فيينا / الأربعاء 17 . 09 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
مسار عبد المحسن راضي
قصة إليزابيث تسوركوف، التي اختطفتها كتائب حزب الله في أواخر آذار 2023، الباحثة الإسرائيلية الروسية التي نفت جامعتها على نحو

قاطع أي علاقة لها بتواجدها في العراق.
بالإضافة إلى جوازَي سفرها الإسرائيلي والروسي صارت إليزابيث تسوركوف أقرب إلى مواطنٍ عالمي أو أيقونة ليبرالية، عندما قامت كتائب حزب الله العراقية باختطافها في أواخر آذار 2023. سيرتها تكوّنت من قُصاصات متناثرة في عالم الاستخبارات والأكاديميا والإخوان المسلمين “النُسخة الأمريكية”. وبفضلها، قد يمدحُك ترامب على نحوٍ عَرَضي وينقلك من المحلية إلى العالمية.
فُرشاة الإعلام استقرَّت على رسم تسوركوف، التي انتقلت من دولة تُعد الأكبر عالمياً -روسيا- في مساحتها إلى دولةٍ صغيرة مشكوك في شرعيتها التاريخية وموصومة بجرائم حرب-إسرائيل- بوصفها “باحثة”، وجاءت إلى العراق من أجل بحثٍ ميداني، لتُكمل أطروحة الدكتوراه في جامعة برينستون، لكنّ الجامعة العريقة نفت بنحو قاطع أي علاقة لها بتواجدها في العراق.
إليزابيث بوند
حسب السيرة المتشظّية في وسائل الإعلام، وُلِدَت تسوركوف في روسيا عام 1986 أو 1987، لكنّها نشأت وترعرعت في إسرائيل، وخدمت في الاستخبارات العسكرية للجيش الإسرائيلي في عمر مبكر، وهي في التاسعة عشرة أو العشرين، وشاركت في الحرب الإسرائيلية ضد لبنان عام 2006.
الاستخبارات العسكرية ليست مثل الخدمة في الموساد، لذا لا نستطيع اعتبارها جيمس بوند المرأة التي تتسلَّح بالبحوث الأكاديمية بدل المسدس. الآنسة تسوركوف،“عملت بعد ذلك مباشرة” تحت إمرة ناتان شارانسكي الذي عمل وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت في الوقت نفسه.
قبل أن تتم عامها الثلاثين، وفي عام 2015، رافقت وفداً من وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة، التقطت صورة أمام البنتاغون مُعلِّقة أنها في “مهمة خاصة”. بعدها اختفت تسوركوف لتظهر في سوريا. موّلت مواقع إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل ناشطة في الصراع السوري، كما روّجت لفصائل إسلامية مسلحة سورية، ذات صلات بواشنطن، ودافعت عنها إزاء اتهامات ارتباطها بتنظيم القاعدة.
دعمُها للمعارضة السورية دفعها إلى انتقاد الشيعة بقسوة، لكنّها حالما دخلت الأراضي العراقية في الثامن والعشرين من كانون الثاني 2023 غيَّرت آراءها.
حطّت الآنسة إليزابيث في العراق، بعد أشهر قليلة من اقتحام التيار الصدري للمنطقة الخضراء في التاسع والعشرين من آب 2022، عملية الاقتحام التي باتت تُعرف في أدبيات التيار الصدري بـ “ثورة عاشوراء”، وأخذت تُظهِرُ عشقَها للشيعة ولمواقف الزعيم الصدري.
بعد أن جمع قلبُ الآنسة – لا توجد معلومات أو أيَّة إشارة إلى أنها متزوجة – حبّ السنة والشيعة، كسرت كتائب حزب الله هذا القلب باختطافها في أواخر آذار 2023، هكذا يمكن تلخيص ذلك المشهد.
وهذه المعلومات تبدو رغم كل شيء عادية، مثل ملامح تسوركوف التي يفضِّلُها عالم المخابرات وصُنَّاع الجواسيس، لكن عند إضافة معهد Newlines الأمريكي إلى سيرتها فإن هذه الملامح ستصبح، وصاحبتها، غير عاديَّة.
الحب المستحيل
تسوركوف، من أكثر الأعضاء خبرة في هذا المعهد الذي تأسّس عام 2019 -كانت تعمل في الحكومة الإسرائيلية على الأقل لغاية عام 2015- نتيجة خبراتها المتراكمة، نحو “عقد من الزمن في إجراء البحوث” بحسب شقيقتها.
تاريخ معهد Newlines يبدو غامض الملامح مثل الآنسة تسوركوف. مؤسس المعهد هو أحمد العلواني، وهو أمريكي من أصولٍ عراقية، يحبّ اقتناء الجامعات ومراكز البحوث كما يحب البعض اقتناء الساعات أو السيارات، والمعهد هذا، يرتبط بالمؤسسة الدولية للتفكير الإسلامي، والتي تُعد مركز تفكير للإخوان المسلمين.
وزارة العدل الأمريكية تعاملت مع هذه المؤسسة كـ “متآمر غير متهم” وذلك في عام 2010. رغم التعثُّر المالي والمواصفات الأكاديمية الرديئة للجامعات التي أسسها العلواني، تحوَّل هذا المعهد شيئاً فشيئاً إلى واحة لمسؤولين سابقين في المخابرات المركزية ومؤسسات أمريكية أخرى.
المناوشات الإعلامية بين العلواني ومؤسسات بحثية أخرى مدعومة من قبل إسرائيل، مثل مركز “السياسة الأمنية”، مستمرة، وظهر فيما بعد، أن معهد الحرب الحديث في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت يموله، ولهذا انتهت مسرحية اعترافه بالاستقلالية في البحث والتمويل.
نتيجة التاريخ الطويل من تبديل الأسماء والفضائح، اضطر العلواني، إلى تغيير الاسم الجامع لممتلكاته من الجامعات ومراكز التفكير إلى “معهد واشنطن للتعليم والبحث”.
المفارقة، أن كثيراً من مراكز البحث الأمريكية المدعومة من إسرائيل تهاجم العلواني بوصفه رمزاً للإخوان المسلمين. ربما لأنها لا تريد أن يمتلك العرب -حتى الذين يتعاونون مع عالم الاستخبارات والعسكر- الدربة والمران الكافيَين في تطبيق أساليب الضغط والتعاطي مع المؤسسات الأمريكية.
منذ نهاية ولاية الرئيس بوش الابن الثانية وبداية رئاسة أوباما، نشأت علاقة جادة بين واشنطن والإخوان المسلمين بسبب “الديناميكية النشطة لهم وخبراتهم الممتازة في الإعلام”، بحسب تقارير دائرة المخابرات المركزية الأمريكية. كانت الولايات المتحدة تريد صناعة نسختها الخاصة من الإخوان المسلمين، لأنها قد تحتاجهم في مناطق ساخنة مثل أواسط آسيا ومنطقة القوقاز أو الشرق الأوسط والمغرب العربي.
تسوركوف، تمثِّلُ، إلى حدّ ما، نموذجاً أوليَّاً للاستفادة الإسرائيلية من هذه النوعية من مراكز البحوث، ووجودها في أنجح معاهد العلواني نوع من التدريب على اكتساب الخبرات الواقعية للعمل في مناطق النزاع الساخنة، وليس من أجل مراقبتها وتحليل البيانات فقط. نشاط تلك الواجهات التي تحمل ظلاً أكاديمياً يُسهِّلُ العثور على عرب يتفهمون وجهة نظر بلادها، وآخرين يحملون اهتماماً مشتركاً مع واشنطن وتل أبيب.
صفقة التحرير
بعد نحو ساعة من الضربة الجوية الإسرائيلية على قطر في التاسع من أيلول اُطلق سراح إليزابيث تسوركوف بإعلان رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن “تحرير المواطنة الروسية إليزابيث تسوركوف”. أمّا الكتائب فقد أعلنت أن إطلاق سراح تسوركوف كان “لتجنب الصراعات”.
بإطلاق سراحها، يحاول السوداني استباق نتائج الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في تشرين الثاني 2025، وتجنيبها أيَّة تداعيات قد تؤثر على حظوظ النظام السياسي وشرعيته السياسية، خصوصاً إذا ما دعمت الميليشيات العراقية ذات الصلات الإيرانية طهران في حال شنَّت إسرائيل هجوماً جديداً ضد الأخيرة.
بعد اشتباكات دائرة الزراعة في بغداد، واتهام الحكومة لكتائب حزب الله اتهاماً صريحاً غير مسبوق، من المرجّح أن يترك السوداني هذه الميليشيات وجهاً لوجه مع واشنطن وتل أبيب، وقد يحصل على نوعٍ من الدعم المعنوي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. المؤكد أنه لن يكون بحجم الدعم الذي يحظى به رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
في الداخل العراقي فتح رئيس الحكومة، الذي بدأ رئاسته بوصفه شخصية مجهولة أمريكياً ومتواضعة غربياً، وبات ثقيلاً “تسوركوفياً”، فتح باب المقارنات على نفسه وحكومته والنظام السياسي برمّته حين أطلق سراح “الضابطة والباحثة والناشطة والموظفة والمواطنة الإسرائيلية الروسية”، بينما ما يزال العشرات من العراقيين المختفين قسرياً مجهولي المصير.
المصدر / نيريج ميديا
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل