جناب الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر، على يد خادمه عباس بن الشيخ علي ابن الشيخ حسين بن عبد الله بن كاظم الحلّي العذاري في (15 جمادى الأولى) سنة 1265هـ»([1]).

وكانت مكتبته متنقلة مع الزمن، فواحدة من أروع مفاجآت التوثيق جاءت من أقاصي العالم، حيث ذكر الأستاذ كوركيس عوّاد، أمين مكتبة المتحف العراقي، في كتابه “جولة في دور الكتب الأميركية”، أنه عثر في قسم المخطوطات العربية بمكتبة نيويورك العامة على ديوان الشريف الرضي (النصف الثاني)، وقد نسخه بخط يده في بغداد سنة 1313هـ([2]). وهكذا أصبح خطّه شاهدًا عليه في الغربة، حيث تُبجّل المخطوطات كما تُبجّل الرموز.

أما مولده، فقد كان في الحِلّة، كما كانت وفاته فيها، بعد عمر طويل قضاه في نسخ العلم ونظم الشعر وخدمة التراث. كانت رحيله في عاشر شعبان سنة 1318هـ، فرثاه جماعة من أدباء أسرته وغيرهم، عرفانًا بمقامه وحسن بلائه في ميدان القلم([3]).

هكذا، طوى الشيخ عباس العذاري صفحته الأخيرة، لكنه أبقاها مفتوحة لمن أراد أن يقرأ سيرة ناسخٍ، كان يُنقّط الحروف وكأنّه يُطوّع الزمن، ويُسطّر المعاني كأنّه يُنشد قصيدة لا تموت.

نموذج من شعره :

أميّالة الأعطـــافِ إلاّ الى الـــــرضا     وميّـــــالة الأنصــــــــاف إلاّ الى الوجـــدِ

ومخمورةَ الألـــــحاظِ إلاّ إذا رنــــــتْ     ودائمـــــــة الإعــــــــراض إلا عن الصدِّ

تقضّى زمان في هواكم وماقضى      هيامي ولا استقطفت من وردةِ الخــدِّ

ومهما كتمتُ الحبّ بان وقد بـــدا     غرامي ولا بلّغت من وصلكم قصـدي

وما فزتُ إلاّ من بعيــــد بنظــــــــــرةٍ     الى الغادة الهيفــــــاء مائسة القــــــــــدِّ

فقلتُ لنفسي انها قــمر المهــــــــا      وهل تنظــــر الأقمار إلاّ من البعــــــــدِ؟

وله مهنئا السيد محمد حسين السيد ربيع بمناسبة قدومه من زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) منها :

بدا كالهلال بإشراقـــــــــــــــــــــهِ        فأهدى السرور لعشّاقــــــهِ

ولم يدر ان الحشا بعــــــــــدَه        تسعّر فـــي نـار أشــــــــواقهِ

وقد كنت منه لديغ الصدود        فجـــاء لقلبي بدرياقـــــــــــــهِ

ثم يقول :

وقد كان نوحي على بعده          كنوح الحمام على ســــاقهِ

ثم يقول :

تزيّن بالحلي حسناً كمـــــا          تزيّن غصــــنٌ بأوراقـــــــــــهِ

الى أن يقول :

وفيحاء بابل فيه اكتست         جديد الهنا بعد إخــــــــــلاقهِ

وله قصيدة في مدح السيد محمد القزويني وتهنئته بمناسبة رجوعه من الحج :

وافى كبدر قد جلا بضـــيائــــــه   غسق الجى مذ لاح في ظلمـائهِ

وأتى ولم يـــدر الغـــرام أضرّبي   والشوق أسقمني لطول جفائـــــهِ

وافى وحيّاني بكأس رضــــــابه   أهلاً بخمر رضـابه وإنـــــــــــــــــــــائهِ

فرشفته وثملتُ من خمراللمى   لا من حميــّــــاه ولا  صهبــــــــــــائهِ

يفتر عن خضل أغرّ منضـــــدٍ   يجلو دجى الظلــماء في لألائـــــهِ

وله من قصيدة يرثي بها السيد عبد الباقي الآلوسي بن السيد محمود شكري الآلوسي :

أدرى حين نعى ناعي الكمـــال     أيّ قلـــــــــبٍ راع فيه للمعالـــــي

يا عذولــيَّ دعاني والجــــــــــوى     إنما حالـــــــــكما ليست كحـــــالي

خلّياني وملمـــــــات الليالــــــــي     ان قلبي فـي لظى الأرزاءصالي

ذهبت أيدي الليالي بفنــــــــــى      كان في علياء جيد الدهرحالي

عجباً كيف الردى قد نالـــــــه      وذرى مفخــــــــــره صعب المنــــالِ

حملوه والعلى من خلفـــــــــه      من أسى تبكيه بالدمع المُــــذالِ

ونقل من شعره نماذج كثيرة منها ما ذكر آنفاً ومنها : له من قصيدة :

وافى كبدر التمّ عند شروقِــــــه      سَحَـــراً وعاطاني مدامةَ ريقـــــــــهِ

فكأن عذبَ رُضابـِــــهِ في ثغرهِ      شهــــدٌ مذاقتُـــه حلَتْ لِمشـــــــــوقهِ

وغدا يحدّثني بأطيبِ منطــــــقٍ      قد فاقَ طيـــــــبَ الراحِ في راووقهِ

وافترّ عن خضل أغرّ منضـدٍ       يسبي عقولَ ذوي الهوى بعقيقهِ

ماء الشباب بوجنتيه كليهما       يسقي من الخـــــدّين ورد شقيقهِ

ياليلة قضيتها بمهفهـــــــــف        ظامي الحشا لـدن القوام رشيقهِ

مابين لثم فم ورشف سلافة       نال الهوى منـــــا أداء حقوقـــــــهِ

وظللت مذ سمح الزمان بوصله    نشوان بين صبـــــــــوحه وغبوقهِ

وقال يرثي السيد جواد بن السيد حسن القزويني ويعزي أخاه الإمام السيد مهدي القزويني طاب ثراه وهي قصيدة طويلة نجتزيء منها :

ألا هل خليّ للزمــــــــــان يعاتبُـــــــهْ     فإني شـــجيٌّ لا أُطيــقُ أخاطبُهْ

وجوّالمعالي بعده الـــيوم أظلمت     مشارقُه من وجدِها ومغاربُـــــــهْ([4])

 

[1] – البابليات:3/43

[2] – كوركيس عواد، جولة في دور الكتب الأميركية، ص 86.

[3] – تاريخ الحلة :2/215-218

([4] ) البابليات : 3/43-46

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً