فيينا / الثلاثاء 28 . 10 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
ما إن اقترب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقرّرة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2025، بدأ المشهد السياسي في المناطق السنية يذهب نحو واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً منذ عام 2003، فالتدافع السياسي أصبح أكثر سخونة من أي مرحلة مضت، والانقسام السياسي، تبدّل موازين القوى داخل المحافظات الغربية والشمالية، وصعود قيادات جديدة، بدا “البيت السني” في حالة تدافع غير مسبوقة.
يعيش العراق في هذه الانتخابات تحوّلات سياسية واقتصادية وأمنية، فعلى صعيد القوى السياسية الشيعية، يسعى الإطار التنسيقي للحفاظ على نفوذه الحكومي، بينما يحاول الأكراد إعادة ترميم موقفهم بعد خلافات داخلية في إقليم كردستان، أما القوى السنيّة، فأمامها امتحان مزدوج يتمثل في استعادة التوازن داخل الدولة، وتوحيد الصفوف في الداخل، الأمر الذي جعل الساحة السنية أكثر انفتاحاً على صراعات الزعامة والتحالفات المؤقتة.
ويرى مراقبون أن انتخابات 2025 لن تكون مجرّد سباق على المقاعد، بل معركة لتحديد من يمثّل السنّة في مرحلة ما بعد التوافقات القديمة، خاصة مع تصاعد الخطاب الشعبي المطالب بتمثيل سياسي حقيقي يعالج الأزمات المعيشية، لا مجرد اقتسام للمناصب.
ووصف السياسي العراقي، ومحافظ نينوى الأسبق، أثيل النجيفي، أجواء الانتخابات البرلمانية لعام 2025 بأنها “الأكثر سخونة” داخل المجتمع السني منذ عام 2003، مؤكداً في الوقت نفسه أن ما يجري من تنافس وصراع بين القوى السنية لا يخرج عن إطار الحملات الانتخابية الطبيعية التي تشهدها معظم دول العالم.
وقال النجيفي في تصريح خاص لشبكة “الساعة”، إن “المشهد الحالي، رغم ما يعتريه من خلافات وانقسامات داخلية، “يُعدّ مؤشراً على حيوية الساحة السياسية السنية”، مضيفاً أن “الانتخابات هذه المرة تجري في أجواء أكثر انفتاحاً، إذ لا توجد قيود سياسية أو مجتمعية حقيقية تمنع الأفراد من الترشيح أو التعبير عن آرائهم”.
وأشار إلى أن “حتى المناطق التي تنتشر فيها بعض الفصائل المسلحة لم تشهد استخدام السلاح للتأثير على الناخبين أو المرشحين، بل لجأت بعض الأطراف إلى استخدام المال أو التهديد الإداري كوسائل ضغط، مثل التلويح بالفصل من الوظيفة”، مبيناً أن “المواطن بدأ يتجاوز هذه التهديدات ولم يعد يخشاها كما في السابق”.
وأضاف النجيفي أن “بعض القوى السياسية تحاول استغلال الانقسام القائم بين الكتل السنية، أو تغذيته عبر التمويل الخارجي من جهات أو فصائل معينة” لكنه أعرب عن تفاؤله بأن “هذه الظواهر لن تدوم طويلاً”، قائلاً: إن “هذه الإرهاصات ستتبدل تدريجياً، مرحلة بعد أخرى، ولن تنتهي دفعة واحدة، لكن الاتجاه العام يسير نحو نضج سياسي أكبر داخل المكوّن السني”.
من جهته، حذّر الباحث في الشأن السياسي، عبد الله الذبان، من خطورة التدافع السياسي والصراع الانتخابي المتصاعد بين القوى السنية، عادًّا أنه يمثل “تهديداً حقيقياً لوحدة الموقف السياسي وإضعافاً لقدرة المكوّن السني على التأثير في مرحلة ما بعد الانتخابات”.
وقال الذبان في تصريح خاص لشبكة “الساعة”، إن “ما يجري اليوم داخل البيت السني من تنافس حاد لا يخدم المشروع الوطني الجامع، بل يفتح الباب أمام مزيد من التشرذم وفقدان الوزن التفاوضي في المشهد السياسي المقبل”، مشيراً إلى أن “غياب الرؤية الموحدة والبرنامج المشترك بين القوى السنية يجعلها أقل قدرة على الدفاع عن مصالح جمهورها خلال مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة”.
وأضاف أن “التركيز على المكاسب الفئوية والحسابات الشخصية جاء على حساب المصلحة العامة للمكون، الذي ما يزال يعاني من آثار التهميش والإقصاء السياسي حتى في مستويات تشريع القوانين وتمثيل المحافظات في البرلمان والحكومة”.
ودعا الذبان في ختام حديثه، القيادات والقوى السنية إلى “استدراك خطورة هذه المرحلة الحساسة، وتغليب المصلحة العليا على المصالح الفئوية والحزبية، بما يضمن استقرار العملية السياسية ويحافظ على استحقاقات المكوّن السني في الدولة العراقية”.
أكد المحلل السياسي أحمد عياش السامرائي أن الساحة السنية تشهد تدافعاً سياسياً غير مسبوق داخل التحالفات الانتخابية، مشيراً إلى أن “السباق الحالي يكشف عن تحولات كبيرة في المزاج الجماهيري وفي شكل التحالفات التي لم تعد تقتصر على مكوّن أو قومية بعينها كما كان الحال في السابق”.
وقال السامرائي خلال حديثه مع شبكة “الساعة”، إن “هناك تحالفاً سنياً ناشئاً لم يتجاوز عمره سنة واحدة، لكنه استطاع أن يحقق حضوراً جماهيرياً لافتاً، متقدماً على تحالفات وأحزاب تقليدية لها سنوات طويلة، بل عقود، في العمل السياسي”، لافتاً إلى أن “هذا التحول يعكس رغبة الشارع في التغيير والبحث عن وجوه جديدة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة بطريقة مختلفة”.
وأضاف أن “خريطة التحالفات السياسية في العراق تغيّرت جذرياً منذ انتخابات عام 2021، حيث لم تعد التحالفات قائمة على أساس طائفي أو قومي صرف، بل باتت أكثر تنوعاً، تجمع قوى من خلفيات متعددة وفق المصالح والبرامج الانتخابية”.
وفيما يتعلق بغياب بعض الشخصيات السياسية المعروفة، أوضح السامرائي أن “عدداً من الأحزاب والقيادات المخضرمة التي فقدت تأثيرها الشعبي تحاول العودة إلى الواجهة من خلال افتعال الأزمات وإطلاق التصريحات والاتهامات، إلا أن تأثيرها بات محدوداً وغير مسموع لدى الشارع، الذي أصبح أكثر ميلاً للتجديد والتغيير”.
أوضح الكاتب والمحلل السياسي علي الصميدعي، في منشور على “فيسبوك”، أن “المشهد السني في انتخابات عام 2025 ما زال يعيش حالة من التنافس الحاد والانقسام البنيوي”، مشيراً إلى أن “أبرز محاور الصراع بين الكتل السنية تتمحور حول الزعامة، النفوذ، والتحالفات السياسية المتقلبة”.
وأضاف أن “صراع الزعامات ما يزال يشكّل السمة الأبرز داخل البيت السني، إذ يتنافس القادة السياسيون الرئيسيون على زعامة المكوّن والحصول على أكبر مساحة من النفوذ داخل السلطتين التنفيذية والتشريعية”، مؤكداً أن “هذا التنافس غالباً ما يجري على حساب توحيد الصف السني وإيجاد موقف سياسي موحّد في القضايا الوطنية”.
وأضاف أن “المشهد السياسي شهد خلال الفترة الأخيرة تفكك تحالفات تقليدية، مثل تحالف السيادة الذي كان يجمع (تقدّم) و(عزم)، وظهور تكتلات جديدة مثل ائتلاف القيادة السنية الموحدة في يناير 2025، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي داخل المكوّن السني، واستمرار الخلافات حول تقاسم المناصب الحكومية والنيابية”.
وبيّن أن “الخلافات على المناصب عادة ما تبرز خلال مرحلة تشكيل الحكومة أو توزيع الوزارات واللجان البرلمانية، إذ يسعى كل تكتل لضمان حصته السياسية ومصالحه الخاصة، مما يعمّق الانقسام داخل المكوّن”.
وأشار الصميدعي إلى “وجود تأثيرات خارجية تلعب دوراً في تعقيد المشهد”، موضحاً أن “بعض القوى السنية ما زالت تتلقى دعماً إقليمياً متفاوتاً، الأمر الذي ينعكس على مستوى الخطاب السياسي ويزيد من حدّة الاستقطاب الداخلي”.
أما فيما يتعلق بالبرامج الانتخابية، ذكر أن “الكتل السنية تركّز على ملفات حيوية مثل تعديل قانون العفو العام، وعودة النازحين، وتعويض المتضررين، وإنهاء سيطرة الفصائل المسلحة على المدن المحرّرة”، لافتاً إلى أن “التنافس على تمثيل هذه القضايا أمام الجمهور كثيراً ما يتحوّل إلى عامل احتكاك سياسي بين التحالفات”.
وختم الصميدعي تحليله بالقول: إن “العوامل البنيوية والخلافات التاريخية داخل البيت السني ما زالت قائمة في عام 2025، إذ يرتبط معظمها بالتنافس على التمثيل والنفوذ في المشهد السياسي العراقي، أكثر مما يرتبط باختلاف الرؤى أو البرامج الوطنية”.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل