أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / الاحتجاج وفق نظرية من باريس .. ماذا لو توفي السيستاني؟ لندن و”توتر الحوزة” مع العيداني والعلمانيين

الاحتجاج وفق نظرية من باريس .. ماذا لو توفي السيستاني؟ لندن و”توتر الحوزة” مع العيداني والعلمانيين

فيينا /الخميس  20 . 11 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

نشر باحث بريطاني بارز يقدم استشارات لوزارة الخارجية في بلاده وكذلك لواشنطن، ورقة تحليل عن الانتخابات العراقية الأخيرة، مع عناية بنموذج رصده لتغير قيادات الاحتجاج في البصرة، حيث برز العديد من رجال الدين الشباب الموالين لحوزة النجف العلمية، في طليعة المظاهرات المطالبة بإصلاح الأوضاع خصوصاً في المنطقة الشمالية من المحافظة، ووصل الأمر درجة تصادم مع المحافظ أسعد العيداني وصلت إلى رفع دعاوى ضد الشيوخ ودعاوى مضادة، فضلاً عن احتلال المعممين للقيادة بعد تراجع دور المدنيين والعلمانيين، ويستعين البحث الذي نشره “بنديكت روبن” لدى “تشاثام هاوس” وهو أبرز مركز أبحاث في أوربا، بفرضيات عالم اجتماع فرنسي شهير هو “بيير بورديو”، تتحدث عن “منعطفات” تحدث بعد تراكم الأزمات كما في الحالة العراقية حين فشلت الدولة وفشلت الأحزاب المدنية وشجعت رجال الدين وربما الحوزة، على التقدم تدريجياً لقيادة الحركة الاجتماعية المعترضة، مفترضاً أن تلك التحولات مرشحة للتزايد بعد رحيل المرجع الأكثر اعتدالاً، آية الله العظمى علي السيستاني.

النشاط الديني الجديد

شهد صيف هذا العام تطوراً مفاجئاً في البصرة، عاصمة النفط العراقية: ظهرت شمالي المحافظة مجموعة من رجال الدين الشباب لقيادة مظاهرات بشأن الوظائف والخدمات. كان أبرزهم الشيخ هيثم المنصوري، الذي قاد احتجاجات كبيرة في حي الإمام الصادق شمال البصرة. ومن بينهم أيضاً الشيخ حسين المزيرعاوي في القرنة، والشيخ عبد الغفار العوادي في منطقة المدينة، والشيخ مثنى الربيعي في احياء الدير والنشوة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الشخصيات ليست من التيار الصدري بل هم رجال دين مرتبطون بحوزة النجف. يثير نشاطهم تساؤلات حول التسييس المحتمل للحوزة ودور الدين في تعبئة الاحتجاجات.

في أطراف البصرة، يحتفظ رجال الدين بشرعية كبيرة من خلال ارتباطهم بالحوزة، كما أنهم يوفرون درعاً وقائياً للتنظيم المحلي، حيث تقل احتمالية أن تقوم الدولة والجماعات المسلحة بنشر تكتيكات مكافحة الاحتجاج المعتادة – مثل العنف والمضايقات القانونية – ضد الشخصيات الدينية.

تخضع هذه الأعراف حالياً للاختبار. فقد اتخذ المحافظ أسعد العيداني مؤخراً خطوة غير معتادة ببدء دعوى قضائية ضد الشيخ عبد الغفار العوادي، متهماً رجل الدين بالتحريض على الاحتجاجات بشأن نقص المياه في المدينة. ورداً على ذلك، هدد العوادي بتصعيد الاحتجاج والزحف إلى المحاكم. وسحب العيداني القضية في نهاية المطاف بعد وساطة عشائرية. كشفت هذه الحادثة عن التوتر المتزايد بين المؤسسة السياسية في البصرة والأشكال المتزايدة لتأثير النشاط الديني.

يأتي الدور الأكثر بروزاً لرجال الدين في الاحتجاجات بعد ضعف أطر الاحتجاج البديلة بسبب فقدان الشرعية والعنف والاستيعاب. في غياب الأصوات الأخرى، يقوم رجال الدين الناشطون في البصرة الآن بصياغة انتقاداتهم الخاصة للنظام السياسي. على سبيل المثال، قال المنصوري مؤخراً لأتباعه: “المؤسسات الحكومية غائبة، حل محلها الفوضى وهيمنة مافيات الأحزاب… لقد رأينا أن المسؤولين لن يبنوا لكم حتى مدرسة إلا بعد ضغط واحتجاجات متواصلة”.

تغيير قيادة الاحتجاج في البصرة

يعكس التحول في قيادة الاحتجاج في البصرة جزئياً، التباين بين المناطق الحضرية والريفية. فبينما استثمرت الطبقات الوسطى الحضرية بشكل كبير في حزب “تصميم” التابع للمحافظ العيداني، تبحث المناطق الريفية عن قيادة بديلة لتوجيه الاهتمام السياسي إلى التخلف.

كانت نخب النشطاء المدنيين العلمانية إلى حد كبير، والأحزاب السياسية اليسارية، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي، وطلاب الجامعات، جميعهم بارزين بدرجات متفاوتة في تنظيم احتجاجات البصرة بدءاً من “انتفاضة الكهرباء” عام 2010 وصولاً إلى حركة تشرين عام 2019. ومع ذلك، شهدت كل من هذه المجموعات تدهوراً في مصداقيتها وتأثيرها.

الأبرز من ذلك هو أن القيادة الطلابية لحركة تشرين إما تم استيعابها في القطاع العام أو تحولت إلى احتجاجات قطاعية تطالب الدولة بتوفير فرص عمل. ويعزى الأداء الانتخابي القوي لعدي عواد من عصائب أهل الحق في البصرة بنحو كبير، إلى رعايته لهذه المجموعات من الخريجين العاطلين عن العمل المحتجين. وفي الوقت نفسه، أدت إخفاقات الهياكل السياسية المرتبطة بتشرين – مثل امتداد – إلى تقليل رغبة العراقيين في الانخراط في النشاط من خلال مثل هذه القنوات.

في الواقع، أوضحت الحملات الانتخابية تضاؤل القوة الأيديولوجية للعلمانية والمدنية و”الدولة المدنية”. هذه المفاهيم – التي كانت محورية جداً لحركات الاحتجاج العراقية من عام 2015 وحتى تشرين – تنضم الآن إلى فئات رمزية وأيديولوجية أخرى استُنفدت سياسياً، مثل الطائفية والإسلاموية. وقد عزز الأداء الانتخابي الضعيف للكيانات السياسية المرتبطة بتشرين – مثل البديل – حقيقة أن التنظيم السياسي يقتصر الآن على القوة الخام للمحسوبية (الزبائنية) التي تمارسها الدولة.

تسييس الحوزة؟

دعمت الحوزة بشكل دوري الحركات الاحتجاجية في العراق في لحظات استراتيجية. لقد دعمت بنشاط الانتفاضات المناهضة للاستعمار مثل ثورة 1920 وعارضت الأنظمة الاستبدادية خلال أحداث مثل انتفاضتي 1977 و1979 (بتوجيه من آية الله محمد باقر الصدر). ومع ذلك، في حقبة ما بعد عام 2003، كان موقف الحوزة أكثر حذراً. قدم كبار رجال الدين مثل آية الله علي السيستاني إرشادات أخلاقية بدلاً من التنسيق المباشر للتعبئة، بما في ذلك أثناء تشرين.

ومع ذلك، يظهر تاريخ العراق الحديث أن الشبكات الدينية يمكن أن تكون محفزاً، حيث تربط النشاط المحلي بحركات سياسية أوسع – كما شوهد في اندلاع نشاط الصدريين المسلح بعد عام 2003. حتى الآن، تجنب رجال الدين الناشطين في البصرة التنسيق الرسمي، واقتصروا على البيانات العامة للتضامن المتبادل. كما سعوا إلى إبقاء الاحتجاجات غير حزبية، والتفاوض مع السلطات المحلية كممثلين للمجتمع وليس كوكلاء سياسيين. تشير المصادر المحلية إلى أن رجال الدين يتصرفون بشكل مستقل عن الحوزة، حيث تحافظ الأخيرة على قيود صارمة على تورط رجال الدين في السياسة. ومع ذلك، فهم يستمدون بشكل واضح من القوة الرمزية للمؤسسة الدينية الشيعية – ومن المرجح أن يُفسر حتى صمت النجف على أنه دعم ضمني.

ومع ذلك، سيتطلب الأمر تحولاً كبيراً في الظروف لكي ينتقل رجال الدين في العراق الشيعي من النشاط المحلي إلى تنظيم حركة أوسع وأكثر سياسية. وقد نظّر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو لمثل هذه اللحظات على أنها “تراكم” للأزمات الاجتماعية، حيث تتقارب الاضطرابات المحلية في النظام الاجتماعي وتتحول إلى تطورات تاريخية أوسع.

قد يكون مثل هذا التراكم في الأفق القريب. سيؤدي وفاة آية الله السيستاني إلى أزمة في المرجعية الدينية الشيعية، مما يغير العلاقة بين الحوزة والدولة والسياسة في العراق. وإذا تزامن هذا مع أزمات أخرى في سياسات وإدارة الدولة العراقية، فمن المرجح أن يؤدي إلى تسييس الديناميكيات الاجتماعية للحوزة ويهيئ المشهد لأشكال جديدة من النشاط الديني. في هذا السيناريو، قد يكون ظهور رجال الدين الناشطين في البصرة نذيراً لمرحلة جديدة في القيادة الدينية في المجال السياسي – ولحركة الاحتجاج القادمة في العراق.

 المصدر / 964

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً