فيينا / الأحد 12 . 10 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
حين تتحول الديمقراطية إلى وعود “مولد وتبليط”!
منذ انطلاق العملية الديمقراطية في العراق، كانت الآمال معلقة على أن تكون الانتخابات وسيلة للتغيير الحقيقي، وصوت الشعب أداة للإصلاح وبناء دولة المؤسسات، لكن ما حدث على أرض الواقع كشف جانبًا مؤلمًا من المشهد السياسي، حيث تحوّلت صناديق الاقتراع إلى وسيلة يستغلها بعض النواب لتكريس مصالحهم الشخصية، على حساب وعي المواطن واحتياجاته اليومية.
لقد أدرك كثير من المرشحين أن جهل الناس ببنية النظام الديمقراطي يمثل مدخلًا خطيرًا يمكن التسلل منه، فبدل أن يُقدَّم البرنامج الانتخابي بوصفه رؤية إصلاحية وتشريعية، جرى تسويقه على شكل وعود خدمية ضيقة:؛مولد، تبليط، محولة، ومستوصف!
وكأن النائب هو موظف بلدية أو مدير ناحية، لا مشرّعًا يحمل على عاتقه مسؤولية رسم سياسات وطنية ومراقبة أداء الحكومة.
إن أكبر كارثة حلّت على العملية الديمقراطية في العراق هي تحويل الترشيح إلى دوائر مناطقية ضيقة، هذا التقسيم جعل من النائب ممثلًا لعشيرته أو منطقته فقط، لا ممثلًا للشعب العراقي بأكمله.
وبهذا تغيّرت معايير الاختيار من الكفاءة والنزاهة إلى “من يستطيع توفير الخدمات”، ولو على حساب القوانين والدستور.
هكذا تحوّل البرلمان من منبرٍ للتشريع والرقابة إلى سوقٍ للمطالب المناطقية، تُباع فيه الوعود الرخيصة مقابل الأصوات، ويُغيب فيه الوعي الجمعي لصالح المكاسب الصغيرة.
اما فوضى الدعاية الانتخابية وتشويه المدن
فلا يمكن الحديث عن الانتخابات دون التوقف عند فوضى الدعاية الانتخابية، تلك التي ملأت الشوارع والساحات العامة بلا ضوابط ولا ذوق عام،وبتنا نتساءل متى تغادر هذه الإعلانات اللوحية التي تشوّه وجه المدينة وتخرب بناها التحتية؟ بل وقد تتحول إلى خطر حقيقي كما حدث مؤخرًا حين سقطت إحدى اللوحات على سيارة أحد المواطنين مسببة أضرارًا مادية جسيمة.
وعند التمعن في تلك الصور المنتشرة للمرشحين، نجدها تفتقر إلى أبسط قواعد الإتيكيت الإعلامي والاتصال البصري؛ فهناك تشوّه بصري واضح، وعدم انسجام بين الألوان والصور، بل وحتى في اختيارات المكياج المبالغ بها لدى بعض المرشحات، ما يعكس ضعفًا في فهم كيفية تصدير صورة لائقة ومقنعة للناخب.
أما لغة الجسد، فتعكس في كثير من الأحيان فجوة حقيقية بين شخصية المرشح وصورته التسويقية، فيظهر التناقض بين ما يريد إيصاله وما تلتقطه عدسات الجمهور من ارتباك وافتعال.
إننا أمام مشهد انتخابي يزداد ابتعادًا عن الوعي والرقي، ويقترب أكثر من الفوضى البصرية والسلوكيات الارتجالية، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى قوانين تنظم الحملات الدعائية وتضبط أساليب التسويق السياسي، حفاظًا على الذوق العام وهيبة العملية الانتخابية.
ورغم كل هذه السلبيات، يبقى أصل العملية الانتخابية راسخًا، فنحن نتمسك بها لأنها الطريق الوحيد لإحداث التغيير ضمن النظام الديمقراطي، مهما كانت عثراته ومشكلاته.
فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للتطور والتصحيح، وما زالت هذه التجربة في طور النضج التدريجي بفعل التراكمية، وهي تراكمية الوعي والممارسة والمسؤولية التشاريكة، بين المتصدين لها والجمهور وكل دورة انتخابية، مهما شابها من خلل، تظل خطوة إضافية في مسار طويل نحو ترسيخ مفاهيم الديمقراطية الحقيقية في المجتمع العراقي.
*سكرتير التحرير
بغداد / 12 . 10 . 2025
جريدة السيمر الاخبارية
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل