أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلوا نسولف

خلوا نسولف

فيينا / الأثنين 25  . 08 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

رسل جمال

سالوفتنا اليوم عن النظافة لانها ليست مجرد سلوك فردي يقتصر على البيت أو الملبس أو الهيئة الشخصية، بل هي انعكاس لثقافة مجتمع بأكمله، فالمكان العام هو صورة المجتمع، بقدر ما يكون نظيفًا ومنظمًا، بقدر ما يعكس وعي أفراده ودرجة التزامهم بالقيم الإنسانية والحضارية. وفي العراق، للأسف، ما زلنا نعاني من فجوة واضحة في هذه الثقافة، إذ ينظر كثير من الناس إلى النظافة بوصفها مسؤولية الحكومة فقط، في حين أنها مسؤولية تشاركية بين المواطن والدولة على حد سواء.
مررت بموقفين فيما يخص النظافة ندمت بالاول وفرحت بالثاني

المشهد الأول : في مكان مقدس

كنا بزيارة لمكان مقدس ،المكان كان مكتظًا بالنساء، بعضهن منشغلات بالصلاة والدعاء، وأخريات يتناولن الطعام، ما لفت انتباهي أن بعض النساء بعد أن أنهين أكل الفواكه تركن القشور وبقايا الطعام مرمية على الأرض، وكأن الأمر لا يعنيهن، ظللت أرمق إحداهن بنظرات المعلم، لعلها تنتبه وتشعر بالحرج، لكن لا حياة لمن تنادي، والحقيقة اني تمالكت نفسي بقوة حتى لا اسألها لماذا ترمي قشور البرتقال، بهذه الطريقة ولكن لاني أمراة فقد تنبأت بردة فعلها وهي حتما ستكون غير لطيفة، لكن عاهدت نفسي ان لا اسكت في مثل هكذا موقف مرة اخرى، الأسوأ أن هذه الأم كانت تفعل ذلك أمام أطفالها، لتزرع فيهم صورة سلبية، أن توسيخ المكان أمر عادي لدى البعض، وأن المكان العام لا يستحق العناية، وهنا تكمن الكارثة، فالتربية ليست أوامر بقدر ما هي تقليد، كما جاء في الآية الكريمة: “إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ”. فما الذي نتوقعه من جيل يرى أمه أو أباه يسيئون استخدام المكان العام؟

المشهد الثاني: في سيارة الأجرة
الموقف الاخر واجهته وأنا أستقل سيارة أجرة، في مشهد يتكرر الاف المرات ،السائق أنهى شرب قنينة ماء بلاستيكية، وبكل بساطة رماها من نافذة السيارة، لم أتمالك نفسي وسألته: لماذا رميتها؟ ارتبك الرجل وتفاجأ من السؤال، حتى بدا عليه الخجل، لم يجد ما يفعله سوى أن يوقف السيارة، يفتح الباب، يلتقط القنينة من الشارع ويعيدها إلى داخل السيارة من جديد، كان الموقف مؤلمًا من جهة، لكنه يكشف أن كثيرًا من تصرفاتنا السلبية لا تأتي عن قناعة، وإنما عن غياب شعور بالمسؤولية، أو بسبب اعتياد المجتمع على هذه الممارسات دون حساب.

المسؤولية تبدأ من البيت والمدرسة
إن غرس الشعور بالمسؤولية تجاه النظافة العامة لا يمكن أن يأتي عبر القوانين أو حملات التوعية فقط، بل يبدأ أولًا من البيت. فالطفل الذي يرى أمه وأباه يحرصان على رمي النفايات في مكانها، سيتشرب هذا السلوك ويكبر عليه، والمدرسة بدورها تتحمل مهمة ترسيخ هذه القيم من خلال السلوك العملي اليومي، لا من خلال الخطب النظرية.
إن النظافة في جوهرها تربية بيئية، والتربية البيئية تعني إعداد جيل يدرك أن المكان العام امتداد لبيته الخاص، وأن الحفاظ على نظافة الشارع أو الساحة أو المقام الديني، لا يقل أهمية عن الحفاظ على غرفة نومه أو مجلس داره.

الحاجة إلى ثقافة بيئية جماعية
إن معالجة مشكلة النظافة في العراق ليست مهمة وزارة البلديات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر المواطن مع الدولة. في الختام وقبل السلام نحتاج إلى نشر ثقافة بيئية، تُزرع في الوعي الجمعي وتتحول إلى سلوك يومي تلقائي، عندها فقط، يمكن أن نحلم بمدن أنظف، وأحياء أجمل، وبيئة صحية تليق بتاريخ هذا البلد وحضارته.
وفي النهاية، ما نحتاجه ليس مجرد أكياس نفايات وحاويات موزعة في الشوارع، بل نحتاج إلى تربية تزرع قيم نظيفة لتنتج لنا مجتمعًا نظيفًا. وهذه التربية البيئية ستكون لنا معها سالوفة أخرى في مقال قادم.

*سكرتير التحرير

بغداد / 25. 8 . 2025
جريدة السيمر الاخبارية
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً